|
"باب الحارة" في رأي سوريات: "ظلم لصورة المرأة السورية" ولو "كرس شهامة الرجال" |
|
|
|
جهينة خالدية
|
|
2007-10-12 |
يُفتح "باب الحارة" ويُغلق يوميا على نماذج جامدة للمرأة لا تتقدم ولا تتغير. يعود المشاهد في كل حلقة الى ثلاثينيات القرن الماضي، متعرفاً الى قيم وتقاليد الحياة الاجتماعية ايامها: كالتآخي والتسامح والتوادّ التي فُقدت ايامنا..
نضع عالم مؤلف العمل محمد قاووق، الافتراضي المثالي جانبا، وندخل عالم النسوة المطيعات الغارقات في عالم ذكوري رجعي، فنجدهن مكرّسات للطبخ والكنس والغسل، راضخات لأوامر تصدر مع "باقة" من الإهانات وشتائم من مستوى "سدي حلقك، وانقلعي، وامشي قدامي، يا ناقصة عقل، ويا ريت انذبحت وما تطلقتي"... الخ. ربما لا ينكر احد سواد هذه المعاملة لدى بعض الطبقات في ذلك الوقت. لكن بالمقابل يقع المؤلف في فخ الصورة الواحدة، فلا يقدم اي شخصية نسائية مختلفة، تسعى لتكون مؤثرة في بيتها وفي حارتها. وبذلك حجب المسلسل كل النساء اللواتي كان لهن حضور سياسي وثقافي في الشارع السوري ايامها، ووثق التاريخ حركتهن. على الرغم من كل هذا، يحظى المسلسل باكبر نسبة مشاهدة في العالم العربي. يعود الشباب الى منازلهم، ويختفي الرجال من المساجد عند موعد عرضه، وتتفرغ النسوة له ليصطف الكل أمام الشاشات. نفهم انجذاب الرجال الى مسلسل يكرس ذكوريتهم، لكن غير المفهوم هو اختفاء أصوات نسائية معارضة لهذا التنميط لصورة المرأة، كأنهن يتماهين مع ما يُقدمه. لذا توجهنا الى سيدات سوريات عايشن تلك الفترة بشكل أو بآخر، بأسئلتنا هذه. فهن بلا شك الأَولى بالإجابة. ظلم لا تنفي سلوى، أرملة المفكر الكبير الراحل ياسين الحافظ، قيمة ما يقدمه المسلسل من قيم نفتقدها كالصدق والاستقامة وغيرهما. لكنه برأيها "يحصر المرأة بنماذج المرأة المطيعة التي تخاف الرجل، وتخشاه مع العلم بأنه كانت هناك نساء يمسكن بزمام القرارت في المنزل". وبرأي الحافظ انه وإن أثّر ارتباط النساء اقتصاديا بالرجل على استقلاليتهن وشخصياتهن ايامها، لكنه لم يمنع مساهمتهن بالحركة السياسية آنذاك. أما المشهد الأبعد عند نهلة قباني زوجة السيناريست ابراهيم الصادق (67عاما ـ ربة منزل)، ابنة حارة الحلبوني في دمشق، فهو مشهد غسيل المرأة لرجلين زوجها! تقول إنها كل حياتها لم تر جدتها أو قريباتها "يغسلن أرجل أزواجهن. الانصياع للرجل في تلك الأيام كان يتمثل في الاحترام المتبادل، أما في "باب الحارة" فهناك مبالغة في ردات الفعل وظلم لصورة المرأة السورية". وقد تكون"الإباحية والتفلت الحاصل اليوم هو أحد أسباب شعبية المسلسل" برأيها، "والتي زادت كردة فعل على انعدام الأخلاقيات اليوم". ما تنفيه قباني تؤكده قمر شربجي (74عاما ـ خياطة) . تقول إن "نسوة ذاك الوقت كن يركعن ليخلعن احذية أزواجهن، وهذا ليس بتخلف". تتحسر شربتجي على تلك الأيام، وتحلم بأن تستمر القنوات العربية باعادة وتكرار المسلسل الى لانهاية، والسبب؟ "حتى تعرف كنة اليوم كيف كانت الكنة تعامل ويفقع قلبها وقتها..". الـ"فشرت" التي قالتها أم عصام (صباح الجزائري) لزوجها (عباس النوري) والتي صعدت أحداث المسلسل، تعتبر "تكبير راس" برأي هيام جميل (ربة منزل 67 عاما)، و"حتى اليوم تبقى كلمة غير مقبولة ولا بد من أن يكون مقابلها عقاب".. لكن عند السؤال عن هضم حقوق المرأة في هذه المسلسل تشعر جميل "بانفصام دور الرجل في المسلسل، فيصبح خارج المنزل شهما وداخلها عنترا". وتستغرب "عدم وجود أي استنكار من الحركات النسائية اليوم للاهانات المتساقطة على رؤوس الزوجات والبنات، والاعتراض لعدم اظهار وجه المرأة الفاعلة التي قاومت الانتداب". متخلف "متخلف ومقلد، يقدم المرأة كمتخلفة ترضخ للموروث من العادات" كما تقول المخرجة التلفزيونية هند ميداني. برأيها الغاء وجود المرأة المقاومة لكل هذا التسلط، يصورها غير مهتمة برفع الظلم عن نفسها، وهو تصوير غير صحيح. ترفض ميداني أن تصوَّر المرأة بهذا الشكل من دون أي صوت مقابل ينصفها في المسلسل، معتبرة أن سبب انتشار "باب الحارة" يعود لأن "الرجال يحلمون بزوجات مطيعات كأم ابراهيم، وأم خاطر وأم بشير.. والنساء على الرغم من دخولهن سوق العمل الا انهن يعدن الى التخلف من جديد، وحتى ان بعضهن أصبحن أكثر رجعية". وعلى الرغم من تخلفه، يجذب "باب الحارة" الجمهور "لتقديمه فكرة العدالة المشتهاة". والانجذاب هذا بحسب الطبيبة والكاتبة والناشطة في مجال المرأة وفي المجال السياسي ميّا الرحبي يعود الى اعجاب الشارع العربي بالحدوتة، مع العلم بأنه يغيّب أي نضال للنساء وقتها، ولا يتطرق الى المنتديات الأدبية والحوارية التي انتشرت خلال الانتداب الفرنسي. برأي الرحبي يحجب المؤلف محمد قاووق عن المرأة حقوقها، وانسانيتها. أما تماهي النساء العربيات مع كل هذا، فيعود الى "تراجع حركة تحرر المرأة مقابل المد الديني السلفي الذي يكرس دونية النساء وعودتها الى المنزل".
جهينة خالدية- ("باب الحارة" في رأي سوريات: "ظلم لصورة المرأة السورية" ولو "كرس شهامة الرجال")- جريدة السفير اللبنانية (11/10/2007) |