|
العمل الأهلي في سوريا ما له وما عليه |
|
|
|
جابر بكر
|
|
2007-10-07 |
هناك جمعيات نسوية وأخرى تعنى بالطفولة، البيئة، حقوق الانسان، إحياء المجتمع المدني. حراك اجتماعي عام، اتخذ أحياناً شكلاً واضحاً من خلال المؤتمرات، اللقاءات، ورش العمل، والنقاشات في مواضيع مدنية، اجتماعية، وثقافية متنوعة. نشاطات أهلية نمت وتطورت على امتداد الساحة السورية في غضون السنوات القليلة الماضية، تعثرت، عانت وتعاني الكثير من العقبات والمشكلات. ما هي مشكلاتها التي تواجهها؟ وما تأثير هذه النشاطات على الحياة العامة، اجتماعياً، ثقافياً، وسياسياً؟ وماذا عن مستقبلها؟ أسئلة وجهتها (أبيض وأسود) لعدد من العاملين والمشاركين في النشاطات الأهلية، فكان لدينا الاستطلاع التالي: الأب باولو دالوليو (دير مار موسى الحبشي): لا شك أن المجتمع الأهلي في سوريا قفز قفزة نوعية مع بداية الألفية الثالثة، ولكن تولدت صعوبات كبيرة في المنطقة عرقلت المسير، والذين كانوا يبنون على الثقة، وإمكانية المجتمع السوري بأن يتطور تدريجياً تجاه المرام، ما وجدوا رجاءهم مخيباً، بل يستمرون، يعانون شيئاً من البطء، ولكن رجاءهم ونشاطهم قائم، وعملهم مستمر، والنتائج جيدة، وهو إن صح التعبير تحضير الأساس والقاعدة بناء على من سبقنا لمستقبل جيد لأن السوريين يحافظون على مبدأ الوفاق الوطني، ويعتبرونه من المقدسات، وغير مستعدين أن يضحوا بالأمن والوئام في سبيل أي قيمة أخرى.. كل القيم مهمة، ولكننا لن نخرب البلد لأجل تحقيق قيمة من القيم بل نحافظ على البلد كشرط أساسي لتحقيق أي قيمة. والنشاط الأهلي لاحظت أنه، بالنسبة لدير مار موسى مثلاً، ومهما كان محدوداً يأتي بنتائج طيبة، وخاصة بالنسبة للمجتمع المحلي، فمثلاً نحن على الصعيد المحلي نعمل على مواضيع مثل البيئة، السياحة، والتنمية المستدامة، وكل هذا نشاط ثقافي حضاري، يأتي بنتائج مرموقة وجدية، وهناك أيضاً مشاريع سياحية متميزة على صعيد المنطقة، كأرض مقدسة، ورغم صعوبة الظروف في المنطقة، لكن الحق يحضر نفسه للمسير أبعد من المشكلات، التي ستنتهي إن شاء الله، ونحن كجزء من المجتمع الأهلي نعمل على المساعدة في حل هذه المشكلات، من خلال التبادل الثقافي العالمي في سبيل دعم الحق، وبنفس الوقت نظرتنا تجتاز المشكلة الآنية للأفاق الأبعد منها، لذلك نملك التفاؤل ومن لديه إيمان فهو من ملكوت الله، والآفاق مهما كانت بعيدة تتحقق لأن لها هذا البعد الإيماني البعيد المدى، والذي يجتاز البعد الشخصي. بالنسبة لصعوبات العمل الأهلي في سوريا هناك مثلاً التمويل، إذ لا يوجد منظمة غير حكومية إلا وتجد صعوبات فيه، وهذا الموضوع مربك، وفي العالم أموال كثير لكن المشكلة بالتوزيع، والمشكلة أيضاً بإيجاد الينابيع بطريقة غير مشبوهة وصحيحة، فعندما تعمل بطريقة شفافة دقيقة إجمالاً تحصل على ما تريد، وأحياناً إن كثرت الأموال تؤذي أكثر مما تنفع لأنها تعمل النزوات، فالتمويل ليس بالمشكلة لا بل البحث عن الأموال هو أيضاً عمل في ربط الوحدات الاجتماعية ببعضها ويخلق علاقات مع مؤسسات وتيارات وأشخاص وهناك أناس لا يعرفون ماذا يفعلون بالمال الذي يملكونه وينتظرون قدوم من معهم أفكار وتفاؤل ورجاء ليمول لهم ما يعتقدون أنه شيء جيد. والصعوبة الأخرى يأتي بها أشخاص جراء خوفهم نتاج أسباب متنوعة، مرات من ضيق الأفاق، ومرات للحفاظ على الخصوصيات فكل جديد يفزع، ومرات عديدة عندهم نفوذ فيرمون (فتيشة) فتضطر أن تشرح وتوضح، وهذا التعب أيضا ضروري لأن العقليات لا تتطور إلا من خلال الحوار، يعني جميل أن نحمل فكرة الحوار مع كل الناس، والنتيجة على المدى البعيد هو الموقف الفالح والناجح. العمل الأهلي ضروري إذ ليس في المجتمع السوري فقط، بل مجتمعات كثيرة، اختبرت وعلمت أن العمل الذي تسوقه الدولة وحدها لا ينجح واليوم واضح تماماً أن العمل الناجح اقتصادياً، ثقافياً، واجتماعياً هو المبني على المبادر الحرة، التوعية، حرية التجمع، وحرية التعبير، لذا المستقبل بطبيعة الحال مبني على توفير المساحة الكافية لممارسة الحرية، ونرى أن هناك قناعة شاملة بهذا، فالتيار السوفييتي القيادي في كل شيء، أثبت فشله في كل مكان، ولكن يجب أن لا نهمل أهمية الاختيار الديمقراطي لقيادة البلاد وأهمية الدولة في التنسيق، وبعض الأحيان في الدور التشجيعي ومرة بالمبادرة المباشرة، فإذا نحن نرى مستقبل سوريا في التنسيق بين دور هيئات الدولة ودور المنظمات غير الحكومية والأهلية، وهذه العلاقة الصحيحة بين هذين الجناحين يدفع البلد للطيران بأحسن حال. المهندس أنور وردة (رئيس تحرير مجلة الاجتماعية): من حيث المبدأ الجمعيات الأهلية والمنظمات الأهلية تأخذ في سوريا أبعاداً جديدة كل يوم خاصة في السنوات الأخيرة، ونشاطها يشمل أكثر من ناحية، كالمجال البيئي، الديني، الخيري، والثقافي، وهناك إقبال من الناس بدليل أن كل نشاط من هذه النشاطات إذا ما أعلن عن عمل جماهيري يلقى حضوراً شديداً، ومشاركة واهتماماً إضافة للعمل الصحفي والإعلامي، وإقبال المواطنين هذا تلقائي وترى فيه الكثير من النقاشات بمستويات متباينة بحكم تباين كفاءات المشاركين، أو المعدين لمثل هذه النشاطات، وهو نتيجة قلة خبرتهم والتي تتكون بالممارسة على مبدأ إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، الناس يمارسون هذا النشاط ليس على شكل وظيفة أو أنهم يمثلون جهة ما أو أن يدافعوا عن وجهة نظر معينة رسمية أحياننا، وإن تنافت مع قناعاتهم يبقون مضطرين أن يتكلموا عن وجهة نظر الجهة التي يمثلونها، والحقيقة أن في مثل هذه النشاطات يكون الإنسان لوحده وتلقائياً وحراً، والحكومة اعتبرت أنه مجرد فسحها المجال للعمل وكونه يقام ويمارس بأريحية تامة فهو دليل رضا ودليل التوجه الحكومي بتنشيط العمل الأهلي الذي يولد مزيد من الابتكار والإبداع، فاليوم الوزارات قادرة على وضع الخطط، أما في العمل الأهلي فأنت تتفاعل مع مجتمع كامل فينتج لديك ملايين الأفكار وملايين الرعاة إذ ليس كل الدعم حكومياً، فاليوم مثلاً تأتي شركة أو مؤسسة وتمول نشاطاً ثقافياً ما، وهناك الكثير من المؤسسات الاقتصادية والشركات تدعم بعض المؤتمرات. وأنا لا أعرف إذا ما كانت الحكومة السورية تمتنع عن تمويل مثل هذه النشاطات بشكل مباشر، ولكني أعرف أن الحكومة لديها نظام مالي أحيانا يكون صارماً قليلاً، ولكن هناك بعض الجمعيات البيئية مثلاً لديها مخصصات من وزارة البيئة إضافة لمخصصات من أماكن أخرى، والعسر في التمويل الحكومي لا يطال المؤسسات الأهلية فقط، بل يتعدى ذلك ليصل إلى بعض المنظمات الحكومية فمثلاً في شبيبة الثورة كان هناك شباب يعملون على دورة إعلامية وكانت مخصصاتهم حوالي الثلاثة آلاف ليرة فقط وهم أكثر من 13 شاباً وشابة، وهذا يعتبر برأيهم مخصص مرتفع فبالعادة يعطونهم حوالي 700 ليرة فقط، على الرغم من أن اتحاد شبيبة الثورة منظمة غنية ولديها أموال، فبعض الأحيان تصرف أموالاً على أمور أقل أهمية، إذا ما كانت مخصصات دورات الشبيبة بهذا الحجم فلا نستغرب أن بعض النشاطات لا تملك الجهات الحكومية القدرة على تمويلها، وخاصة إذا ما كانت غير ملحوظة بالخطط، وأتمنى مع الأيام أن يزداد الدعم على الرغم من أني لست من أنصار دعم الحكومة المالي، لأن الداعم وخاصة الجهات الرسمية سيبدأ بالتدخل، أو بالتمظهر، أو بصوغ برنامج النشاط الذي يدعمه، أو أن يفرض محاضر ما فرضاً أدبياً، لذا فالتمويل الحكومي غير مرحب به، وإذا ما راقبنا الخط البياني للنشاط الأهلي نرى أنه في المستقبل سيقدم أفضل مما هو عليه اليوم خاصة إن سارت النشاطات باتجاه لا يحمل أخطاء قاتلة، أو انحرفت عن هدف خدمة المجتمع أو تقوقعت على نوع من المصالح الشخصية، وعندها ستشهد البلاد المزيد من النشاطات والأفكار الجديدة والمزيد من التجمعات الأهلية، وإلى أن يتحقق هذا النمو يجب أن يكون الخطأ مقبولاً خاصة إذا ما كان نتاج حسن نية وقلة خبرة، وكل ما أخشاه أن تكون هناك مواقف رسمية متطرفة تجاه مثل هذه الأخطاء، كإيقاف النشاط كلياً مثلاً. عبد السلام الراغب (أستاذ في جامعة حلب): بداية في كل المجتمعات الإنسانية هناك عمل رسمي وعمل شعبي أو أهلي، ولا يمكن أن يترك العمل الشعبي دون متابعة من العمل الرسمي إذ يخشى أن يسير في غير المسار الاجتماعي، أو المصلحة الاجتماعية الذي نريد، والمسألة تنظيمية شكلية، فحين ترعى الحكومة النشاطات الشعبية وتشجعه من خلال المنظمات، والنقابات، أو الهيئات الشعبية للقيام بمشاريع خيرية، فالحكومة لا تستطيع أن تقوم بكل شيء في موضوع التربية أو المساعدات الخيرية مثلاً. العمل الأهلي المشابه تطور في سوريا كالجمعيات الخيرية التي تسد فراغاً كبيراً وخاصة على النطاق الصحي، وتجميل المدن، كحلب مثلاً، فليس من الخطأ أن يكون هناك عمل شعبي وعمل حكومي فهذا يغذي المسؤولية لدى الأفراد تجاه الوطن وينمي الإحساس الوطني تجاه البلد في صياغة الفكر والثقافة والإحساس بالآخر، والتواصل أو الترابط معه، كما نفعل في الشراكة الاقتصادية التي تتم بين الأفراد، فلم لا تكون هناك شراكة ثقافية واجتماعية، يلتقي الجميع على هدف اجتماعي يقومون به، مما يصقل الأفراد وينمي إحساسهم بالمسؤولية وينمي انتماءهم إلى البلد، ويصب بالنهاية في مصلحة البلاد تماسكا، ويعطيها الشكل الحضاري. أما عقبات هذا العمل تتمثل في توفير الإمكانات، والوسط المناسب لمثل هذه اللقاءات، وممارسة هذا العمل النشيط، وحين توفر الحكومة المناخ الطبيعي لحرية ممارسة الأفراد لهذه النشاطات الاجتماعية أعتقد أنها ستعطي ثماراً أكثر مما لو أهملت الحكومة هذه النشاطات ولم ترعها وتركتها للأمزجة أو للإمكانات المحدودة، وهناك الكثير من الجمعيات الشعبية غير قادرة ممارسة نشاطاتها، ومثال ذلك جمعيات محو الأمية في حلب ذات الإمكانيات المحدودة ولو أنها تتلقى الرعاية المناسبة لأمكن لها أن تقوم بدور فعال، وتحقق أهدافها، وكذلك حال جمعيات الشباب، أو جمعيات الزواج، أو السكن، جميل جداً لو أن هذه الجمعيات هُيئ لها جو لتقوم بأعمالها. الدكتور محمد العمار (باحث في الشؤون الفكرية): أنا بتصوري، ليس لدينا منظمات مجتمع أهلي بالمعنى الحديث للكلمة، لكن لدينا مؤسسات موازية أو بديلة، تمارس مثل هذا الدور وفي الواقع منظمات المجتمع الأهلي بأوربا، وبحسب اطلاعي، لها أبعاد مختلفة بينما ما يمكن تسميته منظمات مجتمع أهلي في سوريا، إذا كانت موجودة، هي ببعد واحد ومحرومة من باقي الأبعاد بسبب طبيعة الحياة السياسية والثقافية في البلاد، وهذه الأخيرة هي أساس المشكلة، فإذا ما وجدت ثقافة حقيقية تستطيع أن تحرر الناس، والمؤسسات، بل وتحرر المؤسسة الحكومية التي تعيق الآخرين أحياناً فتقع هي نفسها بحالة إعاقة، ولذلك نحن جميعاً في الواقع، مجتمع أهلي وساسة، بحاجة للمثقف المنقذ، وليس المعارض للسلطة، وإن كان من حقه أن يعارضها، لكن المثقف هو الذي يملك الحلول ويتبناها، ولديه القدرة على السير بها. وأنا أتصور أن مؤسسات المجتمع الأهلي في سوريا، إذا صحت التسمية، هي مجتمعات متحجرة وقدرتها على التطور محدودة، وخلق أطر جديدة للعمل يحتاج إلى أفكار جديدة، وأن تكون لدينا قدرة الاستفادة من تجارب الآخرين، كما ندخل المهارات في الهندسة والطب، يجب أن نتقبل ونفتح صدورنا لتجارب العمل الاجتماعي والسياسي، فمؤسساتنا الأهلية أساليبها في العمل تقليدية، وآفاقها محدودة وقدرتها على التنمية داخل المجتمع مقيدة بالجياع والعراة فقط، وفي العالم الغربي الحياة ليست جنة، ولكن أيسر مما لدينا بشكل أكيد، حيث هناك مجتمعات تعيش حياة أكثر سلاسة، وحركتها أسهل مما لدينا. وهناك صعوبات تواجه هذه المؤسسات الأهلية في سوريا، الصعوبة الأولى والأساسية، أن الناس الذين يقومون بهذا العمل، غالباً، هناك مشكلة بتأهيلهم، وهناك أناس يتصورون أنه لا يمكن قيام مثل هذه الجمعيات إلا ضد الوطن، أو النظام السياسي، أو أنه يجب أن يكون هناك ضحية ليصطلح الحال، والحقيقة أنه يمكن إصلاح الأوضاع دون ضحايا، وبالمحافظة على الجميع، والمشكلة الثانية هي ردة الفعل المبالغ فيها من قبل المعنيين، ووجودها بهذه الطريقة الضاغطة يعيق، ويسطح مهمته، فليس لديه القدرة أن يخدم بطريقة صحيحة. في النهاية جذر مشكلاتنا الخلل الفكري الثقافي، وعندما تصبح لدينا تصورات جديدة عن مشكلاتنا سوف تتيسر لنا حلول جديدة من خلال المجتمع الأهلي. سؤال النهاية: ربما لم يتفق المستطلعون على خصوصية العمل الأهلي، ومشكلاته، وفوائده أو أضراره، لكنهم يؤمنون بضرورة الحرية لإنجاز أي عمل أهلياً كان أم رسمياً، وهنا تذكرت رأي أحد المفكرين السوريين، يرى أن الحرية هي ممارسة نتحمل نحن نتائجها سلباً أو إيجاباً، فهل تتفقون معه؟ جابر بكر، (العمل الأهلي في سوريا ما له وما عليه)مجلة أبيض وأسود، عن كلنا شركاء (7/9/2007) |