|
تعريب الرسوم المتحركة للأطفال: بين الاستثمار الرابح والمسؤولية التربوية-1 |
|
|
|
راوند سيدو
|
|
2007-10-07 |
يزداد انتاج شركات تعريب برامج الأطفال يوما بعد يوم مع نمو الطلب عليها بسبب ازدهار قطاع المحطات التلفزيونية وخاصة الفضائية، ويشكل انطلاق القنوات التلفزيونية المخصصة للأطفال نقطة تحول كبيرة، ليتحول قطاع انتاج وتعريب الرسوم المتحركة والبرامج الموجهة للأطفال، يساعدها التطور التقني المتسارع الذي أتاح نشوء شركات صغيرة باستثمارات ضئيلة إلى هذا السوق. فكل ما تحتاج إليه اليوم شركة ناشئة هو جهاز كومبيوتر متوسط القدرات، وبرنامج مقرصن، ومترجم، وفني إنتاج للبدء بالعمل على الفور. ولكن، هل توجد رقابة كافية على جودة البرامج المعروضة من النواحي التربوية واللغوية؟ لنرى إن المنافسة الشديدة بين هذه القنوات لعرض البرامج التي تجتذب أكبر عدد من المشاهدين لإرضاء الممولين يضغط على إداراتها، فيضطرون للتضحية بالناحية التربوية من خلال السعي إلى عرض البرامج الرائجة عالميا، فيتم تحجيم الرقابة على محتوى هذه البرامج إلى الحد الأدنى، أي تقتصر على مراقبة الرموز الجنسية والدينية في هذه البرامج، وكل ذلك لتجنب اعتراضات الرقابة الرسمية والشعبية في الدول المستهدفة بالبث، وضمان تزايد عدد المشاهدين، فبدون مشاهدين، تفلس القناة. كما يخضع سوق الإنتاج إلى قوانين العرض والطلب، وبسبب حاجة زبائن هذه الشركات المتزايدة، يلعب الزمن دورا أساسيا في الضغط على شركات الإنتاج لتنفيذ العمل، فيؤثر بالتالي على جودة التعريب. ولكن هل هذا يكفي؟ للإجابة على هذا السؤال لنستعرض المثال التالي: هذا المشهد من برنامج رسوم متحركة عرض على إحدى قنوات الأطفال العربية الشهيرة: البرنامج هو البحار باباي، أما باباي، فغني عن التعريف سواء للكبار أم للصغار، فهو سلسلة من الرسوم المتحركة موجهة للصبية، قديمة قدم الرسوم المتحركة نفسها إذ تعود أولى حلقاتها إلا ثلاثينات القرن الماضي، يعرفها الكبار قبل الصغار، حيث تعرض مغامرات بحار اسمه باباي يتعرض لمواقف عدوانية من قبل شخص شرير ضخم اسمه "بروتوس" فيحاول معالجتها، وعندما ييأس، يستعين بالسبانغ ليكتسب قوة خيالية فيحلها بالقوة!. ولكن ترجمتها إلى اللغة العربية جاء متأخرا ستة عقود فقط، حيث دأبت القنوات العربية على عرضه كل تلك الفترة بدون ترجمة، أو مع ترجمة مكتوبة وبدون أي تصرف. وبدون الخوض في البرنامج نفسه، والذي لنا عليه تحفظاتنا بسبب مستوى العنف الموجود فيه وخاصة كثرة مشاهد التعارك بالقبضات، ورمي الأشياء بقصد الإيذاء، وملازمة الغليون لبطل البرنامج ليل نهار، ففي نهاية كل حلقة، يتم عرض موقف لأبطال هذا البرنامج يهدف إلى توعية الأطفال حول عدد من الأمور مثل الطريقة السليمة لقطع الشارع، واللعب بالنار... إلخ. في تلك الحلقة نشاهد أبناء أخ باباي الأربعة يمشون في الشارع نشطاء فرحين، وإذ بذئب (يمثل الشر والسلبية) في هيئة بائع متسول بثياب رثة يعرض عليهم شراء حبوب ما، ويستعرض كم هي مفيدة ليغريهم بشرائها، فيتدخل باباي فجأة فيبتلع الذئب بعضها ليدخل في صدمة ويصبح لونه أخضرا ويسعف على سرير نقال. ثم تقول حكمة نهاية الحلقة على لسان باباي الحكيم (بالعربية): "الدواء سيؤذيكم أبدا لن يشفيكم إذا لم تستشيروا الطبيب تووت تووت.... فهل هذه هي الرسالة الحقيقية للمشهد؟ أم هي الرسالة التي أراد مخرج السلسلة أن يوصلها بالفعل إلى الأطفال أم هي بتأثير من الرقابة الغبية في شركة الإنتاج العربية (لتحاشي رقابة القنوات)؟ بالعودة إلى النسخة الإنجليزية نرى أن الرسالة موجهة إلى الأطفال الذين يتعرض لهم باعة الحبوب المخدرة في الشوراع ويرغبونهم بشرائها، أي لم تكن الكلمة الإنجليزية هي "medicine" أي (دواء) بل "drugs" أي (مخدرات)!! أي أن (الدواء) هنا ليس حبوب وجع الرأس مثل الباراسيتامول أو البروفين بل هو الحبوب المخدرة مثل الميثامفيتامين وما شابهها! وهنا يتبادر إلى ذهننا مجموعة من الأسئلة: هل وصلت الرسالة إلى الأطفال؟، ولماذا من غير المناسب أن يتم توعية الأطفال من مخاطر المخدرات، أليست رسالة تربوية؟ ولماذا حورت لتصبح رسالة أقل أهمية حول عدم استخدام الدواء دون مشورة الطبيب؟ وهل الرسالة البديلة مفهومة من قبل الأطفال على أية حال؟ طبعا لا!، فالرسالة مضللة على الرغم من أنها مفيدة من الناحية التربوية، ولكن سياقها غير منطقي، وقد لا يقنع المشاهدين الصغار في العالم العربي، فالدواء لا يباع في العالم العربي بهذا الشكل، لأنه ببساطة متوفر في الصيدليات بل والبقاليات بدون قيود، أو مع بعض الرقابة. وبالتالي لربما كان من الأفضل التمعن فيها قبل (سلقها) على عجل، فهي لم تؤدى كما يجب، أو ربما كان من الأفضل حذفها، مادامت لا تناسب مجتمعاتنا أو سياسات دار الإنتاج والرقابة العربية. راوند سيدو، (تعريب الرسوم المتحركة للأطفال: بين الاستثمار الرابح والمسؤولية التربوية-1)مجلة الثرى (9/9/2007) |