|
في السلمية: المعلوماتية تحمل المكفوفين إلى عالم النور |
|
|
|
منى سويد
|
|
2007-09-27 |
"أن أكون كفيفاً فهذا لا يعني بتاتاً أن العالم غرق في سواد ووقف عند هذا الحد، فمازال لدي حواس أربع وبصيرة، وتوق لاقتحام عالم كان مباح فقط للمبصرين". بهذه الكلمات يلخص باسم اليازجي الغاية من وجوده خلف الحاسب،
فخوراً بأن يكون من أوائل المكفوفين الذين أتيح لهم فرصة التدرب على استخدامه، من خلال برنامج "اقترب" الذي انطلق في عام 2005، بهدف تسخير تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لمساعدة المعوقين بصرياً في إيجاد فرص عمل تمكنهم من متابعة حياتهم في المجتمع كأفراد فاعلين فيه. مشروع "اقترب" الذي انبثق عن برنامج "اقتدار" الخاص بتقديم العون التكنولوجي وتقانة الاتصالات والمعلومات في العالم العربي، والتابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كان موعده الأول في سورية في منطقة السلمية، ليطبق في مركز نفاذ السلمية التابع لشبكة المعرفة الريفية بالتعاون مع مشروع البرنامج ICT الاستراتيجي للتنمية الاجتماعية الاقتصادية، وهو برنامج مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الاتصالات والتقانة في سورية. يقول السيد نور الدين شيخ عبيد المدير الوطني للمشروع الاستراتيجي في الـ (UNDP) "يعد مركز نفاذ السلمية واحد من ثلاثة عشر مركزاً يعملون على نشر ثقافة المعلوماتية دفعاً لعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق النائية، وفي هذا المركز نفذ برنامج اقترب لينال المكفوفين فرصة للتعليم والتدريب المجاني على الحاسوب". تعميم التجربة بحسب إحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل يوجد في محافظة حماه 650 مكفوف، من مجموع عدد المكفوفين في سورية البالغ عددهم بحسب المصدر نفسه 55000 مكفوف، وفي ضوء هذه الأرقام، يعلّق المهندس نبيل عيد رئيس فريق عمل مركز نفاذ السلمية قائلاً "تبين من دراسة أجريناها على أرض الواقع، أن عدد المكفوفين في السلمية وحدها (425) مكفوف، ويعود ارتفاع نسبة المكفوفين في السلمية لسببين أحدهما زواج الأقارب والآخر ارتكاب بعض الأخطاء الطبية في معالجة مشاكل البصر، لذلك بدأ البرنامج اقترب عمله بشكل أولي في منطقة السلمية، واستطعنا نقل التجربة إلى معرة النعمان في محافظة إدلب، وحالياً نجهز مركزاً في دير الزور".التعليم الكتروني للمكفوفين يعتمد البرنامج في تدريبه للمكفوفين على تقنية قارئ الشاشة التي يزود بها جهاز الحاسب، متيحاً للمكفوفين إمكانية القراءة الالكترونية لقراءة البريد الالكتروني وتصفح الانترنت والمسح الضوئي وتحويل النصوص إلى وسائط سمعية تمكن الكفيف من سماعها، وكل ذلك باللغة العربية. كما يؤمن البرنامج إمكانية تحويل النصوص المكتوبة والمنطوقة إلى لغة برايل باستخدام طابعة برايل، ليتمكن المكفوفين وضعاف البصر من قراءتها عن طريق اللمس (لغة برايل). كما يمر المتدربون بأربع مستويات خلال الفترة التدريبية. وفي هذا الإطار يشرح عيد قائلاً "تستغرق عملية تدريب المكفوفين فترة تتراوح بين الثلاثة أشهر والعام، وذلك تبعاً لمستوى الكفيف التعليمي، فهناك مكفوفين أميين، وفي هذه الحالة نبدأ بتعليم الكفيف الأحرف الأبجدية ومن ثم ننتقل به للتعامل مع جهاز الحاسب". آمال قيد التحقق (38) متدرب من المكفوفين هي حصيلة عمل البرنامج في مركز سلمية بعد أكثر من عامين على إطلاقه. أسباب كثيرة دفعتهم للالتحاق بهذا البرنامج، لكن يبقى لكل منهم دافعه الذي ينطوي على خصوصية لا يستطيع التعبير عنها سواهم. تنهمك غفران فتاة الثانية عشرة في عملها، تاركة ليديها حرية الحركة على لوحة المفاتيح، تفرح بقدرتها على تطوير سرعة أصابعها في الطباعة، بعد أن أمضت شهرين في التدرب على التعامل مع لوحة المفاتيح والعمل على برنامج قارئ المستندات. لماذا تريد غفران إتقان التعامل مع الحاسب؟ لسبب بسيط، تقول: "أنا بحب الدراسة، وبس اكبر بدي صير معلمة". مازالت غفران في المستوى الأول للتدريب، ويبدو حماسها للوصول لمرحلة استخدام البريد الالكتروني واضحاً، خاصة وأنها تريد مراسلة أصدقائها في معهد المكفوفين بدمشق أثناء فترة تواجدها في السلمية. وبالقرب من الكرسي الذي تجلس عليه غفران، يتابع نور (14) عام شقيق غفران تدريبه بمساعدة صديق له. يقول نور "أنا مكفوف منذ الولادة، والحاسب يساعدني على معرفة أشياء جديدة، وأريد مساعدة أصدقائي في الدراسة عندما أتقن العمل على الحاسب كما يساعدوني الآن". ليس غريباً أن يحمل نور مسؤولية تجاه غيره، فالمناخ الذي يحيط به يشيع في المكان هذه العدوى الجميلة. في مركز نفاذ السلمية ثمة آمال يعقدها المتدربون من المكفوفين، واحدة من تلك الآمال أن تتاح لهم فرصة لنيل شهادة (ICDL) أي رخصة شهادة قيادة الكمبيوتر العالمية، لكنهم يحتاجون أن يُعتمد نموذج خاص بالمكفوفين، يمكنهم من إجراء الامتحان المخصص لنيل هذه الشهادة. ثقافة التطوع بديلاً عن الشفقة ظاهرة التطوع التي بدأت تشهد انتعاشاً نسبياً في المجتمع السوري، خاصة في الأوساط الشبابية، وجدت لنفسها انعكاساً واضحاً في مركز النفاذ في السلمية من خلال شبان وشابات وأطفال أيضاً، تطوعوا لمساعدة "أصدقائهم" بحسب تعبيرهم. بعضهم يتابع دراسته في المركز، وآخرون يأتون خصيصاً ليساعدوا المكفوفين أثناء تدريبهم، بهدف القيام بعمل "مجتمعي إنساني" كما يسميه المتطوع عدي الخطيب (14) عام، فرغم مغريات العطلة الصيفية، فضل عدي تمضية وقته في مركز التدريب ليقدم يد العون للمتدربين المعوقين. يقول عدّي، "من خلال عملي كمتطوع في المركز، استطعت أن أبني علاقات صداقة مع كثير من المعوقين، وهذا أضاف لي شخصياً، كما يؤكد على أن من يريد مساعدة المعوقين، ينبغي أن يمتلك ثقافة التطوع لا نظرة الشفقة، لأن الأخيرة أقسى ما يعاني منه المعوقون. مقصون عن العمل رغم الحماس الذي يبديه المتطوعون والمشرفون على البرنامج في السلمية، إزاء تدريب المكفوفين، لتمكينهم من صياغة عالم جديد لهم، إلا أن سوق العمل لا يبدو بالحماس ذاته لاستيعاب من تدرب من المكفوفين وبات مؤهلاً للدخول في سوق العمل. بالرغم من أن القانون رقم 34/2004 حدد نسبة توظيف المعوقين في الوزارات بـ4% من عدد الموظفين في ملاكها، وشجع القطاع الخاص الذي يقوم بتشغيل المعوقين بإعفائه من جزء من الضرائب. يعقب عيد بقوله "ما تزال ثقة أرباب العمل بقدرات المعوقين عموماً والمكفوفين خصوصاً على العمل ضعيفة، والدليل على ذلك أننا لم نستطع حتى الآن تشغيل سوى ثلاثة فقط من المتدربين، وذلك عن طريق علاقاتنا الشخصية". ويضيف "حاولنا من خلال مشاركتنا في المؤتمر الأول لتوظيف وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي عقد بالتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والغرفة الفتية الدولية، أن نفعّل هذا الجانب، وبالفعل لمسنا تجاوباً من أصحاب الشركات لتوظيف المعوقين، خاصة عندما شاهدوا أداء المعوقين بأنفسهم، لكن حتى الساعة لم يصلنا أي طلب للتوظيف!". إن الارتقاء بتجربة مركز نفاذ السلمية لمساعدة المكفوفين في تعليمهم الإلكتروني وتشغيلهم، واجب يحمل عيد مسؤوليته للمجتمع المحلي والقطاع الحكومي والخاص والمنظمات الدولية، داعياً الجميع لاستثمار ما تم إنجازه، لبناء مستقبل يعيش فيه المكفوفون واقع أقل ظلمة. منى سويد، عضوة فريق عمل نساء سورية، (في السلمية: المعلوماتية تحمل المكفوفين إلى عالم النور)خاص: نساء سورية |