|
موضوعية الدردري وذاتية المواطن: وحدة وصراع الأضداد |
|
|
|
معن عاقل
|
|
2007-09-27 |
أعجبتني عبارة وردت في حديث النائب عبد الله الدردري خلال لقائه مع الصحفيين حين قال: (شعور المواطن الحسي لمعدلات النمو هي قضية ذاتية وليست موضوعية فالتحسن في مؤشرات النمو والتنمية واضح والدليل في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء)!
جاءت هذه العبارة بعد سيل من الأرقام الموضوعية التي ما انفك الدردري يصفع بها المواطنين الذين ما انفكوا بدورهم يتلقونها بشعور حسي وذاتية ضيقة وأنانية. هكذا، على سبيل المثال، تلقاها رجل يقارب الخمسين من عمره، يمر على باب جريدة الثورة كل صباح ممتطياً دراجة عادية ليحصل على جرائد مرمية بغية بيعها وإطعام أسرته بثمنها، ولو عرف الدردري مهنة هذا الرجل الحقيقية، بالتأكيد، لأصابته الدهشة إن بقي لديه مكان للدهشة في بحر أرقامه الموضوعية، ولأن القانون يحظر علينا ذكر مهنته، فإنني أقترح على الدردري وكبار المسؤولين أن يكلفوا أنفسهم عناء الاستيقاظ ذات صباح والوقوف على باب جريدة الثورة ومشاهدته، أو على الأقل سؤال السائقين والحراس عنه. وللإيضاح أكثر، عندما يُسأل هذا الرجل عن سبب ممارسته هذا العمل الذي لا يليق بعمله الأصلي، يجيب بأنه يريد أن يعيش بالحلال وألاّ يمدّ يده إلى الحرام، وبالتالي يغدو طبيعياً جداً، على طريقة الدردري، أن يفقد شعوره الحسي بمعدلات النمو. اللافت للانتباه أيضاً أن الدردري لم يلبث أن طلب الاجتماع بالإدارات الصحفية الرسمية لمساندته في مشروع رفع الدعم وتمريره تحت مسمى إعادة هيكلة الدعم وإيصاله إلى مستحقيه، وذلك بعد فاصل زمني قصير من خطاب القسم الذي أكد فيه السيد الرئيس أن لا رفع للدعم؟! هكذا، تباهى الدردري في غمرة حديثه بأن الحكومة الحالية هي أول من طرحت موضوع الفقر واقتطف من تقرير الفقر الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع الحكومة السورية جزءاً من أرقامه ليؤكد أن من هم دون خط الفقر الأدنى يبلغون فقط 11.4% من إجمالي السكان متناسياً أو متغافلاً عن الشق الآخر من الرقم الذي يستدعي سياسات هي بالتأكيد بعيدة جداً عن السياسات الحكومية القائمة التي يرسمها ويفكر بتطبيقها الدردري. ولترميم النقص في حديث الدردري نقتطف من الدراسة الشق الآخر المهمل إذ جاء فيها: (في عام 2003- 2004 لم يتمكن حوالي 2 مليون سوري من السكان من الحصول على حاجاتهم الأساسية من المواد الغذائية وغير الغذائية وباستخدام خطوط الإنفاق للفقر الخاصة بالأسرة السورية المعيشية يرتفع إجمالي الفقر في سورية إلى 30% ليشمل 5.3 مليون شخص. هنا بالضبط تتجلى موضوعية الدردري ومؤشراته، فهو يقول دوماً بموضوعية مطلقة: (لا تقربوا الصلاة.... فيترتب على المواطنين أو على 30% منهم على الأقل أن يردوا أو يرددوا بذاتية مطلقة أيضاً.. وأنتم سكارى). أما التجاهل الأخطر والأكبر للدردري، سواء في أحاديثه أو في خطواته القادمة لإعادة هيكلة الدعم، فهو لنتائج الدراسة التي وسمت الفقر في سورية بأنه ضحل نسبياً، أي أن الجانب الأعظم من الفقراء يتجمعون حول خط الفقر مباشرة مما يعني أن أية تغيرات في النمو والتوزيع أو أحدهما قد يكون له آثار هامة على أعداد الفقراء، وبالمثل فإن أي خفض في مخاطر النمو من شأنه أن يرفع أعداداً كبيرة من السكان تحت خط الفقر، مما يؤدي إلى تقلبات معنوية في نسبة الفقراء وتشير الدراسة إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تؤكد أن ما يقرب من 19% من السوريين معرضون لفترات فقر عابرة على أقل تقدير. ربما لا يتيسر لنا التشكيك بموضوعية الدردري المولع بمؤشرات الماء والكهرباء والتعليم والصحة (التي في بعض جوانبها لا تقل خطورة عن مؤشرات الفقراء، لكن حسية المواطن وذاتيته لابدّ أن تبحث غريزياً عن تفسير لوقوفه الدائم على هاوية الفقر أو بالنسبة للبعض الآخر في هاوية الفقر ذاتها، حتى لو أثبت الدردري بجميع وسائل البرهان المنطقية والرياضية أن النمو بلغ 10% بينما وصل مؤشر الفقر (مع المعرضين لفترات فقر عابرة) إلى حوالي 50%، وهنا سنلجأ بدورنا إلى التفسيرات الموضوعية فالنمو لا يعني بالضرورة تنمية لا سيما إذا بقي العنصر الأهم في العملية الاقتصادية بعيداً عن أهدافها أو مقصى عن الاستفادة من نتائجها. وهذا ما يحدث بالفعل، إذ ارتفع مؤشر اللامساواة في سورية (حسب دراسة الفقر طبعاً) بشكل عام بين عامي 97- 2004 وارتفع مؤشر جيني من 0.33 إلى 0.37 وفي عام 2003- 2004 استهلك الـ 20% الأدنى من السكان 7% فقط من جميع الإنفاق في سورية واستهلك الـ 20% الأكثر ثراء 45%، أي أن النمو ليس موالياً للفقراء، بل وأبعد من ذلك بقليل يقال إن أحد الأثرياء يفاخر بنسبة حصته في الناتج المحلي الإجمالي، وأبعد من ذلك بكثير، يقال إنه يفاخر بسيطرته مع شركائه على 36% من سوق الاستثمار في سورية والهدف من إيراد مثل هذه المعلومات هو القول لراسمي السياسات الاقتصادية إن الـ 20% الأفقر هم متشابهون أو لديهم قواسم مشتركة كبيرة أما الـ 20% الأغنى فإن قلائل منهم يمكن عدهم وحتى ذكرهم بالاسم يحوزون على الحصة الكبرى من الثروات في حين أن الفقراء المنفيين عن السياسات الحكومية يحتاجون إلى إحصاء ومسوح للتعرف على واقعهم. المؤسف في الدراسة، وهو ما لم تنتبه له على ما يبدو السياسات الحكومية، هو أنها وضعت لبنان والأردن على مستوى سورية في الثراء، طبعاً دون تحديد المعيار المستخدم، هل هو الناتج المحلي الإجمالي أم المقومات المادية والبشرية المتوفرة في هذه البلدان، وفي جميع الأحوال، فإن إمكانات لبنان والأردن مجتمعين لا يمكن مقارنتها بإمكانات سورية، بل إنه في أحد برامج المسابقات كان الجواب على سؤال أيهما أكثر ثراءً سورية أم السعودية هو سورية. ومع ذلك، جاء في أحد مؤشرات السكان لعام 2005 التي تقارن سورية ببلدان الجوار أن نسبة الولادات التي تجري تحت إشراف أشخاص مهرة هي في الأردن 100% ولبنان 89% والأراضي الفلسطينية 97% أما في سورية فهي 76%. ونصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي حسب تعادل القوة الشرائية لعام 2003 بلغ في لبنان 4.480 دولاراً وفي الأردن 4.290 دولاراً، بينما في سورية 3.430 دولاراً. وفي مجال الإنفاق العام على الصحة (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) بلغ في لبنان والأردن 3.5% لكل منهما أما في سورية فبلغ 2.3%. وجاءت سورية أيضاً تالياً في نسبة من يصلون إلى المرحلة الثانوية بعد الأردن 87/ 85 (ذكور/ إناث) ولبنان 83/ 76 والأراضي الفلسطينية 91/ 85 وحتى بعد سلطنة عمان 79/ 72 إذ بلغت 46/ 50. وبالتأكيد هذه الأرقام موضوعية وليست ذاتية حسية ونتمنى على الدردري أن يتأمل فيها قبل أن يشرع بتطبيق آليات جديدة لإعادة إنتاج الفقر الموسع. وحتى لا يتبادر للذهن أننا نتجنى على السياسات الحكومية سأورد نقطتين على سبيل المثال لا الحصر ومن مصادر حكومية أو مؤسسات تابعة لها لتوضيح صورة الواقع وربما شيء من ملامح المستقبل الذي ينتظر الشرائح والفئات الأوسع من الناس. أولاً: جاء في مسح لاتحاد شبيبة الثورة عام 2006 أن 24.1% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13- 35 عاماً يعملون وأن 28.4% منهم (أي من العاملين) يقل عن خمسة آلاف ليرة شهرياً بينما يتراوح دخل 56% من العاملين الشباب بين 5- 10 آلاف ليرة شهرياً ولا تتجاوز نسبة من يبلغ أجرهم الشهري بين 10- 15 ألف ليرة الـ 10.8% بينما لا تتجاوز نسبة من يبلغ دخلهم الشهري فوق الـ 15 ألف ليرة الـ 4.8%. وحتى لا يظن البعض أن باقي الشباب هم في الدراسة فإن المسح يشير إلى 65.9% من مجموع الشباب تركوا الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي و23.5% في مرحلة التعليم الثانوي و3.1% في المعاهد ا لمتوسطة و7.5% في التعليم الجامعي. ثانياً، جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2004 (وضعته هيئة تخطيط الدولة) حول التعليم والعائد أن من الأجدى اقتصادياً للفرد الاكتفاء بالشهادة الإعدادية وأن يبدأ العمل بعدها مباشرة لأن الدخول الإضافية التي يمكنه الحصول عليها بعد الشهادة الثانوية لا تعوّض الدخول التي تضيع عليه في تحضيره لتلك الشهادة الثانوية وهذا ناتج عن قلة فرق الدخل بين الشهادتين. أما جدوى الانتقال من المرحلة الثانوية إلى الجامعية فهو أيضاً سالب وغير مجدٍ اقتصادياً وبالتالي الأفضل الاكتفاء بالثانوية. وهنا لا أدري عن أي تعلم وسوق عمل مستقبليين يتحدث الدردري ولن يسع أحد أيضاً التكهن بالقيم التي سترافق انخفاض جدوى التعليم، وعلى الأرجح، تقوم السياسات الحكومية الحالية بتأهيل شباب متواضع التعليم والكفاءات لسوق عمل معظم استثماراته في العقارات والسياحة، أما الشباب المهتم بالإنترنيت والحاسوب وبرامجه الذي لا تتجاوز نسبته الـ 3% فيمكنه العمل في خدمات أكثر تطوراً بقليل من الزراعة والبناء وخدمات الفنادق. على أية حال، الخطوة الحكومية القادمة والمفصلية هي رفع الدعم أو ما يسمى إعادة هيكلته، ويبدو أن ملامحها بدأت تتضح، أو كما رشح في وسائل الإعلام إما 12 ألف ليرة سورية مقطوعة لكل أسرة سنوياً أو زيادة للموظفين والمتقاعدين بنسبة بين 15- 25% على الراتب، وبناء على أحد هذين الخيارين، استنتج صحفي عبقري أن المتوقع هو أن تستفيد الشرائح السبع الأولى من أصل عشر شرائح في المجتمع السوري من إعادة توزيع الدعم وأن معدل دخلها سيرتفع 30% ربما لأنه حسبها على النحو التالي: دخل الفرد في هذه الشرائح هو ثلاثة آلاف ليرة والزيادة ألف تقريباً في الحالتين، إذاً الزيادة 30% فهنيئاً للمواطن السوري أيضاً في الحالتين! هنا جدير التنويه أن المواطن السوري خبر جيداً معنى الزيادة على الراتب، إنها انخفاض في دخله بمقدار 30% نتيجة ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات، وأعتقد أننا ما زلنا نتذكر بفخر يوم وقف أحد وزراء المالية السابقين ليعلن مساءً على شاشة التلفاز الوطني أن لا زيادة على أسعار المحروقات والسلع بعد إحدى زيادات الرواتب، ولم يكد ينتصف الليل حتى فوجئ الناس بمحطات الوقود ترفع الأسعار رغم التطمينات الحكومية! وفي السياق ذاته، بادر صحفيان آخران في إحدى الصحف الحكومية إلى تحليل هذا الإجراء الحكومي المقترح بطريقة شبيهة بموضوعية السيد الدردري، ولم يفتهما أن يتباهيا بأن سعر الخبز لن يتغير، وحتى يدعما موضوعيتهما بالأرقام أكدا أن منظومة الدعم فشلت في تحقيق العدالة بالتوزيع لأن الأغنياء هم المستفيدون الكبار منها والغني وحده حاز على 56 ضعفاً مما حاز عليه الفقير في هذا البلد من معدلات الدعم وبالتالي فإن 10% حازت 56 ضعفاً. هنا نكتشف استخداماً تبسيطياً للرقم الإحصائي فخلطا بين استخدام الوقود للترفيه في المسابح والشاليهات وغيرها، وبين استخدامه في المزارع والمصانع، لأن الغني سيظل يستهلك وبأي سعر المحروقات للترفيه أما المزارع والصناعي فسيحمِّل تكلفة الزيادة لسلعته التي هي جزيء من منظومة الدعم الاقتصادية، بل وحتى الغني سيحمِّل ازدياد تكلفة ترفيهه لمنتجاته إن كان يعمل في ميادين إنتاجية محددة، وأكثر من ذلك سترتفع قيمة الرشوة والعمولات والعمليات غير المشروعة وحتى الاختلاسات، وسيظل الخاسر الأكبر هم أولئك الذين سيصرفون بيسارهم أضعاف ما تلقوه بيمينهم. والغريب هنا هي المقارنة بين الغني والفقير، كأن مقابل كل غني فقير واحد، والأغرب أيضاً هي تلك القناعة اليقينية بأن هذا الإجراء سيأخذ من استهلاك الغني لتوزيعه على شرائح واسعة من الفقراء. عموماً، أكد الصحفيان أن مبالغ الدعم للعام القادم تقدّر بـ 350 مليار ليرة أي حوالي 65% من الموازنة وأن هذا الإجراء يستهدف مواجهة هذا العبء، لكن وبحساب بسيط، هناك حوالي 3.5 مليون أسرة سورية من جميع الفئات والشرائح وصرف 12 ألف ليرة مقطوعة يعني أن الدعم سينخفض إلى 42 مليار ليرة أما زيادة الرواتب المقترحة فستصل بالدعم إلى حدود 80 مليار ليرة وسيترتب على ذلك ازدياد حدة الفقر واتساعه، لأن الدراسة الحكومية الآنفة الذكر عن الفقر أكدت أن أهم العوامل التي ساعدت على الحدّ من الفقر من سورية وتخفيض نسبته من 14% إلى 11% هو زيادة الإنفاق الحكومي إلا إذا كان الصحفيان والحكومة يعتبرون أن الدعم هو خارج هذا الإنفاق. الطريف أن الحكومة تنهك نفسها في البحث عن عدالة لتوزيع الدعم وتقف مكتوفة الأيدي أمام العدالة الضريبية وعدالة الدخل وتكافؤ الفرص في العمل، وأبعد من ذلك تتجاهل عمداً نتائج وأرقام دراسات مولتها وأشرفت على إنجازها وتغفل عن تأثير مثل هذه السياسات على القيم الاجتماعية للعمل والتعليم والأخلاق متخذة من النموذج المصري للانفتاح مثالاً لها، مع أنه الأسوأ في منطقتنا العربية. نعلم جميعاً أن هناك ثمناً للتحول وأن هناك من سيدفعه، لكن علينا جميعاً أن نطالب القائمين عليه بالنتائج، وهذه الأخيرة ليست فقط أرقاماً إحصائية عن معدلات النمو، بل هي مؤشرات إحصائية وحسية عن ارتباطها بالتنمية والتقدم ومؤشرات عن إجراءات للتخفف من آلام التحولات الجارية، لأن سياسة الإفقار وتعميم الفقر تولد الجهل ومن هذا الأخير تولد جميع أنواع الشرور: التطرف والجريمة والفساد وغيرها. وضعت دراسة الفقر السيناريو التقليدي التالي لتوضيح العلاقة بين الفقر والتعليم: بدأ برب أسرة معيشة أميّ لا يملك أصولاً إنتاجية وتستمر الأسرة في مسارها من خلال الأطفال، وعادة يعانون من سوء تغذية وهو أثر مباشر لجهل الآباء أكثر منه نتيجة لعدم توفر الغذاء المناسب، بالإضافة إلى تواضع الظروف الصحية التي يعيشون بها، ومن ثم يصبح هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للأمراض وهو ما يؤدي إلى تدهور قدراتهم الجسدية، من جهة أخرى لا يجد هؤلاء الأطفال مكاناً في المدارس الرسمية وحتى في حال التحاقهم، عادة ما يضطرون للتسرب من التعليم للالتحاق بسوق العمل، وفي ظل هذه الظروف ينتهي الحال بغالبيتهم أن يصبحوا أميين، وفي غياب خدمات التدريب المهني يواجه هؤلاء الأطفال مصاعب الحياة دون التمتع بأية مهارات، وتكتمل الدائرة عندما يشترك الزوج أو الزوجة في السمات نفسها وهو ما يؤدي إلى تكريس الفقر وانتقاله من جيل لآخر. وهنا سأسمح لنفسي باقتراح سيناريو مختلف قليلاً سيتحول على الأغلب إلى أمر واقع في ظل السياسات الحكومية القائمة: بدأ برب أسرة معيشة حائز على شهادة جامعية لا يملك أصولاً إنتاجية، ولا يكفيه دخله الشهري خمسة عشر يوماً في ظل غلاء الأسعار، ويضطر إلى ممارسة عمل آخر لا يليق بمستواه التعليمي إضافة إلى عمله الوظيفي ومع ذلك تظل الديون تلاحقه، فيضطر إلى ضغط نفقات أسرته، ويتهرب من أسئلة أبنائه حول جدوى متابعة دراستهم، وبعد حين من الزمن يكتشف أن جاره الأميّ، الذي أنجب عشرة أبناء، يعيش أفضل منه، وأن اسمه غير مدوّن في دفتر البقّال أو اللحام، ويعرف متأخراً أنه أرسل أبناءه إلى سوق العمل، بعضهم للتسول وآخرون لنبش القمامة وجمع العلب الفارغة، وأن كل واحد منهم يحصل على دخل يقارب 150- 200 ليرة، ولا يلبث ربّ الأسرة هذا أن يفاجأ بأبنائه ينفرون من المدرسة بعد أن قارنوا أنفسهم بجيرانهم، وبعد فترة زمنية محددة، ربما في المرحلة الإعدادية أو الثانوية، يهملون دراستهم كلياً بعد عجز الأب عن الإيفاء بمستلزمات حياتهم ويضطرون للتسرب من التعليم والالتحاق بسوق العمل، لا سيما إذا اكتشفوا أن بعض رفاق أبيهم ظلوا لسنوات يبحثون عن عمل دون أن يجدوه، وتكتمل الدائرة إذا كانت الزوجة جامعية ولا تجد عملاً أو تعمل لكن بأجر لا يكفي لتغطية إيجار بيت في ضواحي المدينة. وهكذا يفقد الأبناء كل ثقة بأهمية التعليم وجدواه. على أية حال، وللبرهان على مدى مصداقية هذا السيناريو، أقترح على راسمي السياسات الاقتصادية وفي مقدمتهم الدردري، أن يضعوا في جيب كل واحد منهم 50 ألف ليرة سورية وأن يعتبروا أنفسهم لا يملكون أية أصول إنتاجية وأن يعيش كل واحد منهم مع أسرته شهراً كاملاً على أساس أن هذا المبلغ هو أجره الشهري وليفكّروا بعد ذلك كيف يعيش المواطنون برواتب تتراوح بين 5- 20 ألف ليرة وليتصوروا كيف سيعيش المواطن بعد تطبيق مشروع إعادة هيكلة الدعم. ذات مرة كتب صحفي عن الدواء المرّ إثر رفع الحكومة أسعار البنزين والإسمنت، لكنه استخدم بدل قلّة من الأغنياء المستفيدين من الدعم، استخدم تعبير قلة من الفاسدين الذين يتاجرون في السوق السوداء، وبعد أن رفعت الدولة الأسعار وجرعت المواطنين دواءها المرّ، زاد إثراء القلة الفاسدة، وازداد مرض الأغلبية الفقيرة. معن عاقل، (موضوعية الدردري وذاتية المواطن: وحدة وصراع الأضداد)تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء (5-6/9/2007) |