|
الصحافة الإلكترونية في سوريا القارب الذي ظن انه نجا!؟ |
|
|
|
بثينة عوض
|
|
2007-09-23 |
لعل المقدمة الأفضل لهذا التحقيق هي ما أخبرنا به (أيمن عبد النور - موقع كلنا شركاء) عن تخوف القراء من استقبال الإيميلات المرسلة من موقعه نتيجة الذهنية المخابراتية السائدة والتصور بأن ما يكتب قد يعرض قارئيه للمسائلة ويضعهم في خانة التشكيك. بهذا التخوف بدأ عمل الصحافة الإلكترونية في سوريا بعد الاعتياد على صحافة حكومية متبنية لوجهة نظر الحكومة لا تستطيع أن تخطو بعيداً عنها، بينما الصحافة الخاصة محكومة بقانون المطبوعات الذي يقيد عملها إلى حد ما، وضمن هذا المناخ نشأت الصحافة الإلكترونية وأصبحت أمراً واقعاً مع مفارقة بسيطة أنها خارج سلطة هذا القانون، ومع هذا لم تسلم من مقص الرقابة والتدخل الدائم في آلية ومضمون عملها، والسؤال الآن ما الذي حققته هذه الصحافة؟ وهل تمكنت فعلاً من فتح باب الحوار مع حرية تعبير غير مسبوقة؟ والأهم من هذا كله هل شكلت حالة صحفية متفردة؟ البعض يجد في هذه المواقع أبواقاً للسلطة، والبعض الآخر يعتبرها جزءاً من نشاط المعارضة، بينما نظرة ثالثة تجد فيها محركات بحث لعرض الأخبار وإشارات غمز ولمز عن الممول الحقيقي لهذا الموقع أو ذاك. وبعيداً عن كل هذه التكهنات والشكوك دعونا نتأمل قليلاً آلية عمل المواقع وتأثيرها وخصوصاً أنها وبعد ما يقارب ثلاث سنوات من تواجدها لم تتمكن من فرز قوانينها الناظمة، فظل بعضها يعمل بشكل موسوعي يهتم بتجميع الأخبار دون أن يقدم أي تحليل، فتحول إلى صورة كربونية عن الإعلام الرسمي فاقداً بذلك المبرر الأساسي لوجوده، فإلى أي حد نجحت المواقع في الخروج من عباءة السلطة وبناء هيكلية مستقلة تكون فيها حرية التعبير هي الأساس؟ رائد الصحافة: من هم القائمون على هذه المواقع الإلكترونية؟ وهل تمكنوا بعد تخبطات كثيرة تعود لبداية ولحداثة التجربة من منهجة عملهم والوصول إلى خصوصية تميز موقع عن آخر مع استقلالية تغدو الشرط الأساسي للوصول إلى صحافة إلكترونية حقيقية بعيداً عن الخطوط الحمراء المتعارف عليها.
(علي جمالو - شام برس) يعتبر: (أنه والسلطة والقراء في هذه التجربة في حوار طرشان، فالسلطة تريد من هذه المواقع أبواقاً لها، المعارضون يريدونها وسيلة للردح وبعض القراء يجدون فيها وسيلة لتصفية الحسابات) ونحن نريدها أداة تواصل ووسيلة إعلامية تحاول أن تكون مستقلة وأقول تحاول لأني على قناعة بأن ما من أحد مستقل والجميع لديه اعتبارات تفرض نفسها على عمله، (نحن بالنسبة للمعارضة مخبرون من الدرجة العاشرة وبالنسبة للسلطة مشاريع عملاء) لا أظن بأن السلطة مرتاحة لوجودنا. أنا أعتقد أن الصحافة الإلكترونية وأنا رائد هذه الصحافة لم تنجح بسبب براعة القائمين عليها بل لغياب الصحافة الورقية الحرة، فإعلامنا يخدم سياسيات الحكومة ولا يرضي حاجة الناس للمعرفة وبهذا شكلت هذه المواقع متنفساً حقيقياً للتعبير وللتواصل، ومع هذا جرت محاولات عدة لتطويع المواقع الإلكترونية أفلتنا منها بشكل أو بآخر، وفيما يخص موقع شام برس فهو ليس موالياً للسلطة كما يتهم دائماً، وعملنا ينصب على نقل الأخبار كما ترد من الوكالات والمصادر الصحفية الأخرى وهناك نسبة ليست كبيرة هي من إنتاجنا المحلي، والآن نعمل على توسيع مساحة هذا الإنتاج أي إعطاء المزيد من الاهتمام للأخبار المحلية التي ينتجها فريقنا الصحفي. سلاح ذو حدين: حتى لحظة كتابة هذا التحقيق لا يوجد قانون ينظم عمل الصحافة الإلكترونية في سوريا، فهي كما ذكرنا سابقاً متحررة من الناحية الشكلية من سلطة قانون المطبوعات، فما هو إذاً المعيار الرقابي المتبع مع هذا الموقع؟ وماذا عن سقف الحرية المتاح لها؟ وهل رافق تحررها من قانون المطبوعات تحرراً من القيود والمعيقات التي تعترض الصحافة الحكومية والخاصة؟ (نضال معلوف - سيريانيوز) يقول: (صحيح أنه لا يوجد قانون ولكن هذا الأمر هو سلاح ذو حدين نتمنى أن يوجد قانون عصري يحكم عمل الإنترنت دون أن يفرض رقابة على مضمون ما ينشر فيه وبصراحة إضافة للرقابة المفروضة علينا يوجد رقابة ذاتية أيضاً تعود لطبيعة المجتمع كعدم نشر أي شيء ديني أو شيء يمس بالسياسة العامة. صحيح أنه لدينا هامش أكثر من غيرنا ولكن دائماً هناك جهات وصائية تتدخل وكلما ازداد تأثير الموقع كلما ازداد التدخل، وهذا التدخل يكون مباشراً ويومياً باتجاه تقييد النشر، فأصبحنا نعامل كباقي الجرائد والمجلات وتأتي بعض التعليمات عن نشر خبر معين أو عدم التعاطي معه لذلك فإن عدم وجود قانون ينظم العلاقة بين مواقع الإنترنت والجهات المختصة هو أمر سيئ، فالموقع يحب أن يكون حراً ومستقلاً كي يتمكن من تقديم مادة صحفية مميزة. عدا عن ذلك هناك إشاعات عديدة توجه لموقعنا، فهناك أناس كثيرة تحسبنا على السلطة بينما نحن نقول بأن الإعلام الحكومي فاشل لأنه موجه للحكومة ولن نكون مثلاً في سيريانيوز نقدم الأخبار إضافة لتحاليل إخبارية وتحقيقات لها طابع خاص نحاول فيه الاقتراب من المواطن المحلي وموقعنا هو الموقع الأكثر نجاحاً وانتشاراً، فعدد قرائنا تجاوز قراء صحيفة الحياة على الإنترنت، فنحن أصبحنا بالمقدمة رغم وجود خطوط حمراء في سوريا لا يستطيع أحد تجاوزها حتى المعارضة فيما يخص الرأي طبعاً). وهكذا فإن التدخل الدائم فيما تقدمه الصحافة الإلكترونية هو أمر واقع تعاني منه جميع المواقع دون استثناء بل وأكثر من ذلك فتجد بعض المواقع توضع في موقف المساءلة لمجرد نشرها لمادة تتعارض مع سقف الرقابة المتبع وهذا ما حصل مع موقع مرآة سوريا. (أيهم الصالح المدير السابق لموقع مرآة سوريا) يجد: (أن ما حدث شكل اتهاماً للموقع بالترويج للطائفية علماً أن معظم المحررين في هذا الموقع يلتزمون قدر الإمكان بالمنطقية والمصداقية، فهذا الموقع هو ثقافي اجتماعي يهتم بمقالات الرأي وهذا ما يميزه عن باقي المواقع فله هوية خاصة وقد أخذت العديد من مواد الموقع، وتم نسبها لمواقع أخرى وبأسماء مختلفة، وهذه المشكلة تعرض لها موقعنا مرات عدة صحيح أننا نأخذ في بعض الأحيان مواد من وسائل إعلامية أخرى لكننا نعمل وفق مبدأ الاستخدام النظيف فنشير إلى مصدر المادة واسم كاتبها وهذا أمر مهم يجب أن تتعلمه المواقع الإلكترونية الأخرى. عموماً للإنترنت قواعد وأعراف خاصة به وأي قانون سيصدر يجب أن يراعي هذا الموضوع وإلا لن تتمكن الصحافة الإلكترونية من تشكيل هوية خاصة بها لا علاقة لها بالصحافة المتعارف عليها في سوريا). ومع هذا فإن هامش الرقابة يضيق ويتسع بين موقع وآخر وهذا عائد لاعتبارات ومعايير عدة فتجد بعض المواقع تتمتع بحرية لابأس بها بينما مواقع أخرى تلتزم الحياد تجاه كل ما يحدث.
(أيمن عبد النور - كلنا شركاء) يجد أن موقعه هو الموقع الوحيد الذي تستطيع فيه قراءة آراء للمعارضة ولوزراء الدولة: (تحصل على حقيقة الوضع السياسي في سوريا تعرف ما الذي يحدث ولم يحدث، فموقعنا يقدم التحليل، والسبب هو النضج والبعد السياسي الذي تفتقر إليه المواقع الأخرى، لأنه وببساطة لا يوجد شخص في هذه المواقع يعطيك خلفيات الأمور أو على الأقل لديه معرفة بالعمل السياسي وآلية تطوره فنحن نغطي ما يحدث عن معرفة حقيقية لما يحدث وليس نتيجة تنبؤ أو تكهنات وهذا ما يعيق عمل المواقع الأخرى لأنهم وببساطة ينشرون مادة جريئة لمجرد النشر فقط دون أن يكون هناك دراسة حقيقية لما ورد في هذه المادة فتضطر السلطة لاستجوابهم، كلنا شركاء افترضت مسودات لقانون أحزاب ولتغيير الحكومة وتحدثت بمواضيع لم يجرؤ أحد على طرحها نحن أقسى موقع على السلطة، ولكننا كما قلنا سابقاً لا نتكلم عن شيء إلا بعد تحليل كامل له، وببساطة الشخص القائم على الموقع يلعب دوراً كبيراً في الرقابة المفروضة، فالجميع يعرف أيمن عبد النور، وهذا الأمر يساعدني كثيراً والدليل هو أنني فاعل على الساحة المحلية والعربية وأشكل حالة حراك وهذا بمثابة حصانة لي، بينما المواقع الأخرى لا تجرؤ على نشر خبر يعارض السلطة، وهذا له علاقة بالتمويل والجهات التي تقف وراء هذا الموقع). موقع متخصص: وضمن تجربة الصحافة الإلكترونية هذه ظهر موقع إلكتروني متخصص بقضايا المرأة كمحاولة منه لسد الفراغ الموجود في الإعلام الإلكتروني فيما يخص هذا الأمر تحديداً على حد قول (بسام القاضي - مدير الموقع) الذي يرى أن: (تجربة الإعلام الإلكتروني في سوريا تعاني من بنية تحتية غير مناسبة واشتراك ADSL الضروري لأي عمل من هذا النوع يكلف شهرياً 2400 ليرة سورية، وفي بلدان مجاورة يكلف نصف هذا المبلغ بسرعة تبلغ ضعف الموجودة هنا، وأيضاً لم يتم حتى الآن الاعتراف بالإعلام الإلكتروني في الثقافة العامة، وللحقيقة هناك مشكلة أخرى تواجه الصحافة الإلكترونية وهو أنها حتى الآن لم تتبن آلية حوار صحيحة، فمعظمهم إما يتجه إلى السطحية أو إلى أحادية الرأي وفي موقعنا حاولنا تجاوز الأمرين، ولهذا أعتبر أن التخصص أمر مهم لأنه يؤثر على العاملين في هذه المواقع وتطور عملهم وعلى الناس والمعرفة التي يستطيعون الحصول عليها من هذا العالم الافتراضي فالتشعب لن يقدم أي شيء جدي). والسؤال هنا ماذا قدم التخصص لموقع نساء سوريا؟ وهل تمكن فعلاً من الوصول إلى مرتبة متقدمة فيما يخص المواقع الأخرى (غير المتخصصة) ساعدته في تخطي حالة الفوضى التي تعتمدها باقي المواقع كآلية عمل..؟ ببساطة هناك خط واحد متشابه بين جميع المواقع لم يجد التخصص في الإفلات منه فحتى الآن مازالت الصحافة الإلكترونية وليداً لم يكتمل الملامح لعل الآتي يكون الأفضل. تمويل واستثمار: إضافة لمشكلة الرقابة التي تعاني منها المواقع تبرز مشكلة التمويل كمنغص لا يمكن تجاهله لدرجة دخلت فيها هذه المواقع ضمن مزاد علني من خلال محاولة بعض التجار المعروفين أو رجال السلطة شراء هذه المواقع أو تمويلها، وهذا يعني القضاء على حيز الاستقلالية المتبقي. أيمن عبد النور عرض عليه أن يبيع موقعه لعدة مرات، ولكنه رفض ذلك لأنه ببساطة عندما يقبل بهذا الأمر فإنه سيتخلى عن الاستقلالية المتعارف عليها في موقعه لأن الموقع سيبنى وجهة نظر الممول لا أقل ولا أكثر (موقع سيريانيوز له ميزانية شهرية تتجاوز المليون ليرة سورية، لو كان لدي مليون ليرة في السنة وليس في الشهر لفعلت المستحيل، فميزانية الموقع تلعب دوراً كبيراً في إنتاجه). أما علي جمالو فالموقع بالنسبة له هو عمل وليس ابناً له وعندما يعرض عليه سعر مناسب فإنه سيبيع الموقع (الموقع أنا أملكه ولا أتلقى مساعدات من أحد،عرض علي بيعه من قبل جهات أوروبية وسورية تابعة للسلطة ولكنني لن أبيع إلا عندما أقتنع بذلك). وهنا نخلص إلى نتيجة أن مشكلة التمويل هي مشكلة ملحة يعاني منها بعض أصحاب المواقع فحتى الآن لم يتشكل في سوريا مناخ مناسب يكون فيه التمويل هو مجرد دعم لتجربة جديدة بعيداً عن التدخل في تفاصيل هذه التجربة ومضامينها. بسام القاضي يعتبر أنه لا يمكن تطوير العمل في هذه المواقع دون ملاءة مالية مناسبة، والفكرة التي نسعى إلى تطبيقها هي أن واجب أصحاب الأموال أن يدعموا هذا النوع من النشاط، فورد واحدة من أكبر الشركات العالمية الرأسمالية، وهي واحدة من أكبر ممولي الدراسات الإنسانية في العالم هذه الثقافة غائبة إلى درجة كبيرة من رجال الأعمال في سوريا، فالتمويل هنا يعني أنه لا مكان للاستقلالية. أخيراً: الآن تدخل الصحافة الإلكترونية عالم الاستثمار من خلال الحصول على إعلانات إضافة لمناقشة قانون خاص بهذا المواقع (تم استبعاد الأطراف المعنية منه طبعاً) كما يتم التحضير لحوالي 35 موقعاً إلكترونياً جديداً، كل هذا والتجارب القديمة رغم مساهمتها في خلق حالة حوارية متميزة بعض الشيء مازالت تعاني من مشكلات عدة تعيق عملها فهل تخطو المواقع الجديدة خطوة أخواتها أم أن مناخاً مختلفاً سيعم الصحافة الإلكترونية في سوريا مناخ لا مكان فيه للرقابة أو التبعية لجهة معينة تفرض وجهة نظرها بغض النظر عن أي اعتبار آخر. بثينة عوض- (الصحافة الإلكترونية في سوريا القارب الذي ظن انه نجا!؟)أبيض وأسود (العدد 175- 2007) |