|
عزة القصابي
|
|
2007-09-07 |
في ظل الثورة المعلوماتية الهائلة التي غزت العالم بسرعة القمر الصناعي، أصبح الحديث عن الرقابة في الوسائل الإعلامية، من باب النوافل التي ابتعد البعض عنها، وذلك لأن أركان الرقابة بدأت تتهاوى أمام البراكين المتدفقة بقوة التكنولوجيا الحديثة.
وهناك أشكال عديدة للرقابة بدءا من الرقابة الذاتية التي تندرج ضمن مجموعة متداخلة في المنظومة الاجتماعية للفرد، فنجد البعض منا، لا يقبل على شيء قد يستنكره مجتمعه، وخاصة إذا كان مغايرا للمعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية المتعارف عليها.وأصبحت أجهزة الرقابة (الإعلامية والفنية) تواجه تحديات كبيرة في ضوء المعطيات العصرية، والتي تعمل على بث الصور والرسائل المتباينة عبر قنوات العولمة وأطرها المتعددة ؛ كالإنترنت، و القنوات الفضائية، والتي باتت تعاني من انفلات الرقيب، وتخضع لرغبات الشركات التجارية لإنتاج أكبر كم من البرامج، دون الاهتمام بمضامينها، وما إذا كانت ستؤثر سلبا على المتلقي أم إيجابا!وبرغم من تعدد أشكال الرقابة، إلا أن جميعها تتكأ على أعمدة (التابوه ) الثلاثي (الدين والسياسة والجنس )، والتي تتفاوت نسبتها من دولة إلى أخرى، نظرا لاختلاف ثقافة الشعب، حيث أن هناك من يقننها حسب رؤى معينة، تتطلب منا ألا نتجاوزها، بينما البعض الآخر، يرى بأن من حقه أن يتمتع بحريته، دون أن يعترض مقص الرقيب طريقه!. وتبدو مسألة الرقابة في وقتنا الحالي مشوشة إلى أبعد الحدود، حيث أن المبدع يدعي بأن الرقابة هي ذلك السقف العالي الذي أصبح يطاول السحب، ليحول دون وصول كمية الهواء اللازمة للتنفس الإبداعي لديه، وبالتالي فالعملية الإبداعية تجهض قبل أن ترَ النور عبر الوسائط المستخدمة. وهذا يؤكد الحقيقية التي تقول بأن الرقابة و الإبداع ندان لا يتفقان، لذلك لا داعي بأن يُلقي الأديب بلومه على أجهزة الرقابة، إذا عمدت على تكبيل أدواته وأحاسيسه المرهفة. مثال على ذلك أن الرقابة على المطبوعات والكتب قد تلغي المحتوى أو تحوله إلى عمل فج كما هو الحال عند وجود بعض الشوائب التي قد تقلق المعنيين بالرقابة، وإن كان حذفها قد يقتل القيمة الفكرية للعمل الأدبي، أو قد يكون سببا في تعكير صفو القارئ،إن لم يسيء إليه؟!وقد يبحث الكاتب عن مخارج عن طريق استخدام الاستعارات اللفظية والصور البلاغية، كما هو الحال في الروايات والقصص، وبذلك تكون تلك الأعمال في موضع تسامح مع الأنظمة السائدة أوعدم قبولها. وفي المقابل فقد تلقى تلك المواد رواجاً من بعض المثقفين الذين يتقون إلى الحرية. في النهاية نظل ننبش عن صيغ الإبداع الفكرية لدينا، والتي بدأت تتلاشى أن لم تكن معدومة؟! لأن عالمنا بات يخلو من العمالقة والرواد، وما نراه ونسمعه مجرد ظلال لهم، برغم من وجود مقص الرقابة آنذاك، ألا أن قدراتهم العلمية استطاعت أن تتحايل عليه بطريقة أو بأخرى. لذلك فأن من الممكن أن يعمل الفنان على استغلال أدواته الإبداعية لمخاطبة الناس بدون أن يشعر الأجهزة الرقابية بذلك، بشرط أن لا يتسبب في إحراج الآخرين.وهناك العديد من الدراسات التي أجريت بهدف دراسة أنظمة الرقابة على المطبوعات والإذاعات والإعلام المرئي ومواقع الإنترنت، وقد كشفت الأخيرة أن تلك الأنظمة مليئة بالثغرات والتناقضات، أوقد تكون بسيطة وغير معقّدة نسبياً...ولكن معظمها تجمع على أن تلك الأجهزة، لم تراع التطور الحضاري والعصري الذي نعيشه.ومما لاشك فيه، بأن زمن الرموز والغموض قد ولى بلا رجعه، حيث يتسم عصرنا بالانفتاح (المعلوماتي)، لأنه بات لا يقبل التأويل في تفسير الأشياء،لأن هناك العديد من المواضيع التي يتم كشفها وعرضها على الجمهور، سواء أكان عن طريق البرامج التي تتطلب إبداء الرأي ومشاركة الناس، أم عن طريق الإنترنت عبر المنتديات المفتوحة التي تتيح للناس فرصة التعبير عن الرأي، بعيدا عن سقف الحرية المفروض عليها.ولقد أطلقت شركة (جوجلز) في الصين مؤخرا جهاز بحث إلكتروني ذاتي الرقابة يقصد به محاصرة شركات الإنترنت العالمية، نتيجة الضغط الذي تمارسه عليها الحكومة الصينية. وتعمل هذه الخدمة على وضع ضوابط تحد من حرية التعبير وحرية المعلومات لمشتركي الإنترنت الصينيين وتقليص الانفلات الإعلامي الذي تعاني منه الدول الأخرى. وقد قالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية في المنتدى الاقتصادي العالمي معللة ذلك : "بينما تقر منظمة العفو الدولية بأن (جوجلز) اتخذت عدداً من الخطوات لضمان دخول المستعملين الصينيين إلى شبكة الإنترنت، إلا أن منظمة العفو الدولية تشعر بالذعر إزاء الاتجاه العالمي المتنامي في قطاع تقنية المعلومات".وهذا يجعلنا ندرك بأن الخوف من الانفتاح العالمي (العولمة) ليس حصرا علينا فحسب، ولكن يشترك العالم بأسره فيه. وبأن مسألة تحجيم التعبير في مواقع الإنترنت ليس بهذه السهولة، إذ يمكن للمستخدم أن يخترق أكثر من شبكة رقمية تمكنه من مآربه بسهولة، و لم يحدث أن سمعنا بأن هناك مادة إلكترونية تمت مصادرتها نتيجة خرقها للوائح الرقابة. وذلك نتيجة لحرية التعبير التي يتمتع بها النشر الإلكتروني مقارنة بالصحف المطبوعة، والتي تصدر ضمن أطر وحدود السياسة (المؤسساتية) لكل صحيفة، ألا أن المواقع العربية لا زالت تخضع للرقيب الذاتي، نتيجة انعكاس الأحكام العرفية السابقة والرقابة الرسمية.هكذا يظل (النشر الإلكترونية) محل جدل ونقاش لا ينتهي نتيجة التزايد المطرد في عدد المواقع الشخصية للكتاب والهواة. وأصبح لزاما على العاملين بالشأن الثقافي الاطلاع على مواقع (الويب). وهذا لا يمنع أن هناك من يستنكر الرضوخ للرقابة على بعض المواقع الإلكترونية، حيث لابد من ترك المجال للتعبير عن ذواتنا بشيء من الشفافية، بعيدا عن الغموض والاختفاء وراء الرموز المشفرة، ومن ثم لا نكلف أنفسنا مشقة البحث عن الديمقراطية الصحفية.أما الرقابة على الفنون والمواد (الفلمية) فهي من أعقد أنواع الرقابة، وخصوصا بعد ظهور القنوات التجارية التي فتحت الباب على مصراعيه، بدون حسيب أو رقيب. وقد تتخذ قضية الرقابة مساقاً آخر في السينما التي عادة ما تخضع لعين الرقيب، ولذلك فهي مقيدة بالعديد من اللوائح التي لا مفر منا!. بينما هناك قنوات أخرى تقوم بإطلاق العنان لبرامجها لأقصى مدى، وربما ذلك يتيح فرصة للمشاهد أن يختار مواده المفضلة بحرية أكبر. ولقد تعرضت الكثير من الأعمال السينمائية العربية، لمقص الرقابة القسري الذي سرعان ما تخضع له، إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء التي قد تتنافى مع المعايير الدينية أو الأخلاقية،أو تقوم بالتشهير بالآخرين. والحال بالحال يذكر، إذ أن هناك أفلام غربية الصنع تعرضت لموجة غضب الجماهير برغم من صيحات الحرية التي نسمعها، وهذا ما حدث عند عرض فيلم (الإغراء الأخير للمسيح) للمخرج الأمريكي الشهير (مارتن سكورسيزي)، والذي تشكلت ضده جبهة من الرأي العام؛ مكونة من جماعات الضغط الديني من جانب الكنيسة الكاثوليكية. وتطور ذلك النزاع إلى الهجوم على دور العرض وإحراقها والاعتداء على الممثلين...وهذا يجعلنا ندرك بأن هناك رقابة أخرى، يمكن أن تولد من رحم المجتمع، والتي يمكن تشكل ثورة عارمة عليه،عندئذ يمكن اعتبار الرقابة الحكومية أرحم بكثير! هكذا نجد بأن قضية الرقابة في عصرنا صعبة المنال، وعلينا أن نتكيف مع الانفتاح العالمي بشيء من القلق الصحي الذي يجب أن نربي الأجيال عليه، ونقوم بزرع الرقابة الذاتية فيهم، وعلى أجهزة الرقابة أن تتعامل مع المبدع بشيء من الشفافية. وفي نفس الوقت، فأن عليه أن يستغل مساحة الحرية المتاحة له، في خلق أعمال إبداعية تستحق أن تخلد. عزة القصابي/ ناقدة فنية/سلطنة عمان (الرقابة وسقف الحرية)خاص: نساء سورية |