|
من يدفع ضريبة الاغتراب في السويداء... ومن يتحمل مسؤوليتها؟! |
|
|
|
ريما فليحان
|
|
2007-09-07 |
عندما تحدثت إليه فهمت أن أبيه متوفى لأنه تحدث عنه بصيغة الغائب.. وكانت معلوماتي تشير إلى انه موجود فحاولت التأكد أكثر فسألته بسؤال مباشر أين والدك؟ أجابني: مات.. ومضى إلى مكان آخر!
لكن الواقع الذي عرفته بعدها أن والده مسافر! مسافر منذ زمن طويل! ولا يراه أبناؤه إلا أياماً بسيطة كل عام.. وأحيانا كل عامين..
- من يدفع الضريبة؟مات الأب في عين ابنه الصغير لأنه، ببساطة، لا يشعر بوجوده! ككثير من الأسر التي تعيش في محافظة السويداء وتدفع ثمن الاغتراب من عواطف جيل، ونفسية أبناء فقدوا أبائهم عنوة، ودون أن يكون للقدر أي أصابع "موتهم الافتراضي" هذا!صحيح أن الأب "الغائب" هذا يغدق على أبنائه المال، ويرسل لهم الهدايا والألعاب.. ولكنها حقيقة لم تعد تساوي شيئا في عيون أطفال ما أرادوا سوى تواجد هذا الأب قربهم.. معهم.. فما وجدوا مع رحيله الطويل إلا أن يعلنوا "وفاته"! بمضض وتحسر.. هل حقا يستطيع ذلك الأب المتعلم الذي أتحدث عنه في هذه الحالة بالذات أن ينام هنياً بينما يجهل حال أولاده الحقيقية؟! وجهله يغيم على حياته المليئة بصخب العمل!!لا أعرف! لكن حتى في الأيام التي يزور خلالها بيته، لا يشعر بأبنائه ولا يشعرون بوجوده كأب! فهو الآن ضيف! وليس للضيف وقت لأسرته وأبنائه، فهو "مشغول" باستقبال "العشيرة" كلها! والسلام وتبادل الحديث مع مع القاصي والداني كما "يقتضي الواجب"! بل ويتفاخر بما حقق في الغربة ساحقاً بذلك، شيئاً فشيئاً، مشاعر أبنائه الذين صاروا مجرد أشخاص في لوحة ما معلقة على جدار لا يكلف نفسه حتى عبئ النظر إليها! فهو قد تحول ببساطة إلى آلة صك للعملة..... ومذياعا للتفاخر بانجازاته العظيمة في الغربة....!!فهل صحيح أن المال يغني الأسرة عن وجود الأب، ويملأ فراغ الحاجة إلى عطفه وتربيته ووقوفه إلى جانب أبنائه مع كل مرحلة عمرية يكبرون خلالها ويحتاجون فيها إلى من يستمع إليهم ويعي مشاكلهم؟! ولماذا تدفع الكثير من الأسر هذه الضريبة الغالية: ضريبة الاغتراب؟! وتدفع الأم وحدها ضريبة فشل التربية أن حدث؟! بل ويبدو الأب بمظهر "المضحي الذي سافر ليجني الكثير من المال"! ويخسر الكثير من المشاعر والتواصل والروابط الأسرية؟!أبناء المغتربين هؤلاء ينظرون بحسرة إلى أي أسرة فيها تضم في حياتها أم وأب يعيشان مع أبنائهما! حتى وان نامت تلك الأسرة بمعدات خاوية.. فهي حتما ستنام بدفء غامر.. دفء لا توفره لا الملاءات الثمينة ولا الأغطية المزركشة.. بل فقط جو الأسرة ومشاركة الأم والأب معا في بناء حياتها..نعم، الكثير من المغتربين غادروا أوطانهم بحثا عن الرزق المفقود في بلدانهم.. وهم مجبرون على فراق أحبائهم وأسرهم.. لكن الواقع يقول أنهم لايلبثون أن ينسوا أنهم خلفوا وراءهم أسرة كاملة.. فلا هم يأخذون أسرهم معهم بعد أن تستقر أوضاعهم في بلدان العمل، ولا هم يستثمرون ما يحصلونه في تأمين مصدر دخل دائم في بلداتهم يسمح لهم بالعودة للمشاركة في بناء الأسرة التي تركوها في مهب الريح! وهكذا تصبح العلاقة مع أبنائهم علاقة تمويل فقط! وتصبح الأم مسؤولة وحدها عن التربية! وتتحمل وحدها كل ما ينتج عن ابتعاد الأب واغترابه!!- ومن يتحمل المسؤولية؟ لماذا يهاجر الكثيرين من أبناء السويداء؟ 1- السبب الأولى في الحقيقة يتجلى في فقر حال محافظة السويداء و قلة المردود الزراعي فيها بسبب اعتمادها الواسع على ما تجود به السماء من مطر! وعدم توفر السيولة لإنشاء مشاريع ري أو حفر آبار.. ومع أن هناك مشروع لحفر مئة بئر في السويداء إلا أن المنفذ منها حتى الآن لا يتجاوز 35 بئر! وهو عدد لا يلبي الحاجة الفعلية لري الأراضي العطشى في المحافظة.2- السبب الثاني وهو قلة فرص العمل، وعجز الدولة عن تامين فرص عمل للشابات والشبان العاطلين عن العمل! ففي مكتب التشغيل 50332 شاب وشابة مسجلين كعاطلين عن العمل! تم تامين فرص عمل ل 7392 منهم حتى تاريخ 28/8/2007! يبقى 42440 يقفون على قائمة انتظار فرصة عمل يعيشون منها تعجز الدولة عن تأمينها لهم.. فلا يبقى لهم سوى أن يصيروا عبئا مالياً على أسرهم! وهذا ما يدفعهم فعليا إلى الاغتراب والهجرة. 3- قلة الاستثمارات الصناعية في المحافظة. وهذا ما يساهم في تأجيج المشكلة. ويعود السبب الرئيسي لقلة هذه الاستثمارات إلى صعوبة المعاملات الخاصة بإنشاء الاستثمارات هنا، نتيجة الفساد المستشري في بعض المفاصل، وسيادة الروتين القاتل، وبطئ عمليات الترخيص، وما يتكبده المستثمر من مبالغ طائلة للحصول على ترخيص استثمار مهما كان صغيراً!! الإضافة إلى سيادة عقلية خاطئة عند معظم الأغنياء المغتربين، بل حتى الذين يعيشون في المحافظة، تتجلى بتفضيلهم "التمتع" بأموالهم عن طريق إنشاء القصور الفارهة واقتناء السيارات وما إلى ذلك، بدلاً من إقامة مشاريع تنموية ترد عليهم مردوداً جيداً وتساهم في تخفيف حدة البطالة في المحافظة.4- صعوبة التحصيل العلمي العالي. فالشروط المعلنة للمفاضلات التسجيل في الجامعات السورية، والارتفاع العجيب في معدلات القبول، تقف عائقا منيعاً في وجه الشبان الذين لا يجدون أمامهم سوى الهجرة أو لتحصيل العلم وفق ما يرغبون به، أو للعمل.. وطبعا كلنا نعرف التكاليف الباهضة للتعليم العالي الخاص في سورية، مما يجعله بعيداً عن منال السواد الأعظم من السوريات والسوريين.5- صعوبة التأقلم مع الصعوبات اليومية المتزايدة للحياة في سورية، والتي تتجلى في تدهور مستوى المعيشة حتى للموظفين والعاملين بسبب تدني مستوى الدخل وارتفاع الأسعار.. كذلك ارتفاع معدلات الفوائد للقروض مما يحرم الناس من أية إمكانية للاقتراض من أجل تحسين مستوى المعيشة، أو إنشاء مشروع صغير.. وكذلك الغلاء الفادح للعقارات في المحافظة نتيجة الهجرة المتزايدة إلى السويداء من محافظات أخرى هرباً من الاكتظاظ السكاني في محافظاتهم الأصليةولعلكم لن تصدقوا أن في محافظة السويداء قرى كاملة لا تضم رجلاً- زوجاً واحداً؟! إنها مأساة بكل ما في الكلمة من معنى! وإذا كان لا بد من توجيه رسالة إلى المسؤولين في محافظة السويداء لاتخاذ إجراءات فورية تساهم في تغيير هذا الواقع، عبر إقامة مشاريع مختلفة تساهم في حل مشكلة البطالة.. لكن الرسالة الأكثر أهمية التي نود توجيهها هنا هي للمغتربين من أبناء هذه المحافظة: ماذا تفعلون حين تغرقون بأعمالكم في المغترب تاركين أسركم وراءكم هنا؟ لا تظنوا أن أموالكم تكفي لإنشاء أسرة أو لتمكينها من الحياة حياة كريمة. فكروا مجدداً بما تفعلوه.. حاولوا أن تأخذوا أسركم إلى مغترباتكم، أو حاولوا أن تعودوا إليها لتساهموا في تحملها أعباء الحياة التي لم تكن يوماً مالية فقط. قد يكون الوقت حان لتفكروا جدياً: هل تريدون أن لا يبقى منكم في ذاكرة أبناءكم سوى.. محفظة؟! ريما فليحان، عضوة فريق عمل نساء سوريا – السويداء، (من يدفع ضريبة الاغتراب في السويداء... ومن يتحمل مسؤوليتها؟!)خاص: نساء سورية |