|
هل الطفولة خاصة بأطفال دمشق.. دون سواها؟! |
|
|
|
سلام محمد
|
|
2007-09-01 |
عندما كنت في زيارة خاطفة إلى العاصمة دمشق أتيحت لي فرصة لزيارة معرض الطفل الذي أقيم على أرض مدينة المعارض، حيث الأجنحة المتعددة ترى فيها الطفولة المتكاملة وكأنك في حلم.. وتحلم أن تعود طفلاً.. بدأت جولتي في المعرض من جناح إلى أخر حتى نسيت أني في ثلاثين من العمر! إذ كنت أتصرف أحيانا كهؤلاء الأطفال. ويا ليتني لم أزره!
فعندما وطئت قدماي أخر جناح للمعرض، وشاهدت عيناي كل مستلزمات الطفولة فإذ بعيني تدمع دمعة حسرة على كل طفل محروم من كل ما أراه من بذخ وترفيه! وعادت بي ذاكرتي لزيارة قمت بها منذ فترة ليست بطويلة إلى جنوب "الردّ"، وهي منطقة تابعة لمحافظة الحسكة، حيث يظن المرء انه في دارفور! نعم دارفور حيث ترى الجياع والعراة والحفاة حتى أنه باستطاعة المرء أن يعد قصبات القفص الصدري لأي طفل في المنطقة! التي تبعد عن دمشق، حيث هذا المعرض، مسافة تقدر بتسع ساعات لا أكثر! لكن دعونا من الأطفال قليلاً. فالخدمات لم تصل إلى هذه المنطقة أصلاً! والمياه تشترى في أغلب حاراتها! والكهرباء لم يصل بعد إلى قرى كثيرة فيها! ناهيك عن الفقر الثقافي والاقتصادي.. فما الفرق بين جنوب "الردّ" ودارفور؟!فإذا كنتم تشفقون على نعيم عيشكم من رؤية البؤس، وتخشون على جمال حياتكم دمامة الفقر وتضنون بسلام وطنكم على أدواء التشرد، فاقتحموا على الفقر مكامنه في أكواخ الأيامى وأعشاش العجزة، ثم قيدوه بالإحسان المنظم في المدارس والصدقة الجارية في الملاجئ، تجدوا بعدئذ أن الدنيا جميلة في كل عين، والحياة بهيجة في كل قلب، وتشعروا أن روحاً عامة قد وصلت بين جميع الأرواح، فأصبح الشعب كله جسماً حياً متآلفاً متكاتفاً تتغذى خلياته بدم واحد وتتساير نياته إلى غاية واحدة (من كتاب: وحي الرسالة. أحمد حسن الزيات).ثم لنتوجه إلى الشمال قليلاً ونرى جريمة تستحق، ودون منافسة، أن تدخل موسوعة الغينس للأرقام القياسية كأقبح جريمة بحق الطفولة! هذه ليست مبالغة أدبية. ففي الحسكة عدد كبير جداً من الأطفال، لكن الكثيرين منهم محرومين من أبسط ما يستحقه الطفل من الحقوق، وهو حق الجنسية! وتذكرت تلك الحادثة التي تناولها الإعلام وتشير إلى امرأة ولدت في طيارة فوق الأراضي الهولندية، فمنحت الجنسية الهولندية لذلك الطفل دون أن يطلبها أحد!! بينما أطفال سوريون في محافظة الحسكة ولدوا في سورية، ويعيشون فيها، وسوف يدفنون في تربة هذا الوطن، ولكنهم محرومون من هذا الحق البديهي! بل إن مجرد تسجيل الولادة في هذه المحافظة هي عملية شاقة. إذ تتعرض لوابل من أسئلة "الجهات المعنية"، ويناقشون في سبب اختيارك هذا الاسم أو ذاك لابنك أو ابنتك! ويرفضون في بعض الأحيان الاسم الذي اخترته ليفرضوا عليك الاسم الذي يريدونه قسراً! هؤلاء الأطفال، وغيرهم في محافظة الحسكة، يولدون ويكبرون ولا يعرفون من الطفولة حتى اسمها! الآلاف من الأطفال فيها محرمون من التعليم والرعاية الصحية!أليست مفارقة كبيرة؟ هذا المعرض هو في دمشق، وأولئك الأطفال في الحسكة! ودمشق والحسكة مدينتان في بلد واحد اسمه سورية؟! هل أطفال دمشق هم أطفال، وأطفال الحسكة هم "وحوش ضارية"؟! ما الفرق بين طفلاً في دمشق والرقة مثلاً أو بين طفلاً في حلب ودرعا؟! أليسوا كلهم أطفالنا أليسوا كلهم من فلذات أكبادنا؟! فعندما ننطق بكلمة الطفل علينا إن نشمل كل أطفال العالم دون تمييز، وان لا نسلب من أي منهم طفولته البريئة وحقوقه المشروعة في الجنسية والتعلم وحتى تعبير.. وهنا نتذكر ما قاله حافظ إبراهيم:أنقذوا الطفل إن في شقوة الطفـــــــــــل شقاءً لنا على كل حالالمعرض الذي أقيم في العاصمة دمشق قيل عنه أنه انطلاقة مميزة!! ولا أعرف كيف يمكنني أن أشعر بتميزه وهو يميز بين أطفال وأطفال في نفس الوطن؟! بل يبدو لي أنه حفلة تنكرية تعطي صورة مزيفة عن واقع الطفولة في بلدنا.. حملة إعلانية شاركت فيها حتى الجمعيات الخيرية التي رأيتها في المعرض، ولم أرها في الواقع، على الأقل في المحافظة التي أعيش فيها. فهل سيأتي يوم ينزلون فيه من المعارض إلى أرض الواقع لينتشلوا آلاف الأطفال الممزقين بين التشرد والجوع واليتم والحرمان من الجنسية...؟! إنها أمنية، ولكنها لا تحتاج إلى معجزة لأنها ليست مستحيلة الحل. فهي واجب إنساني قبل أن تكون واجباً وطنياً يعنينا جميعاً...وأعود للسؤال مرة أخرى: هل الطفولة هي فقط في دمشق، دون باقي أطفال سورية؟! سلام محمد، قامشلي، (هل الطفولة خاصة بأطفال دمشق.. دون سواها؟!) خاص: نساء سورية |