|
فهد مرتيني
|
|
2007-07-29 |
"أتوسل إليك، سيدي القاضي، أن تصدر أوامرك باعتقالهم.. أعلم أن الأمر صعب عليك، فالأفكار ليس لها أطرافٌ لنقيّدها منها، لكن لها أجنحةٌ قد تتطرف في نموها فتفلت منا، وقتها لن نكون قادرين على الإمساك بها، لتبقى تحلّق فوق رؤوسنا تحجب نور الشمس عنا.
سيدي القاضي.. لقد سرقوا مني أحلامي وهددوني بقطع لساني إن تفوّهتُ بما يجول في داخلي، إنهم يحاسبونني على خواطري!."
الأنوثة تسكن بيتها، الطفلُ يجلس أمامها، يراقبها تشكِّل من المعجون تماثيلها، ويبكي عندما يراها تطمس معالم التماثيل بمجرّد أن تسمع صوت مفتاح زوجها يُحشَر في قفل الباب.
"سيدي القاضي..
سأترك لك رقم هاتفي، لكن أرجوك ألا تتصل عندما يكون في المنزل، فهو قاسٍ جداً معي، يمارس عليَّ رجولته في كل شيءٍ إلا في السرير، يقول لي كل الرجال هكذا!.. يظن أنه إن تزوجني صغيرةً وأقفل عليَّ بابه فلن أعلم بما هو خلف الباب!."
الباب مقفلٌ, وطفلها تسلِّيه حركاتها وهي تنحت أفكارها، والمذياع ينشر الأخبار:
(أعلن شهريار عن ظهور أولى علامات يوم القيامة: التطاولُ في البنيانْ!.)
"سيدي القاضي.. أرجوك افهمني، أنت، أعرفك، إيقاعك بطيء، وتحكم بقوانينك التي تحكمك!.. لكن أدواتك المنظورة التي تلوِّح بها ستكون عاجزةً عن وقف حالة التكاثر الانقسامي التي تصيبهم، فالبيضة اليوم، ستصبح غداً اثنتين، وبعد غدٍ أربع، وسيحصل الانفجار قريباً، عندها ستفقد أنت صوابك، ستصدر أحكامك التقليدية الشاملة التي أعرفها لتزجَّني معهم في زنزانةٍ واحدة، وعندها سيفقد لساني لغة الحوار مع خصمي-حَكَمي.. وبما أنني ضعيفةٌ، والضعفاء ليس لديهم سلاحٌ يدافعوا به عن أنفسهم سوى الحقد الذي يفتك بهم قبل غيرهم، فسأحقد عليكم جميعاً، والحقد أعمى، سأعلم أولادي أن يحقدوا عليكم."
يفرح الطفل لرؤية تماثيلها تكتمل، وتنتهي فرحته حين يراها تشوّه تماثيلها، فيبدأ بالبكاء، وينشر المذياع الأخبار:
(شهريار يقول: ناطحات السحاب ليست إلا إرمَ ذات العماد التي ورد ذكرها قي القرآن.)
"آه.. ألم تدركوا بعد أن سلاحكم الذَكريّ لم يعد يجدي نفعاً، سلاحكم هذا لا يختلف كثيراً عن سلاح زوجي!.. هل علينا أن نصعد إلى المريخ لنستكشف ما يجول في فضاء الأذهان؟!.
فإعصار الوهم المدفون حبراً أسود ينزف في أمهات الكتب، سيثور سيولاً تجرف في طريقها كل رموزِ التجدد ونُصبِ الحضارة الأبدية.."
المذياع لا يتوقف عن بث الأخبار، وأفكارها لا تغادر رأسها إلا إلى أناملها لتصنع بها تماثيلها!.
(تمنّتْ منظماتٌ دوليّةٌ على شهريار، أن يتراجع عن قراره: تحطيم الأوثان.. أطفال العالم تناشد شهريار السلام)
"أرجوكم اصرخوا أيضاً من أجل تماثيلي، فقضية تماثيلهم لا تنفصل عن قضية تماثيلي.."
باتت خبيرةً في صنع التماثيل، فالمعجونة اليوم تتشكل برشاقةٍ في أناملها لتبهر بها طفلها!، تُمسِك بتحفتها بكلتي يديها لتريه التمثال الجديد، يبتهج الطفل كثيراً، فالتمثال اليوم كان أكبر التماثيل.. تصغي برهةً لسماع آخر الأخبار:
(هاجم مجهولون اليوم حصناً بارزاً من حصون المدَنيّة الحديثة!.. شهريار يحشد جيشه استعداداً لشن الحرب على شهريار)
تضطرب المعجونة في يديها، وهذه المرة دون أن يدخل زوجها، تقسو بيديها على تمثالها لتشوهه! ويجهش طفلها في البكاء...
فهد مرتيني- (إرم ذات العماد)
|