|
"أفكارٌ عن الرجل" بين الأسطورة ومشاهد الواقع |
|
|
|
نسرين طرابلسي
|
|
2007-07-20 |
أساس تعلقي بالماضي فكريٌ متينٌ امتلأت به الروح. كان الزمن جميلا وللقصص معنى ومغزى وعبر والرّاويةُ امرأة، والقدوة حين تكون بقامتها لا تزعزع في رأسي الثوابت. فأن تولدَ أنثى يتيمة الأب فهذا يعني أن تعيش عمرها تبحث عن صورة لتكون بها معجبة. وهذا الأمر مستحيلٌ كرسمِ صورةٍ لله المُدرَكِ بآلائه.
هكذا كان أبي، حسبَ رواياتها، مجموعةً من الآلاء والأخبار والأساطير. رجلٌ آسرٌ، تقول أمي، هيبته هالةٌ من الحنان، وله جناحان ريشهما عناصر الكون، نارٌ وماءٌ وهواء، لذا لم يملأ عينها بعده آخر، وكانت تبدو المشاعر بعده ضربٌ من إضاعة الوقت. وعلى وصفها توسّعت دائرة بحثي حتى تلاشت أطرافها عند حدود العجز. في محفظتي صورة له، ملامحه الجميلة تسخر من القمر، كتلة الحفر والأخاديد المعلقة في السماء، ومنذ أبي لم تتحرر أنوثتي من أسر الشكل والأسطورة. أنا معذورةٌ إذن. فمن شبّ على الإيمان لا يمكن أن يشيبَ على كفرٍ. ومن تعوّد على الحلم بالأمثلة الفاضلة كيف يصحو على نُصُب الهشاشة؟؟؟الشكل والمضمون: قالوا لهم: الرجل لا يعيبه شكله، وآمنوا بما قيل، حتى بلغت بهم الجرأة أن ينصبوا من أرباع الفنانات آلهات للجمال، ويطلبوا من نساءهم أن يكنّ نسخاً مشوّهة عن أصولٍ مشكوك بأمرها. أقول هذا وضميري مرتاح جداً، وأكاد أسمع غزلهم بهذه أو تلك في الديوانيات ومكاتب العمل، وفي النكات التي تغزو هواتفنا، وأيضا على منابر الصحافة والإعلام المرئي. كأن بيوتهم تخلو من المرايا. نساؤهم لا حول لهن إلا الحوقلة. كل كرشٍ والعياذ بالله يتقدم صاحبه كأنه خادم وفيّ، وأكتافهم مبرية متّصلة بانزلاق الذراعين، أما الرقاب فحدث ولا حرج والرؤوس لا شعر عليها ولا ما يمشطون، مع طبقة لامعة من دهن الجسد وعرقه. واللهم لا اعتراض على حكمك فيما خلقت لكنهم بأيديهم يهملون، ثم بجرأة يتهكّمون على نسائهم، وكل واحدة منهن زهرةٌ قُطفت دون رحمة ورقة ورقة، وأنجبت بطوناً يفاخرون بها ذريةً ويتطاوسون. الازدواجية: يتساوون في أذواقهم وتصرفاتهم، على اختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية، يناقشون في التحرر والديمقراطية والحوار والحرية، ويدخلون إلى بيوتهم ليؤدوا أدوار الواقع، فإما جلاد أو ضحية. "سي السيد" لم يكن يوما مجرد أيقون متعارف عليه للدلالة على الديكتاتورية الأبوية، بل هو أيضا أيقون لازدواجية الرجل بين البيت وخارجه. أبرزها القدرة الفائقة على تبديل الأقنعة ولحن الصوت بين أنثى وأخرى، بين الزوجة والأم، الزميلة والزبونة، الدكتورة والطالبة، القبيحة والجميلة، المحجّبة والسفور، ابنة البلد وابنة دولة شقيقة، العربية والأجنبية.. المدهش أن الرجل العربي عندما يدرس في الخارج ويتزوج من أجنبية يتغاضى عن ماضيها ويعجب بتحررها ويكاد يميل مع ميلها حتى يتقوقع الشرقي في داخله ويأتي بها كصيد ثمين وهو فريسة الفخ، بينما إن أراد الزواج بعربية يضعها تحت مجهر الوالدة، ويبحث في ماضيها المهني والعائلي حتى ليفلح في تقديم رسالة دكتوراه فيه. النظرية والتطبيق: المرأة العاملة تتعامل يوميا مع نماذج مختلفة من الرجال، فتلتقي بالثرثار والصامت، العاطفي والعقلاني، المحترم واللعوب، والخجول والجريء والخشن والناعم.. إنها صفات إنسانية إذن ولم تكن يوما حكراً على النساء كما تقول الأقاويل والأمثال، ترى من الذي ابتدعها؟؟ كان أحد زملائي المذيعين يعاملنا كزميلات بلطفٍ فريد، حتى انطلت علينا دماثته، إلى أن أتى يوم تناقشنا فيه حول منح المرأة حقوقها السياسية، فخرج غاضبا حانقا معارضا، كاشفا عن عداء حقيقي واستخفاف بجنسنا. ولن أنسى أنه قال دون حرج: إن دخول المرأة معترك السياسة من علائم الساعة!!! أما صاحب اللحية غير المشذبة، كنبتة عشواء، فتصادف أنني ركبت معه الأسانسير، فبدأ يتعوّذ ويستغفر ويدلق نظراته المستنكرة، ولم أكن عارية ولا نصف عارية بل أرتدي بدلة رسمية طويلة الأكمام فضفاضة البنطال. نفثت غضبي ورميته بحجر: "إن لم تقو على غض بصرك وحفظ لسانك خلال مسافة اختبار بين طابقين، فيبدو أن لشيطانك الغلبة".تصنيف جائر: كتابات اليوم تفتح فجائعُها مدخنةً في رأسي، مقالات في النقد الأدبي والاجتماعي، تكرس عنصرية الفكر العربي، وتؤكد أننا لم نبتعد خطوة عن نقطة البداية.قسموا الأدب إلى نسويٍ أقل وذكوريٍ أعلى!!! وهذا لعمري ليس فيه من الحقيقة شيء سوى خطة آتت أكلها في التضليل. فحين تُصنف كتابات المرأة على أنها ذاتية وفيها كشف خجول للمسكوت عنه، ومراوغة في الاقتراب من التجربة، فهذا وحده كفيل بإثارة تساؤلات كثيرة جديرة بالبحث والتمحيص. فالمرأة العربية تتمسك بثوابتها أكثر من الرجل وتقتحم الأدب لتفجر من خلاله قضية كبرى. ومادامت التجربة أمراً يخص الرجال في ظاهر الحياة وسطحها، فلن يتوغل أحد في قراءة الأدب الذي تكتبه المرأة على أنه أدب إنسان. يخوض في شروط حياته الخاصة ويلعب داخل حدودها، وما دام التكرار مستمر في نزع الأوراق الواهية الساترة للمسكوت عنه، فالأجدر أن نفكر بجذر المشكلة:" لمَ يستمرُّ السكوت؟؟" عندما يتحرر وعي الرجل العربي المثقف، سيستطيع حينها أن يقرأ في المرأة شريكاً في كتابة الهم والوجع، سيحاكم نفسه وراء أسوار العدالة، وسيفهم أن هموم المرأة في المجتمع الجديد لن تبقى خاضعة للصورة التي رسمها عن أمه وابنته وابنة الجيران والعشيقة الأولى وغانية الطريق، فيمكن أن تكون هي كل ذلك في آن تماما كما يمكن أن يكون هو نفسه الأب والابن وابن الجيران والعشيق الأول وعابر السبيل في تجربة واحدة. وعليه أن يتقبل أثر بني جنسه في حياة المرأة، ويحترم الأدب الذي ينزع الضمادات السميكة عن الجروح الغائرة. بلا حرّية: رجال اليوم ونساؤه تسومهم الحياة سوط شروطها، وليس كلُّ من ركب صهوة الحياة فارس. لا يمكن أن نطالب بتحرر المرأة في مجتمع إنسانه غير متحرر. فهذه نظرة قاصرة. الرجل رازح تحت ضغوط مقولات جامدة تريد جعله سوبرمان عربي، قادر على العمل والكسب والابتكار والإبداع والخلق والتغيير والإبهار والإثارة، وهذا عبء ثقيل بلا شريك معين يكون موازيا في الهمِّ والحلم. عندما تنتفي الحرية ينتفي معها كل احتمال لخلق مجتمع متوازن. الاستثناءات المبعثرة لا تشكل قوةً فاعلة، وجهودها أشبه بركض أعرج باتجاه الغد. نحن أيضاً نساء الأمة نحتاج إلى رجال أحرار، لنتغلب معا على ازدواجيتنا في تربية أبنائنا وبناتنا، فمهمة الأمومة التي أوكلها الله للأنثى لا تتعارض مطلقاً مع رغبتها في الخروج من القمقم. ولــَ "شبيك لبيك" من ماردٍ قادرٍ يأتي بمزاجه بين يديك خيرٌ من "حاضر سيدي" تقولها جاريةٌ خائفة ألفَ مرةٍ في اليوم.. ثم تلعنك، أليس كذلك؟؟ نسرين طرابلسي، كاتبة وإعلامية سورية مقيمة في الكويت- ("أفكارٌ عن الرجل" بين الأسطورة ومشاهد الواقع) http://nasrine-tr.maktoobblog.com/
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
|