|
وداد سلوم
|
|
2007-07-20 |
ذكرتني رواية العطر بعالم كونديرا الروائي الذي يقدم لنا الإنسان الضائع الفاقد للهوية في غمرة التقدم العلمي وعصر العولمة الإنسان الذي يعاني من الاغتراب يفقد خصوصيته وإنسانيته دافعا ضريبة العالم المتحضر، أما في رواية العطر فإن الكاتب يعود بنا إلا زمن الثورة الصناعية الأولى تاركا لمخيلتنا الجموح لتصور ما سيؤول إليه البشر بعد ذلك القرن.
في ذلك الزمن حيث فقدت البشرية جمالها وعبيرها الأمومي على يد قاتل سفاح يختار ضحاياه من أجمل فتيات المعمورة.تبدأ الرواية في باريس وهي مدينة العطور الأولى في العالم ولكن في ذلك الزمن كانت تملأ شوارعها الروائح النتنة، وهناك حيث يولد غرنوي البطل تدفع به أمه إلى الموت مع بقايا السمك فيدفع بها إلى المقصلة!! المحور الرئيسي هو حاسة الشم أو عالم الروائح الذي لا يستطيع أحد إنكار تأثيره على البشر (بوسع البشر أن يغمضوا أعينهم أمام ما هوعظيم أو مروع أو جميل وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان والكلام المعسول ولكن ليس بوسعهم الهروب من العبق لأنه شقيق الشهيق معه يدخل إلى ذواتهم ولا يستطيعون صده إن رغبوا بالبقاء على قيد الحياة)وهو كما التطور لابد من حدوثه رغم أنفنا!!! يكبر غرنوي متحديا كل الظروف لقد نبذ من الجميع تارة لأنه يجلب الشؤم (فهو بلا رائحة)وتارة لأنه يأكل ضعف أقرانه لكنه كان جبارا تحدى كل الظروف كان يعمل بقوة الرجال ويبقى أياما على الماء! لم يعرف القيم لأن أحدا لم يمنحه الحب ولا الاهتمام. مايميز غرنوي أنه يملك حاسة شم هائلة، كان في داخله خزانة يرتب فيها الروائح التي مرت عليه ورغم أنه قضى حياته الأولى أكثر الروائح نتانة (المدبغة) إلا أنه كان مغرما بالروائح واكتشاف الأجمل وفي ليلة اعتلاء الملك العرش يتجول في شوارع باريس فيكتشف رائحة لا مثيل لها في العالم أجمل رائحة، بعبقها وواقعيتها :يتبعها ليجد أنها (عبق الأنثى)الفتاة في الرابعة عشر ربيعا عبق لا مثيل له فتجتاحه شهوة الإمتلاك امتلاك العبق فيقتل الفتاة خنقا ويشمها حتى يبرد الجسد ويفقد عبيره. يعمل بالعطارة وينجح نجاحا كبيراً لكنه لا يبحث عن المال ولا الشهرة ولا المجد إنه يريد تعلم أفضل الطرق لحفظ الروائح فيذهب إلى غراس ليتعلم ذلك وفي الطريق يجد راحته بعيداً عن البشر الذين لم يحبهم يوماً فيعيش في كهف سبع سنين كحيوان أو كقرادة بل كجنين في طور التحول وبعد سبع سنين يحلم بأن ضبابا يحيط به وهو سيموت إن تنشقه فكان لا بد له من الخروج من شرنقته حتى لا يموت ليذهب إلى المدينة وفي وصف حياته في الكهف فنية عالية. وفي المدينة الجديدة يجد مرة أخرى العبق البشري يجذبه ولكن يكون لطفلة لم يكتمل نضوجها ينتظرها سنتين ليحصل عليه وريثما يتم ذلك يعمل بجد وهدوء وبقوة هائلة وحينما تكبر الطفلة يحصل على عبقها وهذه المرة ليس بشمه بل يستخلصه كعطر أي زهرة مطوراً وسائله إنه يريد الحصول على العبق كشئ مادي ملموس.وليكتمل عمله يحتاج لقتل خمس وعشرين فتاة بعمر الزهور عذراوات لم تدنسهن ملذات الحياة وهمومها،وكأنه يبحث للحصول على رائحة البشرية السامية : مزيج من العواطف والروائح والخصوبة والعطاء والمفرزات وكل ما تحمله من عبق خالص لم يتحول أو يتغير بفعل الحضارة والحياة!!! ويلقى القبض عليه فيعترف بالقتل ويحاكم بعقوبة الإعدام وفي مشهد الإعدام يضعنا المؤلف في لوحة مدهشة ليتركنا في حالة ضياع فأنت لا تحبه ولا تكرهه،لا تستطيع أن تحدد مشاعرك تجاهه. في مشهد الإعدام تحدث معجزة :معجزة غرنوي البطل الذي لا يتعرف على الرب حين يباركه القس قبل الإعدام ولا يأكل ولا يشرب بل ينام منتظراً الموت، وحين يقاد للموت يستخدم قطرة صغيرة من العبق الذي استخرجه من أجساد الفتيات فينقلب المشهد رأساً على عقب من مشهد إعدام إلى جلسة احتفال جنسي بامتياز،تحت تأثير عبق القاتل يتناسى الجميع مشاعر الكره والرغبة بإعدام القاتل بل وعلى العكس تتفجر مشاعرهم يبكون ويضحكون ويمارسون الجنس دون تفكير. جمهور من عشرة آلاف إنسان ينجر دون تفكير إلى غرائزه ويشعر بالود للقاتل البطل والمحبة والإجلال. إنه يثبت قدرته بالسيطرة عليهم ويثبت وجوده،لكنه بعد ذلك يفقد أي دافع فقد وصل إلى مبتغاه أفقد هؤلاء البشر أجمل ما لديهم وسيطر عليهم فقلب القاتل إلى بطل في مفهومهم،يتركهم ويمضي إلى باريس وهناك يتعطر بالعبق البشري النادر الوجود ويذهب إلى مقبرة يعيش فيها حثالة من المجرمين والسارقين وممارسي الدعارة،يقف أمامهم يصابون بالدهشة يندفعون تجاهه بحب ورغبة للمسه لعناقه ولشده ثم لامتلاكه ثم لأكله: يشدوه، يقطعوه،يأكلوه،رغبة منهم بامتلاكه والتوحد معه فيذوب فيهم دون أثر. هل يريد الكاتب أن يقول أن هؤلاء هم الذين سينتقمون للبشرية جمعاء على ما فعله ؟؟؟ أم يقول أن غرنوي من الحثالة أتى وإليها يعود ؟؟؟؟ إن غرنوي الضحية التي انقلبت إلى مجرم قاتل قادر على السيطرة وتغيير الرياح بما تشتهي سفنه يفقد في النهاية الدافع للبقاء ينتحر بيد هؤلاء تاركا لهم مهمة التغيير فهم الأكثر جوعا للعبق البشري. إن سعيه لامتلاك العبق البشري وهو الذي لا رائحة له، يقودنا للتفكير: إنه ليس بشرا بل هو حالة. إنه يشبه الثورة الصناعية التي لم يعرف الإنسان كيف يوجهها فأفقدت البشر إنسانيتهم وحوََلتهم إلى قطيع أبله لا يفكر إلا بغرائزه :إنه النبوءة بعصر العولمة. كان الناس في مشهد الإعدام لا يدركون ما يفعلون مسيََرون يقودهم جهلهم إلى حقيقتهم البلهاء.. الرواية بعودتها إلى القرن الثامن عشر أرادت أن تأخذ شكل نبوءة :احذروا أيها البشر إن عهد العولمة سيفقدكم خصوصيتكم (عبقكم)الذي لن تستطيعون استعادته إلا عبر تحولكم إلى وحوش بدائية!!!!!؟؟ وداد سلوم- (عن رواية العطر)
|