|
من (عاصمة الشعراء) إلى (أرضِ الفراعنة).. برّاً مشوباً بالبحر.. |
|
|
|
نادين باخوص
|
|
2007-07-20 |
لا أدري لماذا معكَ، يصبحُ للفراقِ طَعْمٌ آخر.. يصبحُ تَرْكُ بصماتنا على الأشياء و مغادرتُها أوجَع.. لقبلاتِ الأهلِ عند الوداع، شكلاً جديداً للطعنات. ودّعتُ عاصمةَ الشعراء و انحدَرْتُ جنوباً.. دمشق ! مدينةٌ تُغريكَ بالعشق.. بالتحليق..مآذنُها تُذكِّرني بدخولِ الله علينا في المساءات.. العَلَمُ فيها مجهولٌ، لأنّها هي العَلَم. * * * أنْ تتفقَّدَ جسدَ بلاد الشام، مغامرةٌ يُخشى أنْ تُطيحَ بقيودِك.. مجرّد إحساسكَ بأنّكَ تخترقُ تضاريسها، بأنَّكَ بين تعبٍ و آخر، أصْبَحْتَ جزءاً من خرائطها، هذا وحده كافٍ لإغرائكَ بانفلاتٍ ما، من قيدٍ ركَّزَ أنيابَه على فكرةٍ أو شعورٍ أو حَدْسٍ، ينتمي إليك.. أنْ تَجُسَّ نبضَ هذي الأرض بناقلةٍ، تخبرُكَ بكلِّ ما تسمعه من مآسٍ و ملاهٍ، ثَقَبَتْ إهابها الروحيّ، و جسدَها الأصفر المُخْضرّ، يعني أنَّكَ نلتَ أعلى شهاداتِ طبِّ المدن الشقيقة. * * * أُسافِر.. وَسطَ بحرٍ يُرهبُني هدوءه.. مويجاتُه المعتمة تسحبُني إلى العمق.. أَتَمَسَّك.. حَدْسٌ بفرحٍ مُقْبلٍ يُثبّتُني.. فرح سيحزنني فأكتب.. من آسيا، قارّةِ الوسط، قارّة ما بينَ بين، أتَّجِه نحو قَدَرٍ إبداعيّ.. ترى، ما سيكونُ لونُه؟ لا أدري كيفَ تنبّأ مَنْ تنبّأ، فسمّى هذا المُتَّسع المائيّ بحراً أحمر.. كيف استشرفَ أنَّه سيكون دمويَّ المصير.. (إيلات).. عاصمةُ الحرمان، ترى، كم ذراع يفصِلُ شاحنةَ الماءِ هذي عنها؟ يا لوطننا !.. أرضٌ مذهلةُ الاتصال، مأساويّةُ التّقسيم.. مدنٌ عديدةٌ تتأمّلني عن بُعد، ترصدُني.. أراها تبتسمُ، تغريني بالإبحارِ نحو أسرارها.. أشعرُ بيدي استطالَتْ في اتجاهِ مدينةِ سارقي الخيالِ تلك، ها هي تُمرِّرُ روحَها على أضوائها الذّهبيّة: (ما زلتِ عربيّةً أيّتها الأرض و لو هوّدوكِ، ما زلتِ لنا، و لو لم يبقَ منكِ سوى الحلم). * * * عن أيِّ شيءٍ تبحثينَ أيّتها الجنيّةُ الحمقاء.. ما الذي يُجْبرُكِ على احتمالِ مسرّاتِ رحلةِ الهذيانِ هذه.. ها أراكِ تكابدينَ الرّطوبة، تُعانينَ ليلاً بحريّاً من صنْفِ جنونٍ آخر.. كم ساعة مرَّتْ و ما زلتِ مستيقظة، حَرَمْتِ جفنيكِ من متعتهما الوحيدة، من أجلِ أيّ شيء، أو من أجلِ مَنْ مِنَ الكائناتِ الطينيّة؟.. امتَطيتِ روحَ المجهول، مُخَلِّفة نشيجَ آشور وراءكِ، مُقْبلة بتوقٍ بوهيميّ على القارّة الصفراء.. ها أراكِ تستحضرين أنشودةَ ذاكَ *الشاعر المُنْدَحِر قبلَ أنْ يبلغَ عقده الثالث: و تسألني كلُّ إفريقيا يا مكادي لِمْ أنتَ تطوي البحار؟ أُفَتِّشُ عن شهرزادي و عن قطعةٍ من فؤادي أُفتِّشُ عنكِ مكادي فعن ماذا تفتشين، و لا شهريارَ يتوقُ إليهِ خيالكِ؟! * * * صحراءُ سيناء.. أرضُ عذابِ موسى و شعبِه.. أرضُ قدرِهم الإلهيّ.. هنا، على هذه الطريق التي تدوسُها العجلات المطاطيّة، داسَتْ أرجلُهم.. يا للمفارقة !.. الطريقُ الآن عُبِّدَتْ للعجلات، بينما كانت الحجارة و الأشواك نصيبَ أقدامهم.. ترى،كم سيمضي من الحلمِ قبل أنْ أَصِلَ؟.. أربعينَ سنةً ظلَّ موسى و شعبُه في البريّة يسيرون، حتّى خرجوا من بريّتهم.. فكم سنةً من الشوقِ سأسير؟ * * * يا للتراب !.. إنّه فانٍ لا محال.. تَذَكَّرتُ " جلجامش " لمّا اسْتَفَقْتُ، لِأجِدَ نفسي بسرعةٍ مذهلة، في بطنِ إحدى أراضي العجائبِ السّبع.. هو قاومَ النّوم لينالَ الخلودَ، لكنّه هُزِم.. و هُزِمْتُ أنا أمام النّومِ نفسه، فيما أقاومُ لِألتَهِمَ رمالَ سيناء.. لقد ابتلعتني أرض الفراعنة، فذبتُ في دمائها، باشرْتُ التفاعلَ مع طبيعةِ جسدها.. وجَدَتْني فوجَدْتُها.. * * * ها صوتُكَ يأتيني مخترقاً الحدود.. منذُ صغرنا لُقِّنا أنّها حدودٌ وهميّة، وضَعها (العدو) لمحاولةِ تفريقنا، و تفتيتِ كعكةِ وطننا، و التهامها غير الشّرعيّ.. لُقِّنا كذلك أنّها باءتْ بالفشل !!.. يأتيني من خلفِ مآذن دمشق، و شوارع عمّان، و سفن العقبة، و صحراء سيناء.. يَصِلُني بعد رحلةِ بَرٍّ مشوبةٍ بالبحر.. أبى صوتُكَ أنْ يأخذَ طائرةً تحمِلُهُ على جناحِ سرعة.. كسائرِ الأشياءِ في حياتي هو، لا يأتي إلاّ بعد حصّةٍ قاسية لتلقينِ التَّرقّب، و تعلّمِ الصّبر.. حصّة تُرْهِق، لكنّها تُنْضِج.. تُرى، كم ميلاً من التّوخي قطعَ قبلَ أنْ يصلَ؟ كان الطريقُ مفخخاً بالأساطير.. لكنّه نجا من هلوساتِ عظامِ الأجداد، و ذبائحِ الأوّلين … ليس هذا زمنُ تَعَدّدِ الآلهة، فالحلمُ فقط، إلهنا اليتيم. - "عاصمة الشعراء" المقصود بها: مدينة حمص. - إشارة إلى الشاعر المنتحر عبد الباسط الصوفي.
نادين باخوص- (من (عاصمة الشعراء) إلى (أرضِ الفراعنة).. برّاً مشوباً بالبحر..)
الأسبوع الأدبي (2005)
|