|
أثر الفضائيات على الخطاب المسرحي العربي |
|
|
|
عزة القصابي
|
|
2007-06-23 |
|
صفحة 4 من 4 المسرح بين الأعمال الجادة والهابطة تشير دراسة إلى أن المسرح الجاد مازال له جمهوره الذي قد يجد فيه ما يمتعه ويفيده في نفس الوقت، وهناك أجوبة من العينات التي تم أخذها من جمهور المسرح، وإن كل ما يقال عن طغيان المسرح التجاري، ويمكن أن يقال هذا عن السينما العربية، التي وجه إليها اتهام، بأنها تجارية ودمرت القيم الأخلاقية، وبالرغم من ذلك يمكن أن تشكل السينما العربية لفترة طويلة ذاكرة جماعية حافلة بالكثير من الصور عن المجتمعات العربية. أما فيما يتعلق بالتجاوزات في مرحلة من المراحل فقد تعود إلى تجاوزات وتراجعات سياسية وسواد روح الإحباط والهزيمة التي سيطرت على صناع المسرحيات او الأفلام. وتعتبر المسارح الرسمية الوجه الآخر للتعليم وللثقافة عموماً وعليه تتمثل رسالة في تقديم جرعة من الفكر سواء العالمي أو العربي أو المحلي للمتلقي حتى يمعن النظر فيها ويقارن بين فكر وفكر ومراحل تاريخية،وكي يستفيد من هذا العطاء الفني الذي يكون أكثر قدرة على النفاذ إلى وجدان المتلقي من الوعظ المباشر أو البرامج الموجهة، هذا السلاح الجميل وهو الفن سلاح فعال عندما يحسن استخدامه، وقد تم استخدام هذا الأمر بشكل جيد للغاية من خلال المسرحيات الجادة. مثال على ذلك مسرحيات لأحمد شوقي ولألفريد فرج ولينين الرملي وسعد الله ونوس والمسرح العالمي بيراند للو ومن مسرح الستينيات محمود دياب وهكذا قدمنا لبريخت ولهارولد بنتر ومسرحيات لشخصيات لم تقدم على المسرح العربي من قبل مثل ميلان كونديرا وادوارد بوند.. وبالتالي المسرح له رسالة، ورسالته ان يقدم بانوراما من الفكر العالمي سواء الفكر الذي اصبح تراثاً عالمياً يمكن أن يثير الجدل او فكر استفاد من التراث ووظفه بشكل فاعل مع المعاصرة، كل هذا قد قدمناه على مدى خمس سنوات في المسرح القومي. ولا نغفل أن مهرجان المسرح التجريبي الذي كسر حالة الركود التي كانت سائدة في المسرح ومهما كان لنا من وجهات نظر مغايرة لما يقدم من اعمال مسرحية ألا أنها في النهاية اعمال تجريبية لها، والتي سنتحدث عنها فيما بعد بشئ من التفصيل.كيف يواجه المسرح خطر الفضائيات والعولمة؟ وسوف نشير هنا إلى بعض النقاط التي يمكن أن تجعل مسرحنا مستوعبا لقضايانا، كما يلي: * توسيع مساحة حرية التعبير المسرحي، حيث يعاني المسرح العربي من تغييب مساحات الحرية، إلى جانب سيادة القيم القبلية والعشائرية والطائفية. * على المسرح أن يسعى لمواجهة تأثير العولمة عليه، ولا يكون ذلك سببا في مزيد من العزلة والانكفاء من أجل الخروج بمسرح (عربي أصيل)، بل يكون بالتفاعل مع النخب الأرقى التي تحمل معاني الديمقراطية والقيم الإنسانية الأصيلة، وبالتالي يمكن مواجهة العولمة بثقافة بديلة. * اللجوء إلى التجريب في المسرح كما هو الحال في احتفالية (مهرجان القاهره الدولي للمسرح التجريبي) الذي يمكن اعتباره أحد التحولات التقنية والفنية في عصرنا،وهل يمكن اعتباره وسيلة لترويج المسرح فقط أم أنه وسيلة جيدة لإيجاد تيار مسرحي عربي جاد؟ فكما نعلم أن تلك الاحتفالية تستقطب التجارب المسرحية العالمية على خشبة مسرح واحد، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الحوار الحضاري الذي يتخذ من التجريب سمة له, وهي إحدى أهم خصائص العلم هدفا وعنوانا. ومما لا شك فيه، أن التجريب في المسرح يعتبر وسيلة أساسية لتطوير أدواته وكوادره البشرية، وإشاعة الجديد من أجل زيادة فعاليته في الحياة الاجتماعية والثقافية، نظرا لأن التجريب بدعة وهو حالة رافقت مسيرة حياة الإنسان وواكبت كل مراحل التقدم البشري والثورات الإنسانية. * الوصول إلى تكامل العرض المسرحي هو الانتصار الأكبر الذي حققه المسرح في وجه السينما. وعندما توصل المسرح إلى هذا العرض المتكامل بدأ يطور نفسه من خلال أداتيه الرئيسيتين السابقتين وهما الممثل والكلمة. فبدأت تظهر أساليب جديدة في التمثيل نذكر منها الملحمية والواقعية بأشكالهما المختلفة. وكل هذه الأشكال كانت محاولة لجعل المسرح أكثر جمالاً في وجه فن السينما. والكُتاب أصحاب الكلمة في المسرح أخذوا يجدون سبلاً جديدة في الكتابة لكي تُحمَل على أجنحة أكثر شحذاً للفكر والمخيلة والجمال. وكان ذلك أيضاً وجهاً من وجوه الوقوف أمام طغيان التقنيات الحديثة. أما الإخراج الذي ينظِّم الممثل والكلمة فصار يُبرز التجديد الذي أخذ فيه كتابُ الكلمة وأبطالُ فن التمثيل. *ومن هنا ظهر ما يسمى (الرؤية الإخراجية) التي كانت كلُّ واحدة منها تقدم رؤية فكرية جديدة للعالم. ولعل أوضح مثال على ذلك أن نصاً ما يتناوله عدد من المخرجين. فتجد عند كل واحد منهم أشكالاً في الأداء وتقديم الرؤية التي تفتنك حتى وكأنك تشاهد النص لأول مرة. ولأن المسرح استفاد من التقنيات التي يقدمها التقدم العلمي فقد عاد كأنه يحتضن أنواع الفنون واتجاهات الفكر. فكان للمسرح في العالم منذ ثلاثينيات القرن العشرين حتى بداية تسعينياته مواقف واضحة من الحياة. كما كانت له أشكاله الفنية المتعددة التي تُبرِز هذه المواقف. وظل الفنَّ المسيطر على حفلات السمر رغم صالات السينما التي تملأ كل أحياء المدن. فللسينما متعتها. وللمسرح أيضا متعته. * ترويج المسرح في ظل العولمة، من خلال طرح القضايا العالمية التي تشكل مصدرا مهما للرأي العام العالمي، وخصوصا في ظل الصراعات والتكتلات السياسية الدائرة في عالمنا المعاصر، فكما نعلم أن المسرح يقوم على الصراع مهما تعددت ثقافته. *ولابد أن ينشغل المسرح اليوم بالصراع الدائر بين الإنسان وبين الأحداث المأساوية، التي تتمثل في الفوارق القاسية التي تعيشها البشرية اليوم شعوبا وأفرادا , بسبب غياب التوزيع العادل للثروة وعدم إشاعة العلم , والسماح بامتلاك التقنيات، الأمر الذي تسبب في إعادة إنتاج الفقر والجهل والمرض لدى معظم شعوب العالم من جهة, واستئثار القلة المرفهة بأسرار العلم وثمار العولمة من جهة ثانية. *إعادة النظر في القوانين والتشريعات الموجودة بشأن المسرح، وخاصة تلك المتعلقة بتحديد أجور الفنانين المسرحيين وحماية حقوقهم، حيث لا توجد إلى الآن جهة منظمة لحماية حقوق الفنان وكذلك تأمين حياته عند تعرضه لمرض أو حادث عارض. * وعلى الرغم من أهمية الانفتاح العالمي للمسرح الذي يجعلنا نذعن لصوت الفضائيات، إلا أنه لابد من إمكانية خلق مسرح عربي في ظل تلك الظروف، وفي ظل المسرح التقليدي السائد المدعم بـ(السطوة التليفزيونية الكاسحة). أمراً لا يمكن تجاهله، فإن المسرحيين في العالم مازالوا يلهثون وراء شكليات المسرح التجريبي وما تفرع عنه من هجر النصوص القوية التي لا يمكن تأديتها إلا ضمن شروط العرض المسرحي المتكامل. وهذا هو الحال الذي وصل إليه المسرح في العالم وفي الوطن العربي * إيجاد صيغة لعرض مسرحي يتفق مع طبيعة المتفرج العربي، ويستطيع التأثير عليه وتحريضه لإحداث فعل اجتماعي إيجابي، مع التأكيد على احترام التجارب المسرحية العالمية ومحاولة توظيفها لخدمة الأهداف العامة. * استخدام التراث في مواجهة الفضائيات، وهذا يجعلنا نصنع عولمة عربية من خلال توظيف الموروث الشعبي والطقوس الإنسانية وعناصر الفرجة (خيال الظل والحكواتي)، والتي تلعب دورا فاعلا في النسيج البنائي لعروض المسرح العربي وليس بالضرورة أن تكون فكرة النص نابعة من حادثة تاريخية، بل قد تأتي من مشكلة إقليمية معاصرة. * الدعوة إلى الاستثمار المفتوح لأدوات التقنية الحديثة, والوقوف ضد محاولات الهيمنة وفرض النمط الثقافي الواحد , والترحيب بالتعاون الثقافي النزيه بين الشعوب , والتجارب الفنية والعلمية المشتركة , وصولا إلى علاقات إنسانية جديدة ومنظومة قيم وتقاليد إنسانية جديدة. * السعي نحو تقديم مسرح راق لا يختلف على أي حال عن المسارح العالمية الراقية، والتي لا تحتاج إلى تأشيرة دخول، ولكن تعتمد على المتعة الراقية والابتكار والتجديد , في الشكل والمضمون, إلى الحد الذي يتحول فيه العرض المسرحي ذاته إلى لغة قائمة بذاتها تعجز اللغة المنطوقة عن مجاراة سحرها وبلاغتها. * الدعوة إلى تقديم الجديد الذي يغني التجربة الإنسانية للكاتب والمشاهد , وتوظيف القضايا العالمية كالحروب والفقر والمجاعات والإرهاب والظلم الاجتماعي وقضية المرأة والدعوة إلى التخلص من بعض العادات الاجتماعية والتزمت الديني، والتعرض للضغوطات والتحديات الخارجية التي تهدد الإنسان في العالم دون إغفال القضايا الإقليمية في الوطن العربي أيضا. * السعي لاستحداث أسلوب جديد لتطوير المسرح الفلكلوري، من خلال صنع شكل جديد للمسرح الوثائقي، والسعي نحو التجريب المسرحي في كافة الأشكال المسرحية المختلفة, كما هو الحال في مسرحيات ألفريد فرج (عسكر وحرامية) على سبيل المثال والتي جرب فيها الميلو دراما الشعبية وفي مسرحية (جواز على ورقة طلاق) وهى مسرحية كوميدية باللغة العربية الفصحى، كذلك الحال عند استخدام التراث الشعبي في مسرحية رسائل قاضي أشبيلية، ومحاولة كتابة التراجيديا بأسلوب يجد فيه المشاهد متعة ولذة فنية ووجدانية، كما الحال في مسرحيات ألفريد فرج والتي منها (حلاق بغداد وفي النار والزيتون)، والتي عزفت على الهم السياسي وحققت المتعة في آن واحد. * محاولة الابتعاد عن العروض المسرحية المبتذلة، إذا أردنا أن نروج لمسرح جاد، علينا أن نبتعد عن ثقافة الجسد والجنس، والتي تعتبر عوامل هدم وخلخلة للثقافات، وقد أصبحا ثقافة لا تنتمي إلى شعب معين، وكل همها البحث عن الفائدة والربح السريع. * استخدام القنوات التليفزيونية والفضائيات لترويج المسرح عالميا، بالطبع بعد تطوير أدواته الإبداعية من خلال كتابة نصوص إبداعية ترسم صورة حية، لواقع المجتمعات العربية المعاصرة. كما أن المسرحيات المتلفزة لا تغني عن ترويجه في ظل انتشار القنوات التي من الممكن استخدامها إعلاميا في الترويج للعروض المسرحية الحديثة، وبذلك يكون التلفاز وسيلة إعلانية نظرا لتمتعه بالانتشار الواسع. * أما إذا استمر المسرح في تقديم الموضوعات الرخيصة من أجل تحقيق أعلى العائدات الربحية، فسيصبح متشابها مع التليفزيون من حيث سطحية الموضوعات التي يقدمها، فالناس تستسهل المشاهدة في المنزل، فهي أوفر للوقت والمال ولكن عندما يكون المسرح جادا ومتميزا سيقبل عليه الجمهور. * توسيع قاعدة دور المسرح في الوطن العربي بحيث تشمل بقية المناطق المحيطة بالمدينة، وليس فقط الاقتصار على المدن، حتى ينتشر المسرح في كل البيئات الجبلية والصحراوية، وهذا سيوجد ثقافة مسرحية وتكوين بنيات أساسية بصورة أكبر. * دور وزارة التربية والتعليم في ترسيخ المسرح تاريخا وإبداعا وتطبيقا، بالإضافة إلى وضعه في بؤرة الاهتمام من خلال الأنشطة اللامنهجية، ومن خلال الدورات والمسابقات والمهرجانات. * كذلك إدراج المسرح ضمن التخصصات المطروحة عملياً في الجامعات، وحثها على الاهتمام به ضمن المساقات المتطلبة والأنشطة اللامنهجية، ودور وزارة الثقافة في دعم الفرق المحلية، وإنشاء فرقة قومية، ومسرح قومي، ودور عرض، وتوفير الكتب المسرحية العربية والعالمية، وتوسيع دائرة الاهتمام بالمسرح في جميع المناطق. كما يجب أن تقوم وزارة الإعلام بدور في التنسيق القوي لتفعيل المسرح في التليفزيون والفضائيات، بالإضافة إلى دور المؤسسات الوطنية والأهلية في التكامل مع الجهات الرسمية في دعم المسرح، ومواصلة دورها السابق في هذا السياق، بل وتفعيل هذا الدور في ظل المتغيرات الحاصلة. * دور الفرق المسرحية الموجودة على أرض الواقع في انتقاء الأعمال، والإعداد الجيد لها، وعدم الاعتماد على الإعداد السريع. * إن ترويج المسرح في عصر العولمة يتطلب منا أن نفتح الأبواب على التجارب العالمية (العولمة)، لذلك كان لابد من إعادة التوازن في التجربة التنموية في العالم الثالث، والنظريات التي تطرح هنا سواء تلك المتعلقة بردم الفجوة التنموية مع العالم المتقدّم، أو تلك التي تنظر إلى التخلّف في العالم الثالث نظرة بنيوية، على اعتبار أن اللحاق بالغرب أمر صعب المنال في ظل إشكالية الاعتماد الكلي عليه. * تسويق المنتج المسرحي عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات كما هو الحال في الإنتاج السينمائي، وهذا يساهم في انتشار وتسويق المنتج المسرحي عالميا، ويساعد على التخلص من ركود شباك تذاكر المسرح الذي يعاني منه الكثير من الدول العربية في ظل العولمة وفتح القنوات الفضائية. * ويمكن تسويق المنتج المسرحي العربي عالميا، وذلك عن طريق تأسيس عدد من المحطات التليفزيونية التجارية التي تعمل على زيادة الطلب على مبيعات المسرحيات، على ألا تكون تلك القنوات فرصة لتسويق المنتج المسرحي الرخيص الذي يخلو من المضمون ويأخذ بالقشور. وفي الختام تبقى جدلية وجود مسرح عربي قادر على مجابهة خطر التقنيات الاتصالية الحديثة، نابعة من نفسه، وقدرته على التجدد والابداع الدائم، والذي يجب أن يكون حاضر اللحظة، وقابلا لتشكيل قضايانا العربية وقريبا من أحلامنا التي نأمل أن تحقق بوجود مسرح عربي يعبر عن هويتنا. ومن المسلم به، بأن مسرحنا العربي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يكون أكثر قدرة على التعبير عن تحديات العصر وأسئلته الكبرى وان يتناول مشاكل انسان العصر دون تحديد، لمعالجتها برؤية فكرية وتقنية وجمالية تمنحه قدرا من الطمأنينة النسبية. كما أننا نحلم بمسرح حقيقي يمتلك جرأة طرح الموقف، مسرح يستند إلى الوعي المعمق والثقافة الرصينة، مسرح يمتلك قدرة الحوار مع الآخر، وليس هذا من الصعب او المستحيل، ذلك لان ذاكرتنا الجمعية مثقلة بأسماء العديد من المبدعين العرب وفضاءات مسارحنا مازالت تحتفظ بعديد المصابيح التي ستسطع أنوارها لتبدد عتمة المشهد وتنير صورة المسرح العربي الجديد.قدمت هذه الورقة في الملتقى العلمي خلال المهرجان الوطني للمسرح المحترف بالجزائر، بمناسبة الجزائر عاصمة الثقافة العربية لعام 2007
عزة القصابي- باحثة وإعلامية- سلطنة عمان – (أثر الفضائيات على الخطاب المسرحي العربي)
|