|
أثر الفضائيات على الخطاب المسرحي العربي |
|
|
|
عزة القصابي
|
|
2007-06-23 |
|
صفحة 3 من 4 المسرح العربي والتقنية الحديثة لا يمكن أن نغفل محاولات المسرح العربي باعتباره جزءا من نسيج المسرح العالمي وكونيته، لقد بذل مسرحيونا جهودا متواصلة من اجل تجاوز المرحلة التقليدية والانتقال إلى ترسيخ البنى الأساسية، واستيعاب التجارب الحديثة والسعي للحاق بالتيارات الحديثة والمعاصرة وتوظيفها فيما يرونه منسجما مع تراثهم وانشغالاتهم. في هذا المسعى ظهر العديد من الدعوات وكتبت البيانات وقدمت تجارب هنا وهناك إلا أننا ومع الاقتراب من تسعينيات القرن السابق أخذت هذه الدعوات بالتراجع والانكفاء فما عدنا نسمع اليوم عن إخبار السامرو الحكواتي ولا مسرح البساط والاحتفالية، ويبدو أن تيارات الحداثة العالمية اكتسحت أضواؤها بريق شموع مسرحنا، وفقدت الصورة الزاهية للمسرح العربي ملامحها وخصوصيتها شيئا فشيئا منذ سنوات عدة، نتيجة الأحداث المأساوية التي ألمت بالمجتمع العربي. إنها تشكل بمجملها تطلعات مشروعة وأهداف ضرورية تحتاج من المسرحيين العرب بذل المزيد من الجهود المشتركة أفرادا وجماعات ليصوغوا معا الإجابات المناسبة عبر مبادرات ثرية العطاء وملتزمة المواقف ومتجاوزة الظروف والصعوبات التي تحدق بل تعتور البنى السياسية والثقافية والاجتماعية لواقعنا الراهن. وضمن نفس السياق، فإن الجمهور العر بي يتطلع إلي فن مسرحي صادق بتعبيره مؤثر بجمالياته يحمل عبر مشاهده المتعة والفكر معا، مسرح عربي تمتزج فيه نكهة التأريخ والتراث والإبداع والمعاصرة، مسرح عربي يحمل هوية واحدة بلا تأشيرات سفر او شكليات مبهرجة، مسرح يستمد مقومات وجوده من تلك الجذور الضاربة في عمق التأريخ حيث القصص الشعبي وصولا إلى عصرنا الحالي، وما فيه من التحولات التي رسمتها خارطة العولمة تلك التي أفضت إلى إنتاج تاريخ معاصر فرض تشكيله على مخيلتنا وأحاسيسنا وعلاقاتنا، وهو أقرب إلى الواقع لاسيما إذا تصدى له المسرح ليصبح مادة غنية في صميم تجاربه مما تمنحه ديمومة التواصل ومواكبة اثار ونتائج هذه المستجدات الكونية المتلاحقة بكل خصائصها وافرازاتها. وإن ذلك الواقع ينبلج من أحداث الحروب وأسلحة الدمار الشامل وتفوق وسائل الاتصال عن بعد والاجهزة الرقمية حيث عصر الروبوت والالكترون وهيمنة اقتصاد السوق والتضخم والشركات العملاقة، اساطير احلام الحرية والديمقراطية وحرب الارهاب واحتلال الشعوب المباشر وغير المباشر تحت تبريرات شتى أمام هكذا واقع عربي مأزوم.هل خدم التليفزيون(الفضائيات) المسرح؟ لم تخدم المحطات الفضائية المسرح، مثلما خدم الفنون الأخرى، كالسينما، مثلاً. ففي الوقت الذي ظهرت فيه قنوات متخصصة في السينما وبث الأفلام السينمائية على الشاشة الصغيرة، فإن المسرح يكاد يكون غائبا عن شاشات أكثر من مئتي محطة فضائية عربية، نظرا لطبيعة التلفزيون عن المسرح، الذي وجوده يتطلب خشبة مسرح. وهناك من سيقول بأن هناك مسرحيات كثيرة تعرض على الفضائيات، وسنسارع إلى التوضيح أن المسرحيات المعنية هذه لا تنتمي إلى فن المسرح بوصفه أحد أعرق الفنون. فالمسرحيات التي تعرض تقتصر في بنيتها على الترفيه واللهو والتهريج. حتى ارتبط المسرح في ذهن المشاهد العربي بهذه النعوت التي اختزلت المسرح في ذلك الفن القادر على إضحاك المشاهد فحسب. والواقع أن المسرح في تعريفه التقليدي التاريخي، وفي مدلوله وأهدافه يكاد يكون نقيضاً لهذا التصور المغلوط. فالمسرحيات الكلاسيكية الكبرى التي عرفتها ثقافات العالم المختلفة، منذ المسرح الإغريقي، مروراً بشكسبير، وصولاً إلى هنريك ابسن، وهارولد بينتر، وسعد الله ونوس... غلب عليها الطابع التراجيدي، وناقشت قضايا وجودية كبرى، واقترحت تصورات جمالية وبصرية مدهشة على نحو يصعب معه الجمع بينها وبين تلك الكوميديا الرخيصة في عروض الفضائيات العربية.وهنا لابد من الاعتراف بأن التليفزيون، بوصفه وسيلة إعلامية جماهيرية واسعة الانتشار تلهث وراء مادة سريعة الاستهلاك وخفيفة الظل، لا يمكن له أن يستوعب فناً مشاغباً، وجريئاً كفن المسرح الذي يفضح ويعري ويكشف... وهو «أي التلفزيون» أضيق من أن يتسع لتلك الأسئلة الكبرى والعميقة التي يطرحها المسرح، ويصبح البديل،عندئذ، إنشاء فضائيات متخصصة بالمسرح وهمومه، وتسليط الضوء على العروض الناجحة واستضافة رواده. ولاشك في أن هذه القنوات، إن وجدت، ستستقطب جمهوراً نوعياً عاشقاً للمسرح. ولئن تراجع دور المسرح في حياتنا فمرد ذلك إلى أن الذهن العربي يميل إلى الكسل، ولا يرغب في فن يحفّز لديه الأسئلة المقلقة. وليس صحيحاً، كما يشاع، أن ظهور فن جديد يلغي فنوناً سبقته، فكل فن يحمل خصوصية تخوله البقاء والاستمرار كما يلمح إلى ذلك الكاتب المسرحي والدرامي المصري محفوظ عبد الرحمن الذي يقول إن «أزهى عصور المسرح العربي كانت في المراحل التي أعقبت اختراع السينما ومن بعدها التليفزيون»، أي في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. التلفزيون(الفضائيات) وسيلة للهروب؟!! هناك من اعتبر التليفزيون أو الفضائيات حاليا وسيلة لهروب الممثل من المسرح، نظرا للأجور المرتفعة، والتي توفر جوا من الاستقرار المادي للفنان، وبذلك يضمن وجود دخل ثابت له طوال العام. كما يعود إلى ولع الجمهور بالنجم فنجد المشاهد يسأل عن بطل العرض أولا ثم المسرحية. ويحق لنا أن نتساءل هل استطاعت هذه الثقافة وعلى نحو خاص الفضائيات ان تستحوذ على اهتمام المشاهد وتجعله يستغني عن الذهاب إلى المسرح، الذي لم يقو على شد الجمهور إليه بقوة وواقعية وجرأة وحداثة المواضيع التي يطرحها وبالتالي استطاعت الفضائيات سرقة جمهور المسرح. ما نشاهده الآن من كم هائل للفضائيات ووجود برامج متنوعة فيها، يجعل المرء غارقاً في التفكير، فيما لو اقدم على ارتياد المسرح أو السينما أو حتى قراءة كتاب! نظراً لإشباعه حد التخمة من التجوال في القنوات الثقافية والفنية المتعددة المشارب.... وأشارت دراسات بأن الفضائيات استطاعت ان تكسب المتلقي، ومنهم جمهور المسرح من خلال التنوع الهائل في البرامج، فضلا عن تدفق المعلومات عن طريق وسائل التكنولوجيا الأخرى. وأن كان للعرض المسرحي وهج خاص ومميز، وهو قادر على التأثير المباشر في المتلقي الذي يحضر لكي يكون جزءاً من العرض من خلال استشعاره بالإضاءة والأداء المباشر وقداسة المسرح الذي يحتوي على اللون والحس العالي بالمكان، وكل هذه الامور لا يمكن ان يستشعرها الجمهور من خلال الفضائيات بل من خلال الحضور إلى قاعة العرض. ومن هنا نتساءل هل استطاع المسرح أن يستعيد جمهوره في العالم والوطن العربي. بداية يجب الانتباه إلى أن فناً ما لا يستطيع أن ينوب عن فن آخر؛ فالسينما تقدم متعة خاصة بها يسعى إليها المتفرج لذاتها. وكذلك التليفزيون. وكذلك أيضاً المسرح. والمتعة بكل فن تأتي من خصائصه التي لا تكون لغيره. وهذا يعني أن المسرح والمسرحيين أخطأوا كل الخطأ حين خافوا من السينما أولاً وخافوا من التليفزيون ثانياً. وحين يغرق الناس في متابعة فن من هذه الفنون فليس لأنه بديل عن غيره بل لأن غيره لا يدعوهم إليه. فغياب السينما في بعض البلاد العربية، جعل الناس تلتفت إلى التليفزيون في حين أن أكثر بلدان العالم ما تزال السينما فيها تحظى بالجمهور الكثيف. ولعل لنا في مصر ولبنان أوضح دليل. فبلدانهما مليئة بصالات العرض التي يحتشد فيها الناس كل ليلة بمقدار قوة الفيلم المعروض. وسبب ذلك أن متعة السينما ذات طعم يختلف عن طعم متعة التليفزيون. والإنسان يحب طعوم المتع كما يحب أنواع الطعام المتعددة. ومن زاوية أخرى، هناك من سيقول إن المسرح حارب نفسه، حين هجر ركنيه اللذين يقوم عليهما وهما الكلمة والممثل. واستبدلهما بالسينوغرافيا أو بالمادة النصية الضعيفة مما حول الممثل إلى أداة أفقدته دوره القديم في بناء العرض المسرحي. وعلى هذا أيضاً ثالثاً فإن أمام المسرح سبيلاً واحداً هو أن يعود إلى هذين الركنين الأساسيين اللذين يوجد ان متعة لا يمكن لفن آخر أن يقدم مثلهما. توجد في الناس المختلفي الأذواق والاتجاهات والأفكار كتلة واحدة يصهرها العرض المسرحي مدة العرض في بوتقة حارة. ثم يذهب كل منهم إلى بيته وقد اصطحب ما رآه وسمعه على خشبة المسرح. وهذه العودة سوف توجد لدى الإنسان في العالم وفي الوطن العربي إحياء لنفسه بعد الشعور بالعزلة واليأس اللذين دمرا الأمل عند الإنسان منذ بداية تسعينيات القرن العشرين. فكأن العودة إلى العرض المسرحي المتكامل نزعة فنية سرعان ما تتحول إلى نزعة فكرية وإنسانية. وبهذه العودة يضع العرب حياتهم المأزومة المهزومة على بساط البحث من جديد.
|