|
أثر الفضائيات على الخطاب المسرحي العربي |
|
|
|
عزة القصابي
|
|
2007-06-23 |
|
صفحة 2 من 4 المسرح والعولمة تعتبر العولمة من التحديات الحديثة القديمة التي فرضتها العوامل السياسية والاقتصادية التي تتسم بالهيمنة على منابع الثقافة وتماهي الحدود بين الثقافات لصالح ثقافة واحدة. ولقد ارتبطت العولمة بجملة من المتغيرات التي حدثت في حياة الشعوب عبر آلاف السنين. كما شكلت الحروب منعطفا مهما في نقل العولمة أو ما يسمى بالثقافة العالمية. ولما كانت الفنون هي نتاج إنساني يوحد الحضارات المتباينة، فإن المسرح يعتبر من الفنون الحديثة في الوطن العربي. وإن كانت هناك بعض الظواهر المسرحية التي لم تكتمل بعد، فإن المسرح يظل كائنا مستوردا متفاعلا بحسه الإنساني مع الجميع، ويظل العديد من المحاولات لصنع مسرح عربي أصيل.فإن ترويج المسرح في عصرنا هذا أصبح من التحديات، وخاصة إذا ما تعلق ذلك الترويج بمحاولة الحفاظ على الهوية الثقافية، وليس فقط من أجل تحقيق الربح المادي. ولما كان المسرح يشكل رصيدا حضاريا في تاريخ الأمم والشعوب، فكان لابد من تداخل الآراء حول تأثير العولمة على المسرح. فهناك من لم يخفِ قلقه من ضياع المسرح، أو حتى فقدانه في ظل تأثيرات العولمة، وأن ذلك الإحلال واقع لا محالة. بينما هناك رأي يخشى أن يتحول المسرح إلى سلعة استهلاكية، وصولاً إلى الرأي القائل إنه لا خوف على المسرح من العولمة لأنه آخر ما يمكن أن تؤثر عليه. لذا فإن العولمة أصبحت خطرا على المسرح في ظل التحديات الأخرى التي قد تواجهه في داخل المجتمعات المحلية. وفي عصر العولمة تأثر المسرح ويتفاعل ويندرج فيه العديد من التسميات , وذلك لأن المسرح شكل تعبيري واتصالي متغير, سواء على مستوى الشكل أو المضمون. ويسعى النظام العالمي الجديد إلى تقديم فنه الذي ينسجم مع تطلعاته السياسية والاقتصادية كنموذج فني، وسيستفيد المسرح من العولمة في بنية النص والعرض. وبالرغم من ذلك فإن هناك من يرى أن تبادل التجارب الإنسانية بمثابة حجر الأساس في عالم الفنون، حيث لم يعرف العالم ثقافة فنية منفصلة عن بقية التجارب الإنسانية والفنية الأخرى، لذا كانت ولا تزال الفنون والثقافات، نتيجة لتفاعل الحضارات الأخرى. وقد حاول المسرحيون أن يتملصوا من عالمية المسرح من خلال التجارب المسرحية المعاصرة، باللجوء إلى التراث العربي، على اعتبار أنه عجينة يمكن تشكيلها بما يتناسب مع الواقع العربي المعاصر، واللجوء إلى التاريخ وأحداثه وشخصياته التي وصلت بفضل المخيلة الشعبية إلى أعلى أشكالها الدرامية مثل حكايات سير الأبطال التاريخيين على مستوى الدين والسياسة، وتلك التي تناولت قصص مشاهير الأدباء والشعراء.إلا أن المسرح العربي في الآونة الأخيرة اكتسحته الظواهر الثقافية الاستهلاكية وأصبحنا نسمع مصطلحات جديدة مثل (المسرح الاستهلاكي)، نظرا لطغيان المسارح التجارية التي أصبحت تنشد البُعد الاستهلاكي المادي، دون الاهتمام بالمضمون، فأصبحت خشبة المسرح ملاذا لتقديم الفن الهابط، الذي يقوم على الرقص والغناء والإغراء، وبذلك أصبح المسرح معرضا لثقافة العربية، خصوصاً جسد المرأة، فأصبح العري يحكي قصتين، عري الجسد وعري الثقافة.المسرح في عصر " الديجيتال " استطاع المسرح أن يقاوم التيارات العاتية الآتية من التليفزيون والسينما فيما مضى، واليوم يجابه عملاقا قويا استطاع أن يدخل في ثناياه العديد من الأشكال الفنية والإعلامية، ألا وهو الفضائيات التي جاءت نتيجة ثورة تقنية الاتصالات في العصر الحديث، وكانت الانطلاقات في التسعينيات من القرن الماضي، وكانت نتيجة اختراع الأقمار الصناعية (الستاليت) ونتيجة لفكرة العولمة التي غزت العالم، وسعت إلى أن يكون قرية واحدة كما تنبأ ما كلوهان. ونتيجة لذلك انبثق العديد من الآراء التي ترى بأن المسرح العربي معرض للانهيار، وخاصة أنه يعاني من الترهل، نتيجة وجود الكثير من المعوقات التي فرضها عليه الاستعمار ثم الأنظمة العربية...بالإضافة إلى بعض معوقات المسرح التي تحد من ظهور المسرح في الدول النامية، مثل ضعف البنية الأساسي للدور المسرحية، وكذلك قلة التقنيات الحديثة في تلك الدول، وكذلك ندرة الكوادر المؤهلة التي يمكن أن تتعامل مع آخر التقنيات الحديثة في عالم المسرح. ولقد حاولت بعض المسارح أن تتحايل على الواقع، والبحث عن أشكال جديدة أقرب ما تكون إلى ما يقدم على شاشات التليفزيون. وبعد عدد من التجارب استطاع الفن المسرحي ان يواصل عطاءه ويثبت ضرورته ليبقى شاهدا على مر العصور، ذلك بفضل ممكنات التجدد والبقاء التي سعى فنان المسرح إلى ترسيخها منذ أن شعر بضرورة المواكبة والتحديث المستمر لبنيان هذا الصرح الإبداعي المرتبط بالإنسان. لذا فقد كان سعيه مستمرا للإفادة من كل ما أفرزته معطيات الثورة التقنية والمعلوماتية، بل انه سبق هذه الإضافات البالغة التأثير في عصرنا الراهن الذي أغرقته أمواج المد التقني والإلكتروني والاتصالي المفتوح عبر فضاءات الكون. وحاول المسرح أن يقرب الفجوات ومحاولة توظيف ما تمنحه إياه تقنيات العصر الجديد ولغاته في اكتساب المعرفة وطرق تداولها، فالتوظيف التقني لم يغب عن بنية العرض بل رافقه عبر مراحله التطورية المتفاوتة، وقد انعكس ذلك على مجمل البناء المسرحي بوصفه خطابا ومعمارا وتلقيا، أن الخطاب المسرحي بصفته عرضا مركبا قد أصبح أكثر ارتباطا بمنجزات التكنولوجيا الحديثة التي ابتدأت للعيان منذ سبعينيات القرن الماضي والتي أتاحت أفاقا لم يسبق اقتحامها مما جعل الفنان المسرحي وجها لوجه أمام تحديات جديدة لابد له أن يواكب مجرياتها، بما يجعل فنه قادرا على منافسة الوسائل الاتصالية الأخرى كالسينما والتلفزة والإنترنت تلك التي استمدت قدراتها من هذه التقنيات وأصبحت تفرض هيمنتها في الأوساط الثقافية محققة انتشارها الواسع والسريع. وضمن هذا السياق، ظهرت تجارب مسرحية جديدة قاطعت كل ما يمت بصلة مع السائد على مستوى النص والإخراج والتمثيل وأعاد بعض المخرجين معالجة الكثير من النصوص الكلاسيكية والاقتباس من الأساطير والمثولوجيات لتحميلها الأسئلة جديدة وتغذيتها برؤى وأفكار معاصرة تستند في أطروحتها إلى الكشوفات التقنية التي استثمرت في المعالجات الإخراجية المتنوعة التي أطلقتها من قيد النصوص الملفوظة والمدونات المستقرة لتحيلها إلى خطابات فكرية وجمالية متجددة تضع المتلقي شريكا أساسيا في إنتاجها وتحققها. وقد برزت في هذا المنحى تجارب عديدة منها ما أنجزه المخرج البريطاني بيتر بروك الذي حاول في أعماله تغيير منظور العلاقة بين المسرح وجمهوره وصياغة لغة مسرحية شديدة التميز، تبعا لخصوصية الموضوع لاسيما تلك الأعمال التي قدمت في فضاءات غير تقليدية ساعيا فيها إلى تقريب المادة الأسطورية إلى الواقع. وتعمق هذا الاتجاه أيضا في تجارب المخرج البولندي جروتوفسكي وتلميذه الإيطالي الأصل يوجين باربا الذي سعى عبر منهجه الذي سماه بمسرح الثالث وهو الذي انشأ المدرسة الدولية لانثربولوجيا المسرح، حيث حاول ان يفيد من تجارب أستاذه وينحرف بها نحو امتدادات الألفية الثالثة، ولايمكن ان نغفل تجارب زميلهم كانتور الذي ركز في اعماله على الجانب التقني في الاداء الاتصالي والتعبيري منتجا في الوقت ذاته أفكارا إنسانية محملة بأسئلتها المقلقة، وهناك تجارب المخرج البرازيلي اغسطوبوال التي حول فيها التجربة المسرحية إلي مختبر جماعي تكون فيه الاجساد وسائط تعبيرية ولغات للتواصل وتوليد المعاني والدلالات تحت منظور رؤيته الخاصة لمسرح المقهورين، وهكذا تلتقي هذه التجارب مع ما يذهب اليه مخرجو ما بعد الحداثة امثال ريتشارد فورمان وروبرت ويلسون وجروترود شتاين وجوزيف سفوبودا وكريس هاتمان واخرين من مبدعي المسرح العالمي.
|