|
د. لين غرير
|
|
2007-06-23 |
استيقظت في صبيجة ذاك اليوم وجلست تشرب قهوتها.. تقلب في محطات التلفاز وتفكر, ماذا ستفعل؟ إنها لا ترغب بالجلوس ولا بالعمل المنزلي اللامتناهي، ستخرج لتزور إحدى الصديقات.
أسرعت ترتدي ثيابها وتغلق بابها, تسير في الشارع بهدوءٍ اعتادت عليه واعتاد عليها, تقف قربها سيارة ويطل هو "صباح الخير". تلتفت إليه بدهشة لترى صديقاً قديماً عاد بعد سفرٍ طويل. ردت التحية متلعثمة "أهلاً صباح النور" "إلى أين أنت ذاهبة؟" "إلى صديقة" "اصعدي لأقلك وسنتحدث في الطريق" وكادت أن تفعل ثم تذكرت "لا أستطيع! أقصد لا داعي فبيتها قريبٌ جداً" "أريد أن أكلمك ولو قليلاً.. سأقابلك غداً في ذات الساعة هنا ونذهب لنجلس في مكانٍ تختارينه أنت.. إلى اللقاء" وقبل أن ينتظر جواباً رحل, (طال بقاؤه في الغرب فنسي عادات الشرق أو تناساها). كانت واقفة أو بالأحرى متجمدة, عيناها متسعتان بدهشة وفمها مغلق على كلمات الرفض للدعوة, تابعت سيرها بسرعة, وعادت بها الذاكرة إلى تلك الأيام التي كان فيها يأتي إلى المنزل ليزور أخاها وكانت تستقبله بلهفةٍ لتنظر في عينيه وتقرأ الإعجاب المبطن الذي لم يخرج قط من دائرة لغة العيون. انتظرت حتى وصلت إلى صديقتها لتخبرها بما حدث, كانت تحكي لها دون أن تشعر بمعالم الفرح التي زينت جمال عينيها.. دون أن تعي سبب هذه الرقصة الزورباوية لقلبها. وفاجأها في النهاية سؤالٌ نطقته الصديقة ماذا ستفعلين؟". ماذا ستفعل.. لم تفكر حقاً.. من أين جاء هذا السؤال كأنه زلزالٌ أطلقته الأرض ليشتت ساحة أفكارها الحالمة. "سأذهب" ابتسمت صديقتها دون أن تعلق, فأسرعت تتماشى مع واقعها "أنا أمزح.. لن أذهب طبعاً لكني سأنتظره لأخبره ذلك." وجاء اليوم التالي بعد زمنٍ طويل وليلٍ أطول, زارها النوم فيه ساعة أو اثنتين فقط. لم تستيقظ لأنها لم تكن نائمة عندما جاء الصباح. شربت قهوتها مسرعةً وجلست تنتظر الساعة, عقرب الدقائق بطيءٌ اليوم, لعل هذه الساعة الحائطية متأخرة, ستحضر ساعة يدها فهي الأدق, الوقت المتباطئ ذاته في كل الساعات وحتى عقرب الثواني يبدو أنه تعب من السباق مع الزمن وأصابته الشيخوخة فصارت حركته بطيئة. حان الوقت أخيراً وأسرعت تنزل درجات السلم لتصل الشارع. في وجهها إشراقة المغامرة وخوفٌ من قبول الدعوة, رفضٌ للذهاب يتصارع مع رغبةٍ قوية لتصعد تلك السيارة. وصلت إلى المكان ذاته ووقفت تنتظر, لعلها من فرط سرعتها ومن طول انتظارها وصلت مبكرة وهي التي اعتادت الوصول متأخرة دائماً, لكن ساعتها تشيرُ إلى تجاوز الوقت المحدد, ربما تـأخر في الطريق إلى هنا. مرت ربع ساعة ثم نصف ساعة وهي تنتظر, وعنقها قد أتعبه التلفت يمنةً ويسرة وزاغ بصرها من البحث عن السيارة الحمراء. تنهدت بعمق.. بحزن ثم مشت نحو صديقتها, مشت تتلفت كل لحظة إلى الخلف لعله يأتي الآن ليعتذر عن تأخره, لعل طارئاً قد أصابه. وفجأة لم تعد تجد مبرراً, تبخرت كل المبررات مع غليان أعصابها المحترقة وسقطت من عينيها أمطاراً. ذهبت إلى منزل صديقتها دون أن تعلم أنه وصل بعد رحيلها بدقائق في سيارة أجرة بعد أن ترك سيارته مكان الحادث.. جاء مسرعاً ليعتذر عن تأخره فلم يجدها. جلست فور وصولها ولم تتكلم. كانت عيناها تروي ألم الانتظار وألم سعادةٍ عاشتها ليلة.. ليلة واحدة. كانت تنتظره لترفض دعوته وإذ به لا يعطيها الفرصة, كأنما لم يعدها, فالوعد عنده كان كلاماً وكان عندها جمراً أعدت عليه قهوتها الصباحية في ذاك اليوم.
د. لين غرير- زاوية بين السطور- (موعد صباحي) |