|
"جورة حوّا" بين هاوية الواقع.. وانتصار الحِبر |
|
|
|
نادين باخص
|
|
2007-06-23 |
أمام احتفال اللّغة بالواقع، وأمام فكرٍ نابضٍ بتفاصيل ما يجري، لا يجد المرء فسحةً زمنيّة ولا حتّى مكانيّة ليتمالك نفسه ويلتقط أنفاسه.
هذا ما جعلني أشكّ بقدرتي على الإبحار في (جورة حوّا) الرواية الثانية للروائية السورية منهل السرّاج، الصادرة عن دار المدى، بعد مجموعة قصصية، أولى إصدارتها. فتردّدت قبل أنْ أفعل، خصوصاً وأنَّ النقد إنْ لم يقدّم فكرة طريفة، ليس بالنقد الجذّاب، والنقد إنْ لم يكن جذّاباً، مصيره المنطقيّ الدخول في مأساة العنوسة، إذْ ما من كائن يلزمه الاقتران بلون رمادي لا مستقبل له في التطوّر. لن أقوم بتعديد شخصيات الرواية، ثمّ أدرس كلّ واحدة منها دراسةً ميدانيّة، بل سأقدّم قراءة شموليّة للرواية من خلال شخصياتها الرئيسة، وفق ما عاشته تلك الشخصيات من ظروف معيّنة، وما خاضته لأحداث نسجتها الكاتبة ممّا توفّر لديها من دقيق الواقع، مضيفة إليه خميرةَ خيالٍ مدهش. بالرغم من أنّ الاعتراف ببطل وحيد للرواية بات مرفوضاً في عصر الأدب الحديث، كون البطل الأعظم اليوم هو الواقع نفسه، إلاّ أنّه لا يمكن الهرب من الاعتراف بأنّ (مي) هي بطلة الرواية (ظاهريّاً)، مع الإشارة إلى أنّ البطل الإنساني فيها مفقود، إنما هنالك محور عام حافظت الكاتبة عليه عبر شخصياتها الثلاث: (مي، كوثر، ريمة)، ليصبحَ البطل عبر تلك الشخصيات المنتمية إلى مدينة (حماة) هو واقع تلك المدينة، كما أرادت الكاتبة تصويره، أو لنقل، إنَّ البطل في رواية (جورة حوّا)، هو ذلك الهمّ الكبير الذي تحمله الكاتبة في روحها (همّ المدينة). إنّه بطلٌ روحيّ بامتياز إنما نابضٌ بأجساد بشريّة، وهذا ما يقابل بطولة الفقر في روايات دستيوفسكي. ولما كانت سمة الحقيقة الأهمّ هي الصّفع، فإنَّ مرورنا بشخصيّة مثل (مي)، هو ما يشكّل لدينا صفعةً جميلة، كونها تعبّر عن حقيقةٍ عميقة في روح الكاتبة وفكرها. فمن المعروف أنَّ الأثر السلبيّ للصفعة ليس هو السائد دائماً، فكم من صفعاتٍ تسهم في إحداث أعجوبة تراجعنا (تبعدنا) عن شفير الهاوية، مانعة كارثة اندحارنا. لقد نجحت موضوعيّة الكاتبة في رسم شخصيّة متمرّدة، دون أنْ تنفّرَ القارئ من تمرّدها ذاك. فتمرّد (مي) على مفردات دينها، من حجاب، وطقوس الحج،...، لا يخدش القارئ المؤمن، ولا يؤذي الشيخ المستنير، هذا إنْ تقاطع فكرهما وروحهما مع فكر الكاتبة وروحها. والمدهش في أسلوبها، أنّها تطرح أفكار حسّاسة للغاية دون أنْ تخدش قارئها، حتّى عندما صوَّرت روح (مي) الخائنة لزوجها، وخيالها الذي يرسم كيف ستخونه، لم تعطِ الفكرة بُعدها المقزّز عادةً، وفي الوقت نفسه، لم تكن تحاول أنْ تبرّر لها خيانتها. وربما السبب يعود إلى كمّ الواقعيّة في لغة الكاتبة، تلك الواقعيّة الموضوعيّة التي راحت تحرّك الشخصيات. تمثّل كلّ من تلك الشخصيات (حوّا) التي كان من المحتمل سقوطها في الـ (جورة) لولا تطوّر شخصية كلّ منها. فشخصيات (منهل السراج) الثلاث لا تتصف بالسكون والثبات، بل هي متطوّرة عبر صفحات الرواية. (حوّا) الأولى هي (مي)، التي قضت أكثر من ثلاثين سنة من حياتها خارجة عن تقاليد عائلتها، مختلفة عن بقية أخواتها، إلاّ أنَّ اللحظة التي اضطرتها أنْ ترضخَ لما تفرضه تقاليد المجتمع، جاءت بسبب فضيحة تعرّضَتْ لها، فقط لأنّها - هي الفنانة التشكيليّة – استسلمت للحظة إبداع اجتاحتها فلم تقاومها، بل ذهبت معها إلى حالة نشوة لم تفتح عينيها منها إلاّ أمام جَلْد الناس لها، ووضع أصابع الاتهام في وجهها. نعم لقد رضخت (مي) - بسبب ما جرّته عليها لحظة جنونها الإبداعي تلك- لقدرٍ موغل في الرماديّة، على عكس الألوان التي أحبّتها دائماً، إلاّ أنّ تطوّر شخصيّة (مي) من الألوان إلى الرمادي البحت، لم يدعها تأخذ شكلاً تنتهي به الرواية، بل عادت الألوان داخلها لتفاعلها الطبيعي، لتمنح (مي) روحها المسلوبة من جديد، ولتعود بها من الطريق الخاطئ الذي لم يكن سيوصلها إلاّ إلى الـ (جورة). ونأتي إلى (حوّا) الثانية: (كوثر)، لنتوقف عند اللطخة التي رافقت وهمها طويلاً، لطخة سوداء كانت تداهم جبينها - بمجرّد التقائها بالناس، حتّى لو كانوا أطفال حيّها المنتشرين في أنحائه، يتراشقون الحجارة والتراب، غير مكترثين بمرورها أصلاً - وتتعدّاه لتغطي عينيها ووجهها بالكامل.. والحقيقة أنّ تلك اللطخة، تحتاج إلى دراسة خاصة بها، لكنَّ المتّسع الورقيّ هنا، يفرضُ علينا أنْ نتقيّد بسطور قليلة. فلم تكن اللطخة السوداء التي رافقت (كوثر) في أكثر من ثلاثة أرباع الرواية، سوى تأثير دجل المعلمة في روحها التي أصيبَتْ بالهشاشة بدءاً من تعرّضها للتحرّش عندما كانت طفلة، مروراً بفقدانها لوالدها وأخوتها في حادثة واحدة، ووصولاً إلى منزل المعلمة واجتماعاتها الدينيّة في ظاهرها، الاستغلاليّة في حقيقتها. حيث لم تكتفِ المعلمة بتسميم روح (كوثر) بالأفكار الخاطئة عن الدين والدنيا، بل راحت تستغل حاجتها وفقرها فتطلب إليها مساعدتها في شؤون منزليّة كثيرة مقابل منحها الآمال بتزويجها. لكنَّ (منهل السرّاج) لم ترضَ أنْ تترك إحدى شخصياتها تُكمل في الطريق المنتهي بـ (الجورة)، وإذا بها تُخرِجُ من أعماق (كوثر) تلك الفطرة المدهشة التي لابدّ وأنْ تخرج مهما حاول الإنسان دفنها: فطرة الحقيقة. غير أنَّ الكاتبة حافظت على الموضوعيّة نفسها في تفجير تلك الفطرة، فلم تفجرها فجأة، بل عملت منذ البداية على التمهيد والتلميح بأنّ ثمّة شيءٌ ما في روح(كوثر) لا بدّ وأنْ ينفجر. وإذا بها تُجيد ترميمَ هشاشة تلك الروح التي تعرّضتْ للكثير من الضربات. لقد اجترأت (كوثر) أخيراً على ترك منزل المعلمة،ملتفتة لتعيشَ إلهها كما تمليه عليها فطرتها، خالعة لطختها السوداء إلى الأبد. أمّا (حوّا) الثالثة، فهي (ريمة)، وهي شخصية قد نلتقي بها يوميّاً. فتاة من أصول فقيرة، تزوجت من ثري أنساها فقرها ظاهرياً، إلاّ أنَّ ردّات فعلها لا توحي بذلك، فآلية التعويض نشطت في هذه الشخصية، لدرجة أنَّ شغفها بالمظاهر أعماها، وإذا بها أشبه بصندوق كرتونيّ كبير، لكنه فارغ. ولأنَّ الكاتبة تتسم بنظرة إصلاحيّة، تقدّم عبرها الحلول التي على كلّ أدب يريد أنْ يكون سامياً أنْ يقدّمها، فقد تطوّرت شخصية (ريمة) في نهاية الرواية، لتعودَ بها إلى الطريق السليم.وبانتهائنا من قراءة الرواية، نتأكد من أنّه ليس المقصود بالعنوان: " جورة حوّا " اسم الحي الموجود في مدينة (حماة)، فالكاتبة أذكى من أنْ تجعل من اسم الحي عنواناً بسيطاً، دون أنْ تمنحه أبعاداً إضافيّة. إنّها صاحبة رؤيا تتضح من خلال تتبّع شخصيات كلّ من (مي)، و(كوثر)، و(ريمة)، فقد نجحت منهل السرّاج في إنقاذ شخصياتها الحوائيّة من جُوَر كانت احتمالاتها قائمة بقوة. (مي) من جورة إنكارها لذاتها خوفاً من المجتمع، و(كوثر) من جورة التطرّف الدينيّ الذي تساهم ظروف عدّة في خلقه، منها المجتمع، وأهمّها ظروف الإنسان نفسه، و(ريمة) من جورة حبّ المظاهر الأعمى. وقد كان عنوان الرواية " جورة حوّا " بمثابة حدث يجري - على ما يبدو - في واقع الكاتبة فعلاً، لذا جعلت احتمال وقوعه قائماً على طول الرواية، دون أنْ تسمح له بالوقوع في نهايتها، بل أخذ في التبخّر على مرأى من عيني القارئ. وهنا، تكمن أمنية الكاتبة، بالأحرى، هنا يكمن همّها. إنّ رواية (جورة حوّا)، رواية تُخلَق في الوجه الواحد من أجل قراءتها ألف عين، ويلهث الدارس في دراستها، كونها تطرح مقولات هامّة، ممّا يجعلها تُدرَس من ألف زاوية. وقد اخترتُ أنْ أنثرَ دهشتي أمام هذه الرواية على طريقة الانطباعيّة التي أراها ألطف المناهج النقديّة، ذلك أنّ المنهج الانطباعي، يؤدِّبُ حبّاً، ولا يجلد بغضاً، ينساب بجاذبيّة، ليجدَ سريعاً مَنْ يتوق للاقتران بألوانه الخاضعة لصيرورة أزليّة. ويبقى المتلقّي، هو الحكم.
نادين باخص - ("جورة حوّا" بين هاوية الواقع.. وانتصار الحِبر) تنشر بالتعاون مع بيت الكتاب (6/6/2007)
|