|
هل الزواج المبكر "حلّ" (للعلاقات الجنسية غير الطبيعية)؟! ردّ على الأستاذ محمود الوهب |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2007-06-08 |
نشرت جريدة "النور" مقالاً للأستاذ محمود الوهب، يتناول فيه بعضاً مما جاء في مقال كتبه الأستاذ أبي حسن حول سفاح المحارم والجنس المثلي، واستعاد فيها الأستاذ الوهب، وإن بشكل خجول، الزواج المبكر "كحلّ " للمشكلة، مستعيدا طرحاً قديماً المفكر سلامة موسى.
فيما يلي نص مادة الأستاذ الوهب، وتعليق على المادة..الجنس والحياة..محمود الوهبقرأت ما عرضه أُبي حسن في نشرة (كلّنا شركاء في الوطن) الإلكترونية عن بعض العلاقات الجنسية غير الطبيعية التي تنشأ هذه الأيّام في بعض الأوساط الشبابية، أو فيما بينهم وبين من هم أكبر منهم سناً. وقد أتى الكاتب على أمثلة تصدم المشاعر الإنسانية، إذ يثير مجرد ذكرها امتعاضاً واشمئزازاً، وخصوصاً تلك التي تنشأ بين المحارم من الأقارب..! وعلى الرغم من أنّ الأمثلة ليست طارئة على الحياة البشرية عموماً، ومن ضمنها مجتمعاتنا العربية، إذ يستطيع كل منا أن يأتي بالأمثلة المشابهة، من الماضي القريب، أو من أحقاب تاريخية مختلفة، وسواء كان ذلك من الحكايات التي تروى شفاهاً، أم من تلك المبثوثة في كتب الأدب العربي والعالمي. أم ذلك الكم الهائل من النكات التي تروى في المجالس المختلفة فتطبعها بالمرح وتخفف مما تحتقن به نفوس البعض، من كبت، في هذا المجال..! أقول على الرغم من هذا وذاك، ولأن كاتب المقالة لم يعلن أي رأي في القضية الاجتماعية الإنسانية التي طرحها، فإنّ المقالة تستوجب الوقوف عندها وملاحظة عدد من الأمور الضرورية التي تتعلّق بمسألة الجنس باعتباره واحداً من أهمّ روابط الإنسان بالحياة. ولا أشير هنا إلى الجانب المادي في الحياة الجنسية التي تولّد اللذة، بل ما ينطوي عليه الجنس في أبعاده وعمقه من جوانب روحية تستدعي علاقات بين بني البشر يغمرها دفء إنساني خاص يبرز الحياة في جوانبها الفيزيولوجية ويقوي تمسك الإنسان بها. بينما يولّد فقدانه تشوهات داخلية وحالات من الخشونة تسم أنواع التعامل كله مع الحياة والإنسان وتسيء إليهما. فالكبت مهما كان نوعه يولّد حالة من الفوضى في النفس البشرية تؤثر على أداء صاحبها في أوجه نشاطه، فكيف إذا كان الكبت يرتبط بجوهر الحياة وعنصرها الرئيس. وليس غريباً أن يربط بعض علماء الاجتماع بين التخلف بأبعاده المختلفة وبين الكبت الجنسي. والكبت في جوهره هو فعل رجعي، وهو جزء من ظواهر القمع التي تمارسها الطبقات المالكة والحاكمة، فهاتان الطبقتان المتحالفتان تاريخياً هما وحدهما المستفيدتان من تحويل الجنس إلى سلعة. وليس غريباً أن تنتشر الدعارة بأشكالها كافة في حالة الكبت الجنسي، هذه الدعارة التي تدفع المجتمع إلى حال من التقوقع وبعدئذٍ إلى خلط الأوراق التي تولد ردود أفعال تصل إلى حدود الجريمة، كما هو الحال مع ما يسمى بجرائم الشرف التي لا يردعها خُلُق ولا دين ولا قانون. لا أحد لديه حل ناجز لهذه المشكلة الاجتماعية المعقدة، وهي موجودة على مدى التاريخ كما أسلفت ولكن يمكن إيجاد مساهمات جدية لترشيد التعاطي معها إذا ما فتحت هذه القضية للنقاش، فثمة الكثير من علماء النفس والتربية والاجتماع والكتاب على اختلاف ممارساتهم العلمية قادرون على قول كلمة صواب في هذا المجال، وحين تعرض هذه القضية على النقاش سوف تتضح وتغتني بما هو مستور بفعل القمع، وعندئذ يسهل البحث ويسهل إيجاد الوسائل المخففة من وطأة الممارسات الشاذة. ويمكنني الإشارة فقط إلى أن تجاهل هذه القضية الشبابية الهامة في ظروف ثورة المعلومات لم يعد مجدياً على الإطلاق، بل لا بد من مجابهتها موضوعياً ومن خلال حلول عقلانية، تأخذ الواقع القائم لشبابنا بالحسبان. ومن هذا الواقع على سبيل المثال تأخّر سن الزواج بسبب الدراسة الجامعية وبسبب تغير نمط الأسرة في مجتمعنا مع تغيّر أنماط الحياة الاقتصادية. وبخاصة بسبب ارتفاع تكاليف الزواج ومستلزماته وفي المقدمة ارتفاع سعر السكن وأجوره. فلقد انتهت الأسرة الكبيرة التي تجمع الأحفاد بالأجداد. وأولى متطلبات الأسرة الصغيرة الحديثة هو المنزل الذي يؤويها والدخل الذي يحميها. فما بالكم بالشاب الذي ينهي دراسته الجامعية فلا يجد العمل الذي يستطيع به أن يتجاوز هذه المشكلات المعقدة؟! هذه واحدة من أعقد المشكلات، بعدئذٍ يأتي عامل التربية والوعي، الذي يساهم في وجوده كل من البيت والمدرسة ورجال الدين. منذ نصف قرن تقريباً طرح المفكر والمربي سلامة موسى على المجتمع المصري هذه المشكلة، واقترح حلاً هو الزواج المبكر حتى لهؤلاء الذين يتابعون دراستهم، على أن ترعى أسرتا الشابين الزواج ريثما يصبح الزوجان قادرين على مواجهة أعباء الحياة. وليس مهماً أن يكون اقتراح سلامة موسى قد وجد طريقه إلى التطبيق أم لا، المهم أن يسمح لمن هم في موقع المسؤولية ثقافياً واجتماعياً وتربوياً أن يقولوا كلمتهم، فلبُّ المشكلة يكمن في الصمت والتجاهل وعدم تلبية حاجات الشباب الضرورية مادياً وروحياً.
تعقيب "نساء سورية"بعيدا عن الموضوع الرئيسي الذي كتبه الزميل أبيّ حسن، وهو موضوع لنا تحفظات عليه من جوانب عدة، إلا أن ما خلص إليه الزميل محمود الوهب من استعادة طرح المفكر سلامة موسى هو ما نود التعقيب عليه.. وطبعا لن نناقش طرح المفكر سلامة موسى، فهو مرهون بزمن مختلف كلياً، ومجتمع مختلف كلياً، والأهم أنه مرهون بسقف فكري لم تكن تدخل فيه حقوق الطفل، ولم تكن تدخل فيه معطيات علم النفس وعلم الاجتماع، ومن ثم مفاهيم المواطنة والتنمية، والتي أدخلت جميعها تطورات هامة على مفهوم المؤسسة الزوجية، والمؤهلات اللازمة لبنائها بناء صحيحاً. لكن ما أثار استغرابنا فعلا هو أن تصدر هذه الدعوة الصريحة من الزميل محمود الوهب، وهو القاص المعروف، والمحرر الرئيسي في جريدة النور السورية التي طالما ناصرت قضايا مساواة المرأة، وناهضت العادات والتقاليد البالية وبضمنها الزواج المبكر! والزميل وهب هو مدرس أمضى عقوداً في التدريس، وعضو مجلس الشعب في دورته السابقة، وقيادي في الحزب الشيوعي السوري الذي يرفع العلمانية شعاراً له. ولا يسعنا هنا أن نغفل ازدياد أهمية الرأي حين يحمله ويدعو إليه شخص بهذه الصفات، فهو هكذا يكتسب المزيد من الأهمية والخطورة! إن رفض الزواج المبكر، هذا الرفض الذي نتبناه ونعمل من أجل تحقيقه، لا يقوم على "عصبوية فكرية"، ولا على "موضة عصرية" كما يحلو للكثيرين أن يقولوا. بل إنه يقوم أولا على عمودين رئيسين: الأول: أن حقاً أساسياً من حقوق الطفل، هو أن يحصل على حصته الكاملة من النمو الجسدي والصحي والعقلي (العقلي بكافة مكوناته: العلم، والثقافة، والخبرة..) يجري هدره في الزواج المبكر. فأي انتقاص لهذه الحقوق يعني، أولاً، التهيئة لطفل غير سليم أو غير نام بشكل صحيح على هذا القدر أو ذاك، سواء ظهر ذلك مباشرة أم أنه تخفى تحت أشكال مختلفة وفي مراحل عمريه لاحقة. فمن البديهي أن مؤسسة كمؤسسة الزواج على درجة من التعقيد في المسؤولية تجبر الطفل (ونحن نعتمد المعيار العالمي للطفل الذي يقول بأنه كل إنسان تحت سن الثامنة عشرة)، على التخلي عن مرحلة هامة من نموه، وتدخله قسراً في مسؤوليات أكبير بكثير من طاقته. ولا يحتاج إلى برهان القول أن مسؤوليات هذه المؤسسة (الأسرة) تزداد تعقيدا وشدة يوماً إثر يوم.. وتنحني أكتاف الكبار تحت وطأتها، حتى نحملها لأطفال هم أصلاً لا يحصلون إلا على قدر قليل مما يجب أن يحصلوا عليه ليكتمل نموهم بطريقة ملائمة. ثم إن الزواج هو إرادة ومسؤولية طرفين، وبالتالي فإن الزواج المبكر يعني أن اثنين من الأطفال أدخلا قسراً تلك العملية (وهما غير المسؤولين عن حياتهما أصلا وفق القوانين). ونظراً إلى أن التقاليد السائدة عالمياً حتى الآن تفترض أن تكون الزوجة أصغر سناً من الزوج، فمن الطبيعي ان زوجة الطفل الذي عمره 16 عاماً مثلا، لن تكون أكبر من 14 عاماً! هذه كارثة بحد ذاتها. فإذا أضفنا لها أن هذا الزواج، وفق الواقع الذي نعرفه جيداً، "سيكلل" بطفل سريعاً لتأكيد "فحولة" الشاب اجتماعياً، فهذا يعني أننا أمام أم وأب في عمر 18 عاماً مثلاً.. وكلنا يعرف أن الزوجة، في كل مكان من العالم، وفي منطقتنا بشكل خاص، هي التي تحمل العبء الأساس في الحياة الزوجية، وهي التي تتأثر أكثر من غيرها بضغوطها ومشاكلها، وهذا كله يعني اضطهادا جديدة للطفلة التي حولناها قسراً إلى "زوجة"! ونضيف إلى ذلك أن ما توصلت إليه البشرية من تقدم في مجال الصحة الإنجابية، بات حقاً اساسياً من حقوق المرأة- الزوجة- الأم. وهذا الحق لا يمكن الحصول عليها أصلا إلا بصعوبة، فكيف سيكون الحال مع الطفلة التي استيقظت ذات صباح لتجد نفسها امرأة وزوجة وأماً دفعة واحدة؟! والواقع أن استنجاد الأستاذ الوهب بمساعدة الأهل للأسرة المبنية على الزواج المبكر، تشكل اعترافاً صريحا بعجز "زواج الأطفال" هذا عن تحمل مسؤولياته، فكيف إذا يمكن تصور وضع "الزوجة" فيه من ناحية اتخاذها لقرارات تمس حياتها مباشرة (كالحمل والإنجاب والمباعدة بين الحمول ومتابعة وضعها الصحي..)؟ بل كيف يمكن لها أن تقرر حتى سلوكها الجنسي تجاه زوجها؟ وهما كليهما لا يعرفان أصلاً إلا نتفاً غير علمية وغير صحيحة وغالباً ما تكون مضرة؟ هذا إذا عرفا شيئاً بإطلاق؟! من هذه الناحية، يشكل الزواج المبكر انتهاكاً صريحاً لحقوق الطفل بصفتها جزءا من حقوق الإنسان. ويشكل رفضاً غريباً لمعطيات علمي النفس والاجتماع العاصرين! بل ايضاً يشكل رفضاً غير مبرر حتى لمعطيات علوم الصحة بكافة فروعها! وذلك كله لمصلحة شيء واحد: اعتقاد أن ذلك سيحمي الشباب من "الشذوذ" الجنسي!الثاني: أن مؤسسة الزواج ليست مكاناً "لتفريغ الحاجة الجنسية"! ولا مؤسسة "للتفريخ". فالجنس فيها، على أهميته ودوره الحاسم، والإنجاب أيضاً، ليسا إلا جزئين فقط من شبكة واسعة من الأجزاء المتداخلة والمعقدة والتي تتطلب، أول ما تتطلب، درجة معقولة من المسؤولية. والمسؤولية هنا لا تنفع بها مساعدة الأهل، فهي أولا مبنية على الاكتمال النسبي لبناء شخصية كل من الرجل والمرأة قبل الزواج، إضافة إلى اعتبارات أخرى ليس أقلها المعرفة والخبرات.والمماهاة بين "الزواج" و"الجنس" هو نوع من التقزيم لهذه المؤسسة. وهروب جدي من مشكلة عويصة لا نرغب، عموماً، في بحثها في العمق (مشكلة العلاقات الجنسية عموماً، والمتعلقة بالشباب خصوصاً)، نظراً لما يرتبه هذا البحث من تكشف لمسؤوليات هائلة، وثغرات في سلوكنا المجتمعي وثقافتنا وقوانيننا ومؤسساتنا.. تؤدي إلى ما لا يرغب الكثيرون في الوصول إليه! أو لا يجرؤون على مجرد النظر إليه!وأخيرا، وليس آخراً، من الصعب قبول المطابقة القسرية بين الكثير من أفكار القرون الماضية، وما يلائم واقعنا الحالي، بحجة أنها المجتمعات ذاتها. وهذا منطق أبعد ما يكون عن العلمانية، بل العقلانية ذاتها. لأنه ينطلق أصلاً من افتراض مستند إلى ثبات الناس، وبالتالي ثبات المجتمعات. وفي الواقع أنه لم يبق من المجتمع السوري في القرن الرابع أو الرابع عشر أو التاسع عشر، إلا كلمات في كتب، وروايات شفهية، وبعض الصور القديمة.. وتصورات ثابتة في أذهان البعض، لا غير. فمن الصعب قبول أن الأسرة التي كانت حياتها برمتها هي: جنس وأولاد وطبخ وفلاحة وبقرة أو خروفين، وغرفة ملحقة بالمنزل الأساسي، وأب أو جد هو "رأس" المجموعة ومقرر أحوالها.. من الصعب القبول أنها الأسرة ذاتها التي نعيشها اليوم حيث 25 أسرة في مربع سكني واحد، ولا يعرف بعضهم بعضاً، ويستخدمون الثلاجة والتلفاز الفضائي والموبايل، ويركبون السيارة، ويعمل فرد أو أكثر من أفرادها لدى أناس غرباء، ويضطر في عمله لقطع مسافات طويلة والاحتكاك مع ناس "غرباء"، وتمر على شبكة عينه، في اليوم الواحد، عناصر أكثر بأكثر من 1000 ضعف ما كانت تمر على شبكة عين جده... ومن الصعب القبول أن الإنسان الذي كان سقف مستوى معرفته، عموماً، هو حفظ القرآن أو الإنجيل وبعض أحاديث هنا وهناك، وأحياناً إمكانية القراءة والكتابة، هو نفس الإنسان الذي هو، عموماً، اليوم على معرفة تبدو موسوعية بشكل خارق قياساً بما كان عليه الإنسان ذاك. بل حتى إن أمي الحرف اليوم، في ظل ثورة الاتصالات التي تضخ ليل نهار سيلاً متدفقاً بقوة من المعلومات الكميةو النوعية.. وغيرها، يكاد يتفوق على مرتفعي التعليم طوال القرون الماضية من حيث سعة معرفته، واتساع وعمق خبراته. في الواقع، إن الاستاذ محمود الوهب، الذي يستعيد طرح المفكرة سلامة موسى، وإن كان لا يقول بتأييده علناً، لكنه يؤيده بشكل كلي الوضوح عبر إقحام تلك الاستعادة بغير مبرر. وعبر عدم قول أي شيء سوى الجملة المبهمة حول "وليس مهماً أن يكون اقتراح سلامة موسى قد وجد طريقه إلى التطبيق أم لا"! وهي جملة لا تعني شيئاً آخر سوى: "وليس مهماً أن يكون اقتراح سلامة موسى قد وجد طريقه إلى التطبيق أم لا، فهو صحيح بغض النظر عن تطبيقه، وما يجب علينا هو تجاوز التاريخ الذي لم تطبق فيه أفكار سلامة موسى، والبدء الآن بتطبيقها"!! وهذا بالضبط ما نعده خطأ فادحاً.
- بسام القاضي، مشرف فريق عمل نساء سورية- (هل الزواج المبكر "حلّ" (للعلاقات الجنسية غير الطبيعية)؟!) |