|
أميرة أبو الحسن
|
|
2007-06-08 |
لا أدري بالضبط ما الذي يزعج الناس في كلمة "مشغولة". بالطبع هم لا يبدون امتعاضاً، فكلهم يؤمن تماماً بحريتك الشخصية، وكلهم يردد مقولة أن الوقت من ذهب، وهم يعلمون تماماً أنك بالكاد تملك الوقت الكافي لإنجاز ما عليك إنجازه.
هم لا يبدون امتعاضاً، بل غالباً ما ترتسم على وجوههم ابتسامة تكاد من فرط رقتها أن تتراجع عن كلمتك وتترك كل ما عليك إنجازه وتؤجله لتتفرغ لهم، لتكون أذناً صاغية لمشاكلهم وأوجاعهم النفسية والجسدية وأحداث حياتهم اليومية بكل تفاصيلها الدقيقة.امتعاضهم لن يكون مباشراً، لكنك فجأة ستشعر بتغير في طريقة تعاملهم؛ اتصالاتهم ستقل حتى تكاد تنقطع. قد لا تفتقدها كثيراً، لكنك عندما تلتقي بهم لاحقاً سوف تقرأ في عيونهم عتباً ولوماً يوقعانك في حيرة السؤال؛ ماذا فعلت، وبماذا أخطأت؟! العتب واللوم قد يتحولان إلى قطيعة، بسبب كلمة قلتَها، لأن من حقك أن تقولها، ولأنه سبق لهم أن قالوا لك إنهم سيقبلون بك كما أنت، مهما كنت مختلفاً عنهم. في العادة، نحن نقول الكثير مما نظن أننا نعنيه، وعند أول امتحان عملي، نسقط بامتياز. المضحك والمدهش والمحزن معاً، أننا حين نسقط بامتياز، لا ننتبه، يمر الأمر هكذا.. بانسيابية شديدة وكأننا نمارس فعلاً عادياً للغاية؛ لأنه فعل صرنا نمارسه كثيراً حتى صار اعتيادياً مألوفا وعادياً، بل قاعدة راسخة فينا، فلم يعد تناقضاً فاضحاً أو كذباً مرهقاً. أوجدنا له قوانين تبرره وتبيح وجوده حتى صار هو المنطق العام الذي لا يجرؤ أحد على الاختلاف معه.الزوجة تقول: "مشغولة" فيمتعض الزوج. الزوج يقول: "مشغول" فتمتعض الزوجة. الأقارب.. الجيران.. الأصدقاء.. الأدباء.. الكتّاب.. المثقفون. علاقات كلها تخضع لدمار محتمل، بسبب كلمة!لا أظن أن السبب يعود إلى الكلمة ذاتها، بقدر ما يعود إلى تجاهلنا لكلمة أخرى، نتظاهر دائماً بإدراك معناها. نسوَّق لها كثيراً؛ لأن سوقها رائجة جداً هذه الأيام. كلمة نحن في أمسِّ الحاجة إلى تدريب أنفسنا على ممارستها؛ المصداقية، وهي المفردة التي تعني في معاجمنا أن الأقوال تأتي مصداقا للسلوك، أي دليلا وشاهدا على صدقها. وأضيف من عندي: أو العكس.*- "ثم إنني مشغولة": عنوان ديوان للشاعرة عناية جابر
أميرة أبو الحسن- (ثم إنني مشغولة)جريدة الاتحاد الإماراتية (26/5/2007) |