|
التسول والتشرد في محافظة السويداء.. ظاهرتان تنظران الحلّ...! |
|
|
|
ريما فليحان
|
|
2007-05-28 |
مجموعة من المتشردين والمتسولين و"أطفال الشارة"، إن صح التعبير.. هم الشريحة التي تناولها هذا التحقيق.. فبين طفل يعيش أربع والعشرين هائما في الشوارع.. وعلى شارات المرور معتبرا الضوء الأحمر هو صفارة انطلاقه أمام السيارت ربما يساعده الحظ في تحصيل بعض الليرات..
لينهي يومه الطويل فيلتحف الجرائد على الأرصفة أو يعود إلى بيت بائس لا يجد فيه لقمة تسد له رمق العطش وعضة الجوع, ولا يجد حتى صدر حان يخفف عنه أعباء يومه الشاق, وبين عجوز هرم يتسول بين الناس وامرأة تبلغ السبعين من العمر تعتاش على جمع الكراتين الفارغة وبيعها بالعاصمة.
وبين من يتسول ومن تتسول.. تولد ظاهرة تحتاج إلى دراسة وبحث وتقصي وصولا إلى حلول ناجعة هي عمل مجتمعي يجب القيام به بجديه واهتمام...!
حالات من الواقع..
السيدة (ه-ا) البالغة من العمر ما يقارب سبعين عاماً، هي نموذج يعكس صورة نستطيع أن نصفها بالايجابية وسط هذه الظلمة! هذه السيدة التي عملت في مصرف التسليف الشعبي كعاملة تنظيفات لمدة 29 عام براتب بلغ في نهاية خدمتها 1800 ل س! والتي لم تحصل على راتب تقاعدي ولا أي تعويض بعد خروجها من العمل! أرغمتها ظروف الحياة القاسية على أن تختلق هذا العمل! فهي تجول الشوارع يومياً.. وتجمع الكراتين الفارغة المرمية بجانب المحلات، كل يوم، وتبيعها في العاصمة إلى معامل مختلفة.. وتعيش بهذا المردود! كما تصرف منه على أختها المعوّقة التي تعيش معها في ذات المنزل! وهو المنزل الذي توجهنا إليه ورأيناه بأم أعيننا.. وتلمسنا صدق كلامها!
من الجدير ذكره هنا أن المؤسسة الدينية تقدم لها مساعدة سنوية تبلغ 300 ثلاثمائة ليره سوريه فقط...!
السيدة (غ ع ب) تجول الشوارع يومياً وتبيع العلكة، وهي بعمر يقارب السبعين وتستفيد شهرياً من الوقف بمبلغ 200 ل س. وتقول إن هذا المبلغ لا يشتري لها كيلو لحمه! على حد تعبيرها...
الطفل (ا- م) عمره عشر سنوات، هو من "أطفال الشارة" الذين تحدثنا عنهم! وهو يعمل ليعيل والدته المريضة. وعائلته لا تتلقى أي مساعدات من أحد. ولذلك خرج من المدرسة لكي "يعمل".
الطفل (ع- ش) عمره عشر سنوات، ويبيع العلكة ليصرف على أسرته كامل،ة رغم قدرة أمه على العمل! لكن زوج الأم يرفض أن ينفق على أولاد "غير أولاده"!
الطفل (ر- د) عمره 13 سنه، يبيع العلكة أيضا هو وأخوته الثلاثة. أبوه عاجز عن العمل، وفقير. وهو أيضاً خرج من المدرسة ليعمل، ويحلم أن يعود إليها..
الشيخ (ج- م- ا) يزيد عمره عن ثمانين عاماَ، يعيش من التسول! إذ ليس لديه أي مورد رزق أو معيل! وقد تحدث عن مساعدات عينيه من مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل هي علبة تمر تصله في فترات متباعدة..!؟
البطالة والفقر.. أهم الأسباب..
قضية التسول والتشرد، ودور الوقف الديني في حلها، كانت موضوع لقائنا مع السيد الشيخ حسين جربوع، شيخ عقل الطائفة الدرزية، والمسؤول عن الوقف بالمحافظة.
وقد أكد الشيخ حسين جربوع أنه لكي ندرس هذه الظاهرة بشكل جدي يجب أن نعود إلى أصل المشكلة. وأصل المشكلة يعود إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر في المحافظة.. خاصة في الآونة الأخيرة, ويعود ذلك إلى ضعف الاستثمار وقلة المشاريع فيها.. وهذا يعود بدوره إلى سوء أداء بعض المسؤولين في محافظة السويداء فيما يتعلق بتشجيع الاستثمار. فهناك الكثير من العقبات التي توضع أمام التراخيص للمشاريع الجديدة. مع أن وجود هذه الاستثمارات يساهم بشكل فعال في حل مشكلة البطالة وتخفيف الفقر، عبر تامين فرص العمل مباشرة، وعبر ومردود هذه المشاريع. كذلك يشكل عدم احترام بعض العقود القانونية المبرمة بهذا الخصوص سبباً رئيسياً في إيقاف مشاريع وتعهدات في هذه المحافظة.
كما أن عدم السماح لأبناء هذه المحافظة باستثمار المياه الجوفية والسدود لإرواء أراضيهم الجافة والمهملة بسبب قلة الأمطار، سبباً آخر. علما أن السيد رئيس الجمهورية قد أتاح حفر مئة بئر بالسويداء، لم ينفذ منها إلا 36 بئراً فقط!
أما بالنسبة لدور الوقف في مشكلة التسول والتشرد، فيجب القول أن وقفنا فقير بالنسبة لغيره. ونظامه الخاص يتسم بالإدارة اللامركزية، بمعنى أن كل قرية أو مدينة لها هيئة تدير شؤونها الروحية والوقفية معينة أصولاً من شيوخ العقل الثلاثة.
ووقف مدينة السويداء لديه برامج تمارس توزيع الأموال العينية والنقدية على عدد من الفقراء والمعوزين والمكفوفين. صحيح أنها بكميات ضئيلة، لكنها حسب الإمكانية.. واللجنة المالية المكونة من تسعة أشخاص، والتي هي جزء من هيئة الأوقاف المؤلفة من /21/ شخصاً، هي المنوط بها دور توزيع هذه المساعدات.
ونأمل اليوم أن يبدأ العمل في مشروع كبير هو إقامة برج في المدينة، سوف يعود بالخير الوفير على الوقف، وبالتالي على الفقراء والمحتاجين، أي أنه سيمكننا من تقديم الكثير من المساعدات لهم. مع أن دور الوقف هو أولاً إقامة المراكز الدينية ودور العبادة وتحسينها، ثم مساعدة الفقراء والمعوزين.
ضرورة تفعيل الجمعيات الأهلية..
القصص التي أوردناها سابقاً، وغيرها، كانت أمامنا في لقائنا مع السيدة بشرى جربوع، مديرة مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بالسويداء. وهي قد باشرت عملها هذا منذ فترة وجيزة نسبياً، ورغم ذلك، أمكننا ملاحظة اهتماماً ومتابعة لهذا الموضوع الهام.
السيدة بشرى رأت أن مسؤولية علاج هذه المشكلة تعود على عدة جهات يجب أن تتعاون لإيجاد حلول مناسبة. والمديرية شكلت لجنه بالتعاون مع النيابة العامة بالسويداء، مهمتها التجول الدائم في الشوارع وتقصي المتسولين والمتشردين، إذ تتم دراستهم اجتماعيا، وإيداع من تنطبق عليه شروط الحاجة في دار الرعاية، خاصة ممن لا يستطيعون العمل. بينما ينفذ القانون بحق المتسولين الذين يمتهنون التسول.
لكن المشكلة، حسب رأي السيدة بشرى، أن الذين يودعون دار الرعاية، لا يبقون فيها سوى أيام قليلة لنراهم بعدها في الشوارع مرة أخرى! بينما يقع على عاتق دار الرعايه الاجتماعية بالسويداء مسؤولية إيواء المتشردين وإقامة مشاغل لهم، إضافة لرعاية الأيتام والعجزة.. وهذا ضمن قرار ترخيصها وضمن نظامها الداخلي.. ولكنها شبه معطله على هذا الصعيد!
أما بالنسبة للمادة 600 من قانون العقوبات والتي تنص على وجود "دور تشغيل" للمتشردين، فنحن حقيقة ليس لدينا مثل هذه الدار بالمحافظة.
*- إذا ما هي الحلول التي ترينها ناجعة لحل هذه المشكلة؟
السيدة بشرى: أولا أرى ضرورة تفعيل الجمعيات الأهلية. ثم تأمين الدعم الحكومي لهذه الجمعيات، لأن حلّ هذه المشاكل يحتاج إلى تمويل وتسهيلات كثيرة. وهذه الجمعيات تحتاج أيضاً على تدريب عبر إقامة ورشات عمل في هذا الإطار، خاصة القليلة الخبرة منها.
كذلك لا بد من خلق تعاون بين المديريات المختلفة المختصة كالتربية والشؤون الاجتماعية والنيابة العامة.. فمديرية التربية، مثلاً، يجب أن تساعد وفق قانون التعليم الإلزامي، ويجب أن تتابع الأطفال المتسربين من المدارس.
القانون يردع.. ولكن!
وحول دور القانون في معالجة مشكلة التسول، التقينا الحامية ذهبية الجبر، وشرحت لنا بعض الأطر القانونية المتعلقة:
عالج قانون العقوبات هذه الظواهر من المادة 600 وحتى المادة 604 حيث فرض عقوبات على المتسولين والمتشردين في مادتين، تتراوح بين الحبس والتشغيل من شهر إلى سنه، أو وضعهم في دور تشغيل. كذلك نص على تدابير احترازية تنفذ عندما لا يكون هذا المتشرد قد سعى إلى العمل سعيا كافيا...
وفرّق القانون بينهم وبين الأحداث المتشردين أو المتسولين، حيث فرض تدابير إصلاحيه على الحدث، والحبس لولي القاصر من شهر إلى ستة أشهر، وبالغرامة إذا كان تقصير الولي سبب في تشرد الحدث.
والماده 604 تعاقب من دفع قاصرا للتسول لتحقيق منفعه شخصيه بالحبس من ستة اشهر حتى سنتين.
هذه هي المواد القانونية التي تشكل الأطر القانونية لظاهرة التسول. إلا أننا يجب أن نميز بين التسول الناجم عن عدم استطاعة تأمين عمل، وبين التسول المتخذ كمهنة. وهذا الأخير يجب تطبيق العقوبات عليه.
وهنا يأتي دور وزارة الشؤون الاجتماعية التي يجب أن تنظم دراسة اجتماعيه لأوضاعهم يحدد على أساسها العلاج المناسب لكل حاله. بالإضافة لضرورة مساهمة الوقف بصورة فعالة. كذلك لا بد من التأكيد على دور الجمعيات الأهلية التي يجب أن تعطى فرصة للقيام بدورها في هذا العمل. فهو أيضاً مسؤوليتها.
وقالت الأستاذة جبر، حول وجود دور تشغيل بما يمكن من تطبيق القانون، أنه لا توجد لدينا دور تشغيل. على الأقل في محافظة السويداء.
ورأت أن بيع العلكة وغيرها على الأرصفة والطرقات هو نوع من "التسول المقنع". وهو مرض خطير قاتل لمستقبل الأطفال، خاصة أن محيطهم يعرضهم للانحراف.
وطالبت المحامية جبر بإقامة دور رعاية مناسبة تعتمد إجراءات إصلاحية مناسبة. كما يجب أن يعاقب ولي الحدث عندما يثبت تقصيره تجاه ولده المتسول.
الاقتصاد.. والأخلاق..
بقي جانب هام من الموضوع، هو رأي علم الاجتماع بمشكلة التسول. وعليه التقينا الباحثة الاجتماعية سميرة أبو فاعور التي أكدت أنه عند الحديث عن هذه الظاهرة، فيجب أولاً إلقاء الضوء مباشرة على سلامة الأسرة من خلال نقطتين أساسيتين تشكلان حقيقة أهم أسباب هذه الظاهرة وهما:
1- الناحية التربوية الأخلاقية.
2- الناحية الاقتصادية.
فما نراه الآن من تشرد يعود بالضرورة إلى أحد هذين السببين، أو كليهما معا.
ومن خلال هذه الأسباب نجد طرق المعالجة. فعندما يكون السبب اقتصادياً يكون الحل عن طريق تقديم المعونات، وفرص العمل. أما عندما يكون السبب أخلاقيا فيكون الحل من خلال تدابير الإصلاح والتأهيل من قبل المؤسسات المسؤولة: الاجتماعية والخيرية والاهلية التي تتبنى هذه القضايا.
وهذه الجمعيات تستطيع بذل الجهود لتخفيف هذه الظاهرة من خلال الدراسة الشاملة لواقع كل حالة على حدة. وفتح دور تشغيل مع مراعاة سن المتشرد وإمكانياته.
بالنسبة للحدث الطفل فيجب إعادة حضنه في أسرة، وإعادته إلى المدرسة. وإقامة دور رعاية نموذجية لحضن هؤلاء الأطفال تكون خاضعة لرقابة ومتابعة الشؤون الاجتماعية، وتعتمد أيضاً على التأهيل والتدريب. كما لا بد من دعم الجمعيات المعنية بهذه المشكلة من قبل المجتمع والدولة.
هذه هي المشكلة التي لا تعاني منها محافظة السويداء وحدها، وإن كنا حصرنا تحقيقنا فيها. لكن ما لفت انتباهنا أثناء العمل على هذا التحقيق أن هناك مجموعة منظمة من المتسولات والأطفال يأتون بوسيلة نقل جماعية من محافظة أخرى، ويتسولون حاملين أطفالاً وجارين وراءهم أطفالاً آخرين، ثم يعودون من حيث أتواً مساء! وهذه ظاهرة خطيرة يجب مكافحتها بشدة!
إذاً، التسول هو تلك الظاهرة الخطيرة التي تظهر بوجهين اثنين، أحدهما يحتاج المساعدة ودعم المجتمع، حين يكون الفقر والعجز أو إهمال الأسرة هو السبب في دفع الأطفال، بل حتى الكبار إلى مسرح الشارع طلبا للقمة العيش ضمن معادلة غريزة البقاء! والآخر، وهو الظاهرة التي يجب مكافحتها، التسول حين يصير مهنة تعتمد استجرار العواطف الإنسانية في حب الخير، واستغلال طيبة الناس، وأحيانا براءة الأطفال لتحقيق المكسب المادي!...
وفي كلتا الحالتين الخاسر الأكبر هو إنسانيتنا كبشر، وكرامتنا كمواطنين..
فهل حقاً نملك تلك المعايير للتفريق بين الحالتين؟! وهل حقا نحن قادرين على إنهاء هذه الظاهرة؟!
وأخيراً، ومن خلال ما تقدم، نجد سؤالاً ملحاً، لا ندري من يملك جوابه: لماذا يتأخر ترخيص الجمعيات التي قد تستطيع المساعدة في حل هذه الظواهر وكثير غيرها؟! ويعطل دور الجمعيات الأخرى القائمة فعلا؟... والبلد بأمس الحاجة لعمل هؤلاء؟! خاصة أن المراقب للأحوال في محافظة السويداء يلاحظ ازدياداً ملحوظاً للتسول والمشاكل الملحقة به، مما يجعل طلب الحلول أمراً ملحاً وعاجلاً، لا أن ننتظر تلك الحلول التي تأتينا، عادة، على ظهر السلحفاة .. إن أتت؟!
ريما فليحان، عضوة فريق عمل نساء سورية- السويداء – (التسول والتشرد ظاهرتان بحاجة إلى حلول...!)
|