|
"الحرية الدينية" حق من حقوق الطفل |
|
|
|
د. كنده الشماط
|
|
2007-05-18 |
للطفل، باعتباره ركن أساسي في الأسرة، جملة من الحقوق التي يتمتع بها، وهذه الحقوق تكاد تتطابق مع الحقوق التي نصت عليها الوثائق الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه، وبالنظر للوضع القانوني والاجتماعي والاقتصادي الخاص بالطفل، لابد من مراعاة جملة من المسائل توفر عناية خاصة تتلاءم ووضعه.
وجاءت اتفاقية حقوق الطفل لتبرز هذه الحقوق وتؤكد على ضرورة التزام الدول بها، رغبة من المشرع الدولي في حماية الطفل وتأمين بيئة مناسبة له على كافة الصعد.
وقد صدقت الجمهورية العربية السورية على هذه الاتفاقية مع إيراد تحفظات على بعض المواد.
ومن هذه المواد نص المادة /14/ من الاتفاقية والمرتبط باحترام الحرية الفكرية والوجدانية والدينية للطفل...
حيث تنص هذه المادة على أنه: "1- تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين.
2- تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين، وكذلك تبعاً للحالة، الأوصياء القانونيين عليه، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.
3- لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام آو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين".
وإزاء هذا التحفظ فإننا نرى أن نص المادة لا يتعارض، وفق ما ورد في تبرير التحفظات، مع الشريعة الإسلامية من جوانب عدة. فالتبرير الذي نرى أنه كان الدافع وراء هذا التحفظ هو مسألة الحرية الدينية، وقد غاب عن الأذهان أن حرية الدين هي من أهم القواعد التي نادت بها الشريعة الإسلامية، وذلك عندما تركت للإنسان حرية اعتناق الإسلام من عدمه، ولم تفرض على احد إتباعه هذا الدين.
والسؤال المطروح هنا: وهل تعتبر الحرية الدينية للطفل مسألة خطيرة؟
قد يرد للذهن بأن ترك مسألة الحرية الدينية لتقدير الطفل مسألة خطيرة قد تجره على مشاكل عديدة منها انعدام الهوية الدينية والتخبط في هذه المسائل.
وبالمقابل فإننا نرى أن حرية الدين لا تعني حرية اختيار الدين الذي يعتنقه المرء فقط، ولا تقتصر هذه الحرية على إمكانية اعتناق دين سماوي من عدمه، وإنما ترتبط حرية الدين بحرية المرء في ممارسة شعائره ومعتقداته الدينية، وخصوصية علاقته بالخالق، وهذه المسائل كلها ترتبط بعوامل التنشئة والإطلاع التي تقدمها البيئة الاجتماعية له.
ومن ناحية أخرى فإن أهداف أي مجتمع تكمن في التوجه إلى الفرد ليكون منسجماً من نفسه، محققاً لإمكانياته، مستغلاً لمؤهلاته، متمتعاً بميوله، في حرية تامة، لا يحد منها إلا حريات الآخرين وحقوقهم.
وبالعودة على نص المادة/14/ من اتفاقية حقوق الطفل، نجد بأنها وردت ضمن نصوص المواد التي حمت الكيان المعنوي للشخصية القانونية للطفل "حرية التعبير، حرية الفكر، الحق في السمعة، الحق في الحياة الخاصة". وبدون الاعتراف بهذه الطائفة من الحقوق نكون قد جردنا الإنسان بصورة عامة من كيانه المعنوي، فلا يكفي احترام كرامة جسده البشري فقط، وإنما لابد من إضفاء الحماية على كافة مقومات الشخصية البشرية.
وفي سوريا، نرى أن حرية الدين من المبادئ الهامة التي نص عليها الدستور الدائم لعام 1973، والذي تنص المادة/35/ منه على احترام حرية العقيدة، وحرية القيام بالشعائر الدينية ضمن نطاق النظام العام.
وبهذا تكون الفقرة الأولى من الاتفاقية منسجمة مع مبادئ الدستور، ونكون قد فسحنا المجال أمام الطفل للتعبير عن آراءه ومعتقداته بصورة سليمة.
وأما بالنسبة للتخبط في اختيار الدين، فإن نص الفقرة الثانية من المادة /14/ يوضح وبجلاء احترام الدول الأطراف لحقوق وواجبات الوالدين وكذلك، تبعاً للحالة، الأوصياء القانونين في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.
وبذلك نجد ان احترام الحرية الدينية يعني احترام المعتقدات الدينية للأسرة بصورة عامة، وللطفل بصورة خاصة، ومن الثابت قانوناً أن للأب وللأم، سواء أثناء قيام العلاقة الزوجية أو بعد انتهاءها بالطلاق أو بالوفاة، الولاية على النفس، والمقصود بها "سلطة يمارسها الوالدين على الطفل وفق ما تقتضيه مصلحته، وتشمل كافة نواحي الرعاية الصحية والتعليمية والإرشادية، وهو ما يستتبع أيضاً التنشئة الدينية".
وقد أكدت المادة 14/2 على هذه السلطة، وحقوق الوالدين في توجيه الطفل، وحتى في الحالة التي يكون فيها الولي على النفس هو الوصي "جدة، عم.. ".
ومن ذلك كله يتضح انعدام تعارض المادة 14 مع أحكام الشريعة الإسلامية، فضمن إطار الأسرة سيتلقى الطفل مبادئه الدينية وأفكاره ومعتقداته.
وجاءت الفقرة 3 من المادة 14 لتوضح حق الطفل في الإجهار بالدين الذي يعتنقه ضمن القيود التي ينص عليها القانون الداخلي في الدولة التي ينتمي إليها.
وهو ما يفسر مدى احترام الاتفاقية لمعتقدات الطفل والقائمين عليه، وحقهم في ممارسة الشعائر الدينية والتعبير عنها، وذلك ضمن ما تفرضه قواعد الأمن والسلامة الخاصة بهذه الأسرة. ففي الدول التي تعاني من اضطرابات ومشاكل دينية أو مذهبية فإن المنطق يفرض إبقاء هذه المسائل ضمن نطاق السرية حفاظاً على سلامة وأمن الأشخاص ذاتهم.
ومن جهة أخرى فإن التعبير عن الحرية الدينية لا تتقيد إلا بما تفرضه الحقوق والحريات الأساسية للغير، وهذا المبدأ ينسجم مع المنطق فالحريات الفردية لا تتقيد إلا بالنظام العام وبما تقتضيه حريات الآخرين.
مما سبق يمكن القول بأن التحفظ الوارد على نص المادة /14/ لا مبرر له، كما أوضحنا. وإذا كان لنا من تحفظ فإننا نورده اتجاه أسرنا، فهي المصدر الأول الذي تتلقى منه الطفل معلوماته، وهذه الأسر تحتاج إلى رعاية واهتمام ورسائل توعية ضمن برامج منظمة، لنكون آمنين على ما يقدم لأطفالنا.
د. كندة الشماط، دكتواره في القانون المدني- ("الحرية الدينية" حق من حقوق الطفل)
|