|
باسم سليمان
|
|
2007-05-18 |
أية قدرة امتلكها الحرف العربي حتى ملأ فضاءات الرسم حين حرّم التصوير؟! وأي عوز أصابه في زماننا حتى يفشل في التعبير عن رمز أو شعار ليحل محله الحرف الأجنبي
كأنه سماء لا نضوب لمطرها؟! أليس من العجب أن يعرف أميُّ الحرف رسم كلمة حب باللغة الأجنبية (love)، واقصد الإنكليزية، ويصعب عليه معرفتها برسم لغته؟!..
الحرف منجز حضاري، وبالضرورة سياحي، لا يقل أهمية من الناحية السياحية عن أشهر الأوابد والمناظر الطبيعية.
إن الحرف العربي ليملك خاصية كشفتها حالة تحريم الرسم والتصوير! فهو لديه ليونة خط الرسم وقدرته على التعبير التصويري، حيث تعمشق بزخارفه النباتية وجوه الحيطان واسقفها مجسدا الآيات القرآنية بإضاءاتها السماوية، ونفائس الشعر العربي بتشكيلات فنية خلابة وحمل سلام المسيح كحمامة الزيتون. استطاع الفنان برؤيته المبدعة أن يتجاوز سلطان الرقيب، أما في عصرنا فإن فنانو الخط أبحروا في أساليب الرسم من كلاسيكي إلى انطباعي وسريالي وصولا للكشف الصوفي.
ورغم هذا العطاء نحتفي بالحرف الأجنبي أيما احتفاء وكأنه قادر على أن تحملّه رموزك وشعارات منتجاتك بشتى أنواعها! فالصناعي والتاجر وأصحاب المنشآت السياحية، وحتى بعض فعالياتنا الحكومية، أصابها نفس الداء من باب التحديث وفهم الأصالة بصيغة التخلف. واعتبار التعبير عن وجودها بالحرف الأجنبي له فعالية تسويقية داخليا وخارجيا! وهذا أمر واقع بعد الاستلاب الفكري الممارس من عولمة الاقتصاد الأمريكي الاستهلاكي! ولكن ليس من المنطق بشيء.
ولنتعلم من التاريخ بعض دروس الحاضر.
التقليد سمة الشعوب المهزومة! هذا ما قاله ابن خلدون في مقدمته. فعندما كان العالم بين قوسي الحضارة العربية كان العلم والسياسة يتربع عليهما الحرف العربي. ولكن أمام هكذا حال، هل ذابت اللغات الأخرى وحروفها؟! بالتأكيد لا حتى إنها استوعبت نتاج حضاراتنا العربية من المصطلحات، وأدمجتها بلغتها دون محاولة أجنبتها كما هي حالة التعريب لدينا التي تحاول استنساخ المصطلح الأجنبي رغم ما يفوتها من خصائص! كما هي حال كلمة الحاسب التي هي بديلا لمصطلح الكمبيوتر رغم عدم صوابيتها.
ولا ينكر أحد إن الحرف الإنكليزي، بعد انتقاله للقارة الجديدة، قد اكتسح غيره من الحروف لاستلام USA ناصية الحضارة الصناعية والتجارية في العالم. ولكن هل خسرت اللغات الأخرى أركانها؟! بالطبع لا. فالإنكليزية البريطانية، رغم إن الإنكليزية الأمريكية هي توأمها، مازالت تحافظ وبشدة على أخص خصوصياتها. والفرنسية والإيطالية.. هذا على صعيد الأصل اللاتيني. ولنتجه شرقا: المارد الصناعي الصيني ألا يعلم بلعبة الاستهلاك الرأسمالية؟! ولكنه أرتد لأصالته وصدّر نتاجه الثقافي وعلى رأسه الحرف.. حتى وشمه الغرب على أجساد شبابه.
وبعد هذا العرض.. ماذا فعلنا لنحمي الجانب السياحي للحرف العربي؟! لا اعتقد الكثير! ونحن أمام وسائل إعلامية إعلانية بدأت بتسويق الكلم العربي مكتوب بالحرف الأجنبي وخاصة بعد أن تم دبلجة قواعد كتابية.. وخاصة في الشات.
أين نحن.. ومازال حرفنا سجين الكتب؟! لم يخرج إلى هواء التواصل على الأقمشة والثياب ووجهات المحلات وشعارات المنتجات الوطنية.. ولا بد من إيراد هذه المقارنة: فالعلم الأمريكي والمعالم الحضارية لتلك البلاد أصبحت حالة جمالية يتزين بها شباب اليوم! وحدث ذلك لأنه هناك منهج مدروس ومتعمد لمخاطبة الذائقة الجمالية.. ويعمل على قيادتها كي تستسيغ هذا النتاج بعيدا عن الموافقة للسياسة الأمريكية.. تصوروا ذلك!
والحقيقة إن ما فعلناه نحن هو خرق للطبل بحثا عن صوته الضخم! كما فعل الثعلب. وذلك لضعف نعاني منه يقول بعدم قدرة حرفنا كعامل جذب للمستهلك الداخلي والخارج.
إن أية لغة مهما كانت بسيطة هي نتاج عقل إنساني في جماعة ما، حملت حضارتها بتضاعيفها.. وبالتالي هي قادرة على استيعاب إي تطور والقضية أن تؤمن بلغتك أو تشك.
ولربما نحن الآن في حالة عدم ثقة طالت كل مستوياتنا.. والمواجهة لن تقتصر على جانب دون آخر.. ونستطيع الاستشهاد بعمقنا الحضاري. فقد خاطب أحد الألمان رجل صناعة سوري كي يبادله التكنولوجيا الألمانية (بتدمر التاريخ). وأمام هذا العرض أليس من المفروض أن يتبدد شكنا بنتاج حضارتنا؟! لا سيما الحرف؟! والمفارقة الكبرى: كيف لم ننصر حرفنا وقد اختاره الله رسما لقرأنه الكريم؟!
الحرف هو اختصار الأمة.. وهو مداها وشعارها الذي يطاول سماها.. وهو البرزخ ذو التوصيل الفائق.. بقدر ما نحافظ عليه فعالا على جميع المستويات نبقى موجودين تحت عين الشمس.. إلا إذا اعتبرنا إبادة الحرف العربي وتحويله لأحد الآثار.. من باب تدعيم السياحة!
باسم سليمان- (الحرف..) -
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
|