|
الفيلم الهندي "مــــاء": أيتها الأرملة لا تلقي بظلالك على العروس! |
|
|
|
فريد رمضان
|
|
2007-05-18 |
يركز فيلم المخرجة الهندية "ديبا متها" على وضع المرأة الهندية التي وضعتها بعض النصوص الدينية في خانة التهميش والتابع الأزلي للرجل، حتى بعد وفاته.
ذلك ان الأرملة في الهند أما أن تحرق مع زوجها، أو يتزوجها أخ زوجها المتوفي، أو تعيش في عزلة تامة، ترتدي قماش أبيض يوحي بالكفن، لا تتزين، لا تخرج، ولا تتزوج. تعيش في عزلة تامة حتى الموت، من خلال هذا الواقع الاجتماعي الذي مازال قائما في الهند بحكم الكتاب المقدس للآلهة "مانو".
وتقول احصائيات عام 2001 الرسمية انه هناك اكثر 34 مليون أرملة تعيش في ظروف مثل شخصيات الفيلم، ولكن قبل ان نتحدث عنه نتوقف أمام الفصل الخامس من هذا الكتاب المقدس، حيث تركز الآيات التالية على تهميش المرأة، وحظوة الرجل في هذه المجتمعات:
156. الزوجة الأمينة، التي ترغب ان تعيش مع زوجها بعد وفاتها، عليها ان لا تفعل شيئا يسيء إليه، وهو الذي اخذ بيدها للصلاح، سواء كان حيا أو ميتا.
157. عليها ان تمتنع عن المتعة الجسدية، وتعيش نقية مثل جذور الأزهار والفاكهة، كما يجب عليها ان لا تنبس باسم رجل آخر بعد موت زوجها.
158. عليها بالصبر حتى يأخذها الموت، عليها ان تتحكم في رغباتها، وتكون وفية. ان عملها الصالح ان تكون زوجة لرجل واحد، ولا تتزوج من بعد زوجها.
159. الآلاف من البراهماناس الشباب العفيف، سوف تغادر روحهم إلى السماء دون مواصله السباق.
160. الأرملة الفاضلة هي الزوجة التي تستمر في عفتها، سوف نأخذها إلى السماء ، حيث زوجها العفيف.
161. ان الأرملة التي ترغب في الحصول علي ذريه بعد وفاة زوجها، من رجل آخر، فهي تخل بواجباتها تجاه زوجها (المتوفي)، وسوف تحمل على نفسها عار في هذا العالم، وسوف تفقد مقامها مع زوجها في الجنة.
ورغم ان الفيلم يطرح تكديس هذه المفاهيم إلا انه يشير أيضا إلى مشكلة الجهل في هذا العالم الثالث، حيث يطرح الفيلم ظهور قوانين مدنية تعيد للمرأة بعض من حرية خيارها بالزوج بزوج آخر بعد وفاة زوجها، إلا من مجتمع الذكورة يحارب هذا الأمر، لكي يبقي له مساحة من الحرية في وجود الجاريات وتشجيع الدعارة، ذلك ان الأرمل يعشن في عزلة تامة، وهي تحتاج للمال لكي تعيش في عزلتها.
يطرح الفيلم قصة الطفلة "شوييا" وهي في طريقها الى قريه "راوالبور" في عربة يجرها جاموس، إنها طفلة صغيرة لم تبلغ العاشرة من عمرها. العربة التي تحمل معها هذه الطفولة العروس، تحمل أيضا معها زوجها الذي يبلغ من العمر 50 عاما، والمريض في نفس الوقت، ووالدة الزوج، وأب الطفلة، الذين يصلون عند نقطة يعبرون فيها النهر المقدس الذي يؤمن به ملايين من الهندوس لكي يصلوا إلى مدينة "راوالبور"، هذه المدينة التي تنتمي للآلهة "شيفا"، حيث المعابد التي تلامس ضفاف النهر المقدس. في الليل يتقدم الأب من أبنته شوييا ليقول لها: هل تتذكرين أنك متزوجة؟ فتنفي الطفلة ذلك. فيرد عليها والدها، نعم أنت متزوجة، وزوجك قد توفى. تتقدم نحوها والدة الزوج وتنزع من معصمها الاساور الزجاجية، ويأخذونها إلى حلاق لقص شعرها كاملا، ذلك أنها أصبحت أرملة. والأرملة عند الآلهة "شيفا" ينتهي دورها بوفاة زوجها، ويصبح عليها أما ان تحرق مع زوجها، أو ايداعها في دار للأرامل لتعيش بقية عمرها خارج المجتمع في عزلة تامة.
وهناك في دار الأرمل حيث تعيش 14 امرأة والذي هو عبارة عن منزل هندوسي قديم وصغير ذو طابقين، وتترواح أعمار الأرامل التي فيه بين 18 الى 80 عاما. وهنا حيث الأرامل يرتدين الملابس البيضاء الخشنه، لا يتزينون، ورؤسهن محلوقة. ارامل لا يسمح لهن بالكلام مع الرجال، يأكلون وجبه واحده في اليوم، وينامون علي الارض العاريه، انهم هنا في منفى يكفرون فيه عن ذنوبهم، ويخففون عن اسرهم الاعباء الماليه والعاطفيه.
مادوماتي أو الأرملة الكبيرة في السبعين من عمرها، سيدة هذا البيت وواضعة القوانين فيه، امرأة سمينة لها حضور قوي في تسير وإصدار الأوامر. تربي طير الببغاء وتعتني به وصديقها "غولابي" رجل يتمثل بالنساء ويعمل أيضا كقواد يجلب الماريجوانا لمادوماتي وينقل لها أهم الأخبار لما يجري في المدينة، ويستغل الأرملة "كالياني" لممارسة البغي.
ولأن أحداث الفيلم تنطلق في العام 1938 فأن غولابي تنقل إلى مادوماتي من خلال شباك النافذة عن محاولات رجل غريب الأطوار يدعى غاندي سوف يضيع الهند بما يطرحه من افكار ضد الاستعمار الإنجليزي وانه يردد جمل مثل ان المنبوذين هم ابناء الله.
كالياني هي الأرملة الشابة في الثامنة عشر من عمرها والأرملة الوحيدة ذات الجمال الباهر، والشعر الطويل الذي لم يقص تقضي يومها في تربية جرو صغير اسمه "كالو" أو التعبد لتمثال صغير من الآلهة كريشنا في غرفتها. ولكن في الليل يأخذها غولابي من خلال العبارات لتعبر النهر باتجاه القصور في راوالبور حيث طبقه النبلاء والاغنياء. انها تعيش ضمن قول في الكتاب المقدس عندهم حيث يقول: "عليها ان تعيش مثل جمال زهرة اللوتس، لا تلوثها المياه الآسنة"
أما "شاكونتالا" فهي أكثر الأرامل ابهاما. تمتلك نظرة ثاقبة، هادئة، لا تخشى سيدة البيت مادوماتي انها ارمله لا تخشي احدا. كثيرا ما تجالس احد الرهبان وتستمع إلى صلواته وهو يقرأ من الكتب المقدسة إلى الحجاج الذين يفجون على المدينة ليتطهروا في النهر المقدس.
ان الطفلة/الأرملة شوييا مقتنعة بان امها ستأتي لتاخذها بعيدا. لكنها سرعان ماتدرك مصيرها وتتكيف مع حياتها الجديدة، تثير الأسئلة من خلال طفولة بريئة: لماذا تنموا النباتات؟ أو مثل سؤالها الخطير الذي يستقبل باستهجان كبير، حين سألت: أين يقع منزل الرجال الأرامل؟
وتتابع المخرجة في هذا الفيلم حكاية هذه الطفلة الأرملة، وتكشف حجم المعاناة التي تتعرض لها النساء في مجتمع يهمش المرأة بل ينفيها من الواقع بشكل حاد. فالفتاة "كالياني" الأرملة الجميلة التي تشبه الملاك تتعرف على الشاب "نارايان" الذي انتهي لتوه من اجازة في القانون، وهو الشاب المثالي، المنفتح، والذي يجد في دعوات غاندي في الهند تأثيراً مباشراً يستجيب له. يواجه هذا الشاب الكثير من
القيود المفروضة على الأرامل، مما يجعل من الصعب العثور علي وسيلة لتحقيق أي نوع من العلاقة. وحين يجاهر بحبه لها ينتشر سر هذه العلاقة التي تعتبر علاقة محرمة من أرملة مع شاب، حسب نصوص الدين عندهم، لذلك حين تكتشف مادوماتي هذا السر، تقوم بقص شعر كالياني وتحبسها في غرفتها، إلا ان شاكونتالا تستفسر من الراهب الذي يضئ لها الواقع بأن الدين الهندوسي يسمح بزواج الأرملة من قبل أهل زوجها، وان هناك قانون صدر حديثا من خلاله يحق للأرملة بالزواج، وحين تتفاجأ بهذا الجهل الذي كانت تعيش فيه، تنتزع مفاتيح الغرفة التي سجنت فيها كالياني، وتشجعها بالذهاب لحبيبها والزواج منه، وحين تخرج هذه الفتاة لمقابلة حبيبها نارايان، الذي يأخذها عبر النهر لقصر أبيه من أجل الحصول على مباركاته بالزواج، تكتشف كالياني انه يأخذها لنفس القصر الذي كان غولابي يأخذها إليه لممارسة البغاء مع والده، فتطلب منه العودة، وحين يستفسر منها نارايان عن السبب تعجز عن إخباره، ولكنها تطلب منه ان يسأل والده عن ذلك. وحين تعود لا تستقبل مرة أخرى في بيت الأرامل، فتقرر الانتحار في النهر المقدس.
وبهذه الخسارة لا تجد مادوماتي إلا الطفلة شوييا للقيام بدور كالياني لإمتاع رغبات الرجال في القصور، وحين تكتشف شاكونتالا الأمر تحاول إنقاذ الطفلة من مصير مدمر لكن بعد فوات الأوان، حيث تجد ان الطفلة قد مرت بتجربة قاسية، فتحاول أمام مجتمع قاس ان تبحث عن مفر لهذه الطفلة، ولا تجد إلا في ان تسلمها لمؤيدي الزعيم الهندي غاندي الذي صادف خروجه من السجن الإنجليزي، فتحملها وهي شبه ميتة، في مشهد سينمائي بالغ التأثير فتجد حبيب كالياني وقد انضم إلى جماعة غاندي فتسلمه الطفلة ليأخذها بعيدا عن هذا الواقع القاسي، وتبقى واقفة في مشهد طويلة متحيرة لواقعها هي.
الفيلم ينجح في كشف الواقع القاسي للأرامل في الهند، وتأثير الدين والمجتمع الذكوري على تهميش المرأة، كما تنجح في بلورة مفهوم الماء كحالة من التطهير التي يمارسها الشعب الهندي، وتصبح الحقيقة واضحة مثل صفاء الماء، في قول شهير ينتهي به الفيلم حين يظهر غاندي وهو يستعد لركوب القطار بعد خروجه من سجن المستعمر الإنجليزي، إذ يقول للجموع الغفيرة التي تحلقت حوله: "منذ سنوات بعيدة كنت مؤمنا ان الرب هو الحقيقة، ولكني اليوم أصبحت على يقين ان الحقيقة هي الرب أيضاً".
الفيلم محمل بالعديد من الموروثات الشعبية الموجودة عند المجتمع الهندي في النظرة تجاه الأرامل، حتى من المرأة نفسها، وكيف ان ملامسة الأرملة نوع من النجاسة يستحق التطهر مرة أخرى في النهر المقدس لكي لا تجعل منها أرملة أخرى. ولقد استطاعت المخرجة "ديبا متها" التي كتبت سيناريو وحوار الفيلم أيضاً ان تقدم شحنات عالية تجاه هذه الظاهرة الاجتماعية، من خلال طرح قوي وتصوير مبهر وأداء عالي عند الممثلين.
والجدير بالذكر ان فيلم "ماء" رشح في مارس الماضي ضمن افضل الأفلام الأجنبية في مسابقة الأوسكار.
فريد رمضان- (الفيلم الهندي "مــــاء": أيتها الأرملة لا تلقي بظلالك على العروس!)
تنشر بالتعاون مع بوابة المرأة في البحرين
|