|
عاملات المنازل: جناة أم مجني عليهن؟ |
|
|
|
سبيكة النجار
|
|
2007-05-18 |
الأسبوع الماضي عرض علينا تلفزيون قناة العربية في نشرة الأخبار المسائية صوراً لأطفال صغار يخضعون لمعاملة قاسية ووحشية من قبل مربياتهم الأجنبيات. وقبلها بأسبوع عقدت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان اجتماع جمعيتها العمومية في لشبونة عاصمة البرتغال وسبق الاجتماع مؤتمر استمر لمدة ثلاثة أيام حول الهجرة في العالم. وكان موضوع العمالة الأجنبية في منطقة الخليج بما في ذلك خدم المنازل من الموضوعات الساخنة؛ حيث كانت صورة الخادمة المظلومة والمغلوب على أمرها حاضرة في كل المناقشات.
في رأيي المتواضع أن ما عرض على شاشات التلفزيون أو ما نسمع عنه من حين لآخر حول جرائم ترتكبها عاملات المنازل تدخل ضمن اختصاصات القضاء ويعاقب عليها قانون العقوبات. إلا أنها حالات فردية لا يمكن تعميمها على كل عاملة أجنبية. فهناك المئات إن لم أقل الألوف من خادمات المنازل كن أمينات على أطفالنا وساعدن الأم وربة المنزل على القيام بواجباتها المنزلية والمهنية؛ وراعين أمهاتنا وآباءنا في شيخوختهم. لذا لا يجب أن نعمم حالات فردية من سوء المعاملة لنبرر ما تعانيه العمالة المنزلية من ظلم وكأننا ننتقم من جرائم ارتكبها البعض بحرمان غيرهم من حقوقهم الإنسانية التي حث عليها ديننا الإسلامي قبل أن تنادي بها مواثيق حقوق الإنسان الدولية.
في هذا المقال سأحاول أن استعرض بعضاً من أوضاع العمالة المنزلية وأترك لضمير كل ربة ورب أسرة وحسهما الإنساني الحكم فيما إذا كانت خادمتهم تحظى بمعاملة عادلة يراعى فيها حالتها النفسية أم أنها تعتبر كالآلة الصماء المطلوب منها العمل من دون كلل أو تعب.
فعند قدومها إلى البحرين تكون عاملة المنزل قد ضحت بالكثير. فهي قد فارقت مجتمعاً تعرفه إلى مجتمع غريب عنها بعاداته وقيمه ولغته وتقنياته. مجتمع لا يقدم الدعم النفسي لها بل على العكس قد يكون معادياً سواء بقصد أو عن غير قصد. وعلى رغم ذلك مطلوب منها التعامل معه بحرفية تامة.
الكثير من عاملات المنزل يأتين من أماكن وقرى نائية وفقيرة لذا تجد العاملة صعوبة في التعامل مع مظاهر المدنية أو أدواتها كالأدوات الكهربائية وفرن الغاز والغسالة الكهربائية وغيرها. وتتوقع الأسرة المضيفة من العاملة أن تتمكن من التعامل مع حياتها الجديدة بحرفية ومهارة الخبير وهذا لا يحدث وخصوصاً إذا كانت تلك هي تجربتها الأولى في العمل المنزلي، ما يسبب الخلافات بينها وبين ربة البيت وقد يصل الأمر إلى التعامل بقسوة مع العاملة أو أن تقوم العاملة بأي عمل انتقامي كالذي عرضته قناة العربية ونسمع عنه بين الحين والآخر.
وتعتمد سرعة تأقلم عاملة المنزل الجديدة مع البيئة المعيشية والعملية على علاقتها مع الأسرة المضيفة. ففي الكثير من الأحيان يتسبب عامل الجهل بالعادات والتقاليد المحلية والقيم الاجتماعية في كثير من الصعوبات والمشكلات للعاملة. وبالمقابل يعكس تعامل الأسرة المضيفة جهلها هي أيضاً بثقافة والقيم الاجتماعية لبلد العاملة.
وتتعرض الكثير من عاملات المنازل لسوء المعاملة والعنف الذي يتدرج من العنف اللفظي أو الاحتقار والسخرية إلى الاعتداء الجسدي والجنسي. ويجرم القانون الإيذاء الجسدي، ولكن جهل العاملة بالقوانين وعدم قدرتها على إثبات الضرر الجسدي الواقع عليها وحرصها على الاحتفاظ بعملها نتيجة حاجة أسرتها له يمنعها من طلب المساعدة إلا في الحالات القصوى التي تصل إلى المستشفيات وأقسام البوليس. والحالات الأخيرة عادة ما تنظر فيها المحاكم إلا أن طول فترة المحاكمة قد يجبر العاملة على التنازل عن حقوقها والعودة إلى بلادها بخفي حنين.
الواقع يقول إن الخادمة ليست جزءاً من الأسرة فهي عاملة بأجر. وفي هذه الحال يجب أن تشملها قوانين العمل؛ إلا أن قانون العمل لسنة 1976 في مادته رقم 2 يستثني عمال المنازل ومن في حكمهم. لذا فهي لا توقع عقد عمل وإذا وقعته لا يتم الالتزام به.
وتعمل معظم العاملات لساعات طويلة وأحيانا لوقت متأخر من الليل وقد تمتد ساعات العمل ما بين 11 و 16 ساعة من دون أخذ قسط من الراحة. فهي تصحو قبل الجميع وتنام بعد الجميع. وقد تطول ساعات عملها عندما تكون مسؤولة عن رعاية الأطفال. ومن جانب آخر لا تتمتع بإجازات نهاية الأسبوع أو أية إجازات سنوية.
ويشكل عبء العمل الشكوى الرئيسة لعاملات المنازل وأحد الأسباب الرئيسة لهروب بعضهن. فالعاملة عليها إنجاز الكثير من المهمات من تنظيف وطبخ ورعاية أطفال وغيرها. وفي كثير من الأحيان فإنها تجبر على خدمة الأسرة الممتدة في منزل والدي الزوج أو الزوجة وأبنائهما. كل ذلك مقابل راتب زهيد لا يتناسب مع الجهد المبذول. ومع ذلك تتعرض بعض العاملات إلى الاستغلال من طرف الأسر المضيفة التي لا تدفع لهؤلاء رواتبهن بانتظام أو تنتقص منه. وهناك حالات تم تسفير العاملة من دون أن تستلم رواتبها المتأخرة. تلك الأسباب قد تدفع العاملة إلى الهرب. فإذا حالفها الحظ تلجأ للجمعيات المعنية أو لسفارة بلدها أو إلى وزارة العمل لطلب المساعدة. إلا أن ندرة مراكز الإيواء وعدم معرفة العاملة بالبلاد قد يعرضها للضياع ولإغراءات شبكات الدعارة والاتجار بالبشر.
يبقى أن نذكر أن سفارات الدول المصدرة للعمالة المنزلية لا تحمي حقوق العاملة وبعبارة أصح لا تدري عن وجودها من عدمه إلا في حالة حدوث مشكلة ما ولجوء العاملة إلى سفارة بلادها. وباستثناء السفارة الفلبينية التي تدير مركزين للإيواء أحدهما للرجال والآخر للنساء؛ لا تمتلك أي من السفارات الأخرى مراكز للإيواء. وتعاني السفارات من عدم كفاية مواردها البشرية الضرورية لمتابعة قضايا عاملات المنازل. كما لا توجد سفارات للبعض منها.
إن أوضاع عاملات المنازل شائك ومعقد ولا يمكن إيجاد الحلول المقبولة التي تنصف الطرفين أي العاملة والأسرة المضيفة إلا بالحوار والعمل الجاد ما بين الدول المصدرة والمستوردة للعمالة المنزلية، وسن قوانين عمل عادلة لا تستثني خدم المنازل. كما يجب تغيير النظرة الدونية للعاملة وتوعية المجتمع بالحقوق الإنسانية للعاملة وتوعية العاملة بظروف العمل والعادات والتقاليد في البلد المضيف وهنا يأتي دور وسائل الإعلام والجمعيات النسائية والاجتماعية وجمعيات حقوق الإنسان في الدول المستوردة والمصدرة للعمالة.
جريدة الوقت 10 مايو 2007- سبيكة النجار - (عاملات المنازل: جناة أم مجني عليهن؟)
|