|
أديب البحر يمتطي حمص قارباً مسائيّاً |
|
|
|
نادين باخص
|
|
2007-05-01 |
بعد تحيّةٍ وجّهها لسيادة الرئيس بشار الأسد، شاكراً دعمَه للثقافة والأدب، إذْ منحه وسامَ الاستحقاق من الدرجة الممتازة، باشرَ أديبُ البحر (حنا مينا) جولتَه الحمصيّة
مساء يوم السادس والعشرين من شهر نيسان 2007، في جوٍّ متنوِّعِ الأعمار والطوائف والثقافات، وفي صالةِ كنيسةِ سيدة السلام للروم الكاثوليك، حيث أجادَ خَلْقَ أمواجِه الخاصّة، متّخذاً من انجذابِ أنظار الحضور لما يقول، قوّةً تدفعه لتجديفٍ أفضل..
أكثر من جهة..
لم يكن كلام حنا مينا في بداية اللقاء تجديفاً باتجاه واحد، بل رآه الحضور يخوض البحر بمجدافيه في جهاتٍ عدّة، لا تؤدّي نهايةً إلاّ إلى الموج، فلا يابسةً مرجوَّةً عند أديب البحر..
و جهته الأولى كانت الشعب العربيّ، حيث قال: إنّي لأستشعر بفرحٍ عظيم من ناحيته.. فبالرغم من القلق العام، إلاّ أنّه رأى أنّ القلق محرّض على الحبّ والإبداع، في حين قال إنّ الطمأنينة قاتلتهما..
و كان لـ حنا مينا إبحارٌ عميق باتجاه المتنبي حين استحضر بيته القائل:
على قلقٍ كأنّ الريحَ تحتي أحرِّكها جنوباً أو شمالا
و بحركةِ مجدافيه القوييّن، ذهب بالحضور إلى بداية التاريخ، موضحاً أنّه قبل أنْ تأكل حوّاء التفاحة، لم يكن هنالك تاريخ، فقد كانت حوّاء جريئة كفاية حين أقْدَمَت على ذلك.. ومن هنا تساءل مينا عن ما قيل حول أوّل امرأة أقدمت على المشي إلى جانب الرجل لا خلفه، وحول أوّل امرأة دخلت مطعماً مع الرجل، وحول أوّل امرأة كتبَتْ قصيدة... منتهياً إلى أنّ شرف المرأة انحصر في نقطةٍ معيّنة هي الزنا، مع أنّ أقبح زنا هو زنا الأخلاق..
جرّبوا.. عانوا..
التجربة والمعاناة هما مركزا شحن الإنسان عموماً، والأديب خصوصاً.. من هذا المبدأ، انطلق حنا مينا في دعوته الحضور ليجرّبوا، ويعانوا، قائلاً: لا تخافوا التجارب، محرّضاً إيّاهم على التعلّم من منبعين رئيسين هما الكتب والناس، مع انحيازه للتعلّم من الناس كونه الأرسخ (على حدّ قوله).. واعترفَ أنّه متخلّفٌ عن عصره، فلم يعد قادراً على مواكبة ثورة المعلوماتيّة التي تتطوّر تبعاً لقانون الحركة الذي وُجِدَ لينفي السكون.. وكان أكثر ما هجسَ به، هو دعوته للاكتواء بنار معاناة البحث عن المعرفة، التي تبدأ من معرفة الإنسان لبيئته، انطلاقاً إلى الكون بأسره، فـ المحليّة تُسفرُ عن العالميّة..
خروج عن النّصّ..
من عادتي الخروج عن النّصّ.. هذا ما اعترفَ به حنا مينا، حين أرادَ أنْ يتكلّم عن ما قبل ولادته، حيث كانت لوالدته ثلاث بنات قبله، ولجدّته ثلاث لفاعات سود كانت تقوم بتلفيع رأسها بها مع كلّ ولادة بنت، ممّا كدّرَ والدته ودفعها لفتح يديها والدعاء: (يا ربّ أرسل لي صبيّاً كيفما كان.. المهم صبي).. وهذا ما كان..
و انتقل للقول: أنا لستُ خريج جامعات ومعاهد للأسف، أنا خرّيج سجون ومنافي.. تداولتني السجون أيّام الاستعمار الفرنسي مرّات كثر..
و روى أنّه بدأ الكتابة بعد الأربعين ـ حيث عمل قبل ذلك أجيراً وحلاّقاً وحمّالاً في الميناء، لكن عندما بدأ الكتابة، كان يملك (معلّميّة) الكتابة، والمعلّميّة هي الفنّ، لكن هذا لا يُلغي ضرورة المعرفة، فإذا استعجلنا الانتصار قتلناه.. وأردفَ: أنا كاتب المناطق المجهولة: الغابة، الجبل، الثلج، الموت... وإذا كان نزار قبّاني قد أدخل القصيدة إلى البيوت بنسبة ثمانين بالمئة، فأنا أدخلتُ الرواية إليها بنسبة ستين أو سبعين بالمئة..
محاكمة..
في أحد الأيام، ضجرَ حنا مينا من ضجيج المدينة، فقرّرَ الهرب إلى كوخٍ على الشاطئ، وهناك حدثَتْ الأعجوبة.. ففي ليلةٍ باردة، قام بإشعال النار، وإذا بها تتأجّج حتى رأى الشرارات تتطاير وتتحوّل إلى ورود، والورود إلى رجال ونساء، وشبّان وفتيات.. وملأت الحشود الشاطئ، فوقف مشدوهاً وتساءل: ما هذا ؟، فجاءته الإجابة: نحن شخصيات رواياتك، وقد جئنا نحاكمك، فأنت مجرم، قمتَ بتصويرنا على غير حقيقتنا، وقد حكمنا عليكَ بالإعدام، لكنّا لن نُنفِّذَ حكمنا فيك، إلاّ بعد أنْ تنهي كتابةَ رواياتك الآتية، كي تشاركنا شخصياتها تنفيذَ الحكم..
و التفتَ حنا مينا للحضور، وقال مبتسماً: أمّا الآن، فأقول لكم: احكموا عليّ بالإبداع، ونفّذوا..
نادين باخص- (أديب البحر يمتطي حمص قارباً مسائيّاً)
|