|
الأمل في هزيمة سلطان العنف |
|
|
|
إيمان ونّوس
|
|
2007-05-01 |
العنف صفة ملازمة للبشرية منذ بدء التكوين، وقام أول عنف بين قابيل وهابيل. ثمَ تسارع نموه ليشمل المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل. وما مفهوم القوة التي تُستخدم بغرض إلحاق الأذى (الجسدي- النفسي) بالناس أو الممتلكات، أو أي سلوك يعتمد ذلك، إلاَ مظهراً واضحاً وجلياً لممارسة العنف. فالعنف بات سلوكاً يمارس على كافة المستويات (الأفراد، المجتمعات، الدول) ولكي ينشأ العنف لا بد من مقومات وعوامل لحدوث هذا العنف.
عوامل متعلقة بالضحايا وهي:
- نظام أبوي صارم.
- ضعف الدعم العاطفي، وفقدان التواصل.
- الخجل، نقص المعرفة وفقدان المعلومات.
- امتلاك عوامل أخرى تجعله عرضة للهجوم والانهزام.
عوامل متعلقة بمن يمارس العنف:
1- ضعف التحكم بالنزوات في أوقات معينة.
2- ضعف التحكم بالإحباط، وضعف الثقة بالنفس.
3- صعوبة تأسيس تواصل اجتماعي، والنمو ضمن نماذج عنيفة.
4- الاعتقاد بالرجولة كسيطرة وقوة.
نلاحظ وجود تشابه بين الضحية والجلاد، من حيث البنية النفسية والتربوية، وهذا مرده إلى أن التربية بكافة اتجاهاتها (أسرية، اجتماعية، دينية، .... الخ) هي المسؤولة عن اتصاف الإنسان بالعنف أو نقيضه. وهذا أيضاً مؤشر هام يقول بأن الإنسان غير عنيف فطرياً، لكن الظروف المحيطة به هي التي حملته صفاتٍ قد لا يرغب بها في كثير من الأحيان.
أشكال العنف:
يتبدى العنف من خلال ممارسات كمثل: الاغتصاب بأنواعه، الكره، الغضب والتسلط، إنكار الآخر، القهر والحزن وما شابه. وهو يأخذ أشكالاً متعددة تجاه الآخر كالعنف ضد المرأة، الطفل، العمال، الشباب، وغير ذلك.
تقف الهمجية باعتمادها العنف، وإنكارها لقيمة الإنسان وحريته في جهة، وعلى النقيض الآخر يقف التحضر الذي يرفض العنف ويُعلي من قيمة الإنسان وقيم الحرية والعدالة والمساواة. وهنا نجد أن خطان رئيسيان برزا وبوضوح عبر حركة التاريخ هما:
1- العنف.
2- الحرية الفردية للإنسان.
وبين هذين النقيضين امتدت مسيرة المجتمعات في مراحل مختلفة. فمسيرة العنف وإعلاء الحرية يمثلان خطاً بيانياً، يتحركان بصورة متذبذبة، كما أنهما متلازمان، بمعنى أن صعود أحدهما مرتبط بهبوط الآخر.
لقد قامت محاولات البشرية أولاً على تحجيم وتقليل العنف الفردي عن طريق تأميمه، وجعله من حق المجتمع فقط، وثانياً محاولة تقليص هذا الحق المجتمعي نفسه عبر تقنينه وتهذيبه والسيطرة عليه بهدف اقتلاعه إن أمكن.
إلاَ أن الرغبات البشرية تقود أفرادها للتنافس، فيتأجج فيهم العنف الذي يتفاقم بدوره مؤدياً لأزمات. وهنا لابد من ضرورة فرض النظام والتماسك على المستوى المجتمعي والثقافي لتلافي التفجر من الداخل، وهذا يتضمن بصورة لا واعية تكثيف واستقطاب العنف نفسه بصورة موجهة ضد ضحايا يتم اختيارهم واستهدافهم.
إن أساطير القومية في العالم الحديث تعيد للذهن أيديولوجيا- أكل لحوم البشر الطقسية- فنظام عبادة تضحوي مبني على الحرب وقتل الأبرياء، لا يختلف كثيراً عن الأساطير القومية والدينية الاستعلائية الاقصائية، التي تتمسك بفكرة العدو التاريخي المتوارث وحتمية الانتصار عليه، أو حتمية التسيد على العالم.
يمكن أيضاً استخدام العقل والمنطق والنصوص بسهولة في نشر العنف، وبذلك يصبح العنف أكثر خبثاً عن طريق إخفائه وراء مطالب محايدة ومشروعة، أي أنه يعطي للبربرية (والتي نادراً ما ترغب بهذا المظهر) ، يعطيها ما تبحث عنه دائماً من أسباب جيدة تلمع بها ذاتها.
إن العالم يواجه حالياً معضلة إزاء الثقافات التي يقف العنف بمثابة الأساس أو العمود الفقري في قيامها وانتشارها ووجودها. ومحاربة أو مقاومة تلك الثقافات لا يؤدي سوى لتأجج عنفها واستعاره، وهذا طبيعي جداً استناداً لما أسلفناه من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مسالمة تلك الثقافات أو محاولة التفاهم والتحاور معها، يجعلها تشعر بزهو الانتصار، فتتمادى في عنفها. ويزيد من تعقيد الأمور، أن في هذا العالم المتعولم بانفتاحه، وبوسائل اتصالاته، أصبح من المستحيل عزل مناطق عنيفة، وأخرى متحضرة. بل إن الهجرات البشرية الكثيفة من المناطق الأولى إلى قلب الثانية ساعد ويساعد على انتشار العنف وثقافته وآلياته.
ويبقى الأمل في هزيمة سلطان العنف وكسر آليات عمله ... ذات يوم.
إيمان ونّوس- (الأمل في هزيمة سلطان العنف)
مجلة الثرى (30/4/2007)
|