|
أحمد حج أسعد
|
|
2007-05-01 |
إن تزويد المياه للاستهلاك المنزلي وللنشاطات الاقتصادية المختلفة (زراعة، سياحة، صناعة، بناء....) تعتبر مهمة من المهام الأساسية والصعبة التي تواجه السياسة العامة في إدارة وتحقيق توزيع عادل لهذه الثروة.
هناك العديد من المقترحات من أجل استخدام عقلاني وتوزيع عادل لهذا المصدر لعل أهمها هو تسعيرة المياه إلا أن هناك العديد من المشاكل التي تواجه السلطات العامة بفرض سياسة التسعير كالاختلاف الكبير بين المستهلكين على مستوى الاستهلاك والقدرة المالية على الدفع والمر دودية المادية المتحصلة من استخدام المياه.
إن التعرفة متأثرة بعوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية إلا أن المناصرين لتطبيق سياسة سعريه (سواءً على الاستهلاك , او التلوث حسب مبدأ "ملوث ـ دافع") يهدفون من وراء ذلك تخفيض هدر المياه والتقليل من معدلات التلوث.
في الواقع يبدو أن هذا المبدأ يمثل حلاً للمشكلة إلا أن هذا المقياس يفتقر إلى إمكانية تحديد الملوثين (مباشرين أو غير مباشرين) ونسبة التلوث. وإذا كان الهدف من فرض سعر على الملوثين للمياه من أجل حثهم على إقامة تجهيزات لإزالة التلوث فإن الغالبية يفضلون دفع ضريبة التلوث لأنها بشكل عام أقل كلفة من تركيب هذه التجهيزات. فمن هنا نلاحظ أن آثار هذا المقياس على تخفيف التلوث والحد من الهدر محدودة.
و علاوة على ذلك , يمكن أن تدفع " سياسة تسعير المياه" الأكثر غنىً على إيجاد مبرر لاستهلاكهم الإضافي لأنهم يدفعون قيمة في حين أن الأشخاص غير القادرين على الدفع يحرمون من الماء. لذلك فإن سياسة تسعير المياه بشكل منفرد قد تؤدي إلى زيادة الخلل في استهلاكها محددة من أجل الحصول على المياه من قبل الأشخاص ذوي السبل المالية المحدودة. في حين أنه يبقى الحصول على المياه للجميع أمراً ضرورياً لكونها سلعة حيوية لا غنى عنها وذلك حسب مبدأ حق الحياة.
من جهة ثانية فإن معظم المواطنون يسكنون في مساكن صغيرة واستهلاكهم نسبياً منخفض. بالمقابل الأقلية الميسورة التي تستهلك المياه لأمور ترفيهية { حدائق منزلية، مسابح،......... } مهما كان ارتفاع سعر المياه فإنه لا يملك أي تأثير على الاستخدام.
من طرف آخر تبنت معظم الحكومات سياسية في تزويد المياه هدفها تمكين الأكثر فقراً من الحصول على مياه الشرب بدعمها البني التحتية، أو الوصل مع الشبكات العامة أو الاستهلاكات الضعيفة. إلا أنه وفي أغلب الأحيان فإن هذه السياسة كانت في صالح الطبقات الوسطى والميسورة وقد أخفقت في إيصال المياه للفقراء بالنوعية وبالسعر المناسبين.
فما زال هناك الكثير ممن يسكنون القرى والضواحي الشعبية لا يتزودون بمياه الشبكة وعليهم في النهاية شرائها من بائعي الماء بسعر أعلى بكثير من سعر المرافق العامة.
في الواقع السلطات العامة تجد نفسها في مأزق التسعير. في حال قيامها بتحرير سعر الماء يخشى من تفاقم الوضع الاقتصادي متمثلاً بزيادة الاحتجاج الاجتماعي لدى الطبقات الاجتماعية الفقيرة. وقد تلجأ هذه الطبقات إلى الطرق غير الشرعية للحصول على الماء. بالمقابل يمكن أن تؤدي سياسة تخفيض الأسعار إلى إضعاف الاستثمار.
أما في المجال الزراعي : فإن مزارعي المناطق الجافة وشبه الجافة يتحملون تكاليف توظيفات إضافية لاستخدام المياه. في هذه الحالة تكون منافستهم ضعيفة أمام أولئك القادرين على الحصول على الماء بكرم الطبيعة (هطولات مطرية مناسبة أنهار.......) مهما كانت فاعلية التقنية المستخدمة. فإن فرض ضريبة (بهدف الحفاظ على الماء وتخفيف استهلاكها) على مستخدمي المياه من مزارعي المناطق الجافة وشبه الجافة وعلى الرغم من أنه وللوهلة الأولى تبدو هذه الطريق فعالّة بحد ذاتها إلا أنّ هذه الطريقة تقودنا إلى بعض التساؤلات نذكر منها :
ـ هل يتم وضع آلية في سياسة تسويق المنتجات بحيث تكفل تحميل المستهلكين لها دفع جزءً من النفقات الإضافية الناجمة عن تسعير المياه؟ في حال خلاف ذلك ألا يمكننا اعتبار هذه الطريقة عبئاً جديداً على المزارعين بمعنى آخر أليست مثبطاً لهمم المزارعين؟
ألا نجد أنه من غير العدل تحميل هؤلاء المزارعين نفقات إضافية على إنتاجهم الزراعي علاوةً على الظروف الطبيعية القاسية والتي استطاع المزارعون التأقلم معها.
في الوقت ذاته يمكننا أن نتساءل أين تذهب الضريبة المفروضة على استعمال الماء؟ وما هي جدواها على إدارة المياه؟
ومن جهة أخرى : يتأثر استعمال الماء في مجال الزراعة في منطقة ما بثلاثة عوامل:اختيار الزراعة وتقنيات الري وجودة التربة. من الممكن إذاً تحديد حصة كل نوع من الزراعات على أساس حاجتها من الماء مضبوطة وفق تقنيات الري المستخدمة ومواصفات الأرض.
إذاً, من السهل تحديد حق كل مزارع من الماء لزراعة مساحة (س) من اجل الحصول على محصول (ع) مع تقنية ري (ص).
إن تحديد الحصص بهذه الطريقة يجعل من الممكن خلق سوقٍ للمياه مبعداً صغار المزارعين من الاستفادة من هذا المصدر. حيث تتيح هذه السوق لبعض كبار المزارعين زيادة في مساحتهم المروية بشرائهم حصص الآخرين وبهذا نبتعد عن الهدف السامي وهو الحفاظ على المياه وتقسيمها العادل بين المواطنين ونقع ضمن هدف حصر وتعظيم الاستفادة المالية من المياه إلى فئة دون غيرها ودون النظر إلى وظائفها الاجتماعية الأخرى.
فلو كان من المؤكد أن سياسة التسعير (بأشكالها المختلفة) حل جزئي لإدارة هذا المورد الطبيعي. إلا أنه يبدو لنا أنه لا بد من إ شراكه مع حلول مؤسسية محلية وإرادة فعلية من قبل المؤسسات المختصة لتأمين حصول كافة المواطنين على نصيبهم العادل وفق مبدأ "توزيع مصادر الطبيعية".
ومن الضرورة بمكان تجنب اعتماد الأسعار كوسيلة للحد من استهلاك الماء أن تجعل من المستهلك زبوناً. أما الزبون فهو ينتظر الخدمة التي دفع ثمنها مهما كانت الظروف. لكن يجب تنمية الحس عند الجماعات والأفراد بمسئوليتهم الذاتية والوطنية بالحفاظ على هذه الثروة, وإشعارهم بأنهم هم فقط المعنيون بالاستخدام الأمثل والحد من استهلاك المياه.
ختاماً وعلى الرغم من أننا متأكدون من أن سعر الماء أو إنشاء سوق للمياه سيقلص إلى حدٍ ما من تدهور هذه السلعة. إلا أنه يجب التفكير حول من يجب أن يدفع؟ ما الذي يجب دفعه؟ من هو المسؤول عن تأمين المراقبة؟ ما هو دور كل فرد أو مؤسسة في الحفاظ والاستخدام الأمثل لهذه الثروة؟ كيف يتم تنمية حس المسئولية عند الأفراد والجماعات ومن يقوم بهذه المهمة؟
أحمد حج أسعد- (المياه لمن وبأي سعر؟...)
سيريا نيوز (2007-04-14)
|