|
المرأة المثقفة في دير الزور وكسر مفهوم القوارير |
|
|
|
إيناس السفان
|
|
2007-04-22 |
إن الكلمة التي وصف بها النبي العربي الكريم (ص) نساء عصره (571–634) وأعني بها (القوارير) أخذت على مدى التاريخ الإسلامي اتجاهاً واحداً، وانحصر تفسيرها عقلياً ضمن هذا الاتجاه. لقد استلهم مفسرو الحديث منه معنى واحداً فقط هو المعنى الجسدي،
أي الرقة والضعف، وعدم القدرة على تحمل مشاق السفر، وغابت عن الساحة قراءة الواقع الاجتماعي الذي أطلق ضمنه النبي العربي الكريم هذا التوصيف.
إن أي قراءة لهذا التوصيف على خلفية الواقع الاجتماعي ستؤدي حتما إلى اتجاهين رئيسين، الأول منهما فيزيائي يقفز إلى الذهن بسرعة ويتعلق بـ ( التفوق الجسدي للذكر على الأنثى ) والثاني وهو الأكثر خطورة، وقوع المرأة آنذاك ضمن التصنيف الرعوي البطريركي.
هذا التوصيف تم إذن تلقيه بشكل وأحادي وخاطئ، وقد وضع هذا التلقي المرأة فيما بعد وخلال عصور القنانة ضمن صيغة همشتها اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، وخلال عصر التنوير المتأخر قام المد العروبي بالدفاع عن هذه المفاهيم عبر منتجة التاريخ المحيط بها وإبراز صور لنساء مقاتلات وشاعرات وفقيهات ولكن إحصاء رياضياً بسيطاً سيجلو حقيقة مهمة، وهي أن نسبة أسماء النساء الشهيرات إلى جانب أسماء الرجال تقترب من الواحد في الألف.
هذا إلى جانب عدم وجود أرشفة كاملة للتاريخ الشخصي لأي امرأة خلال العصور الإسلامية الأولى، فكتب التراجم وثقت التاريخ الشخصي للرجال فقط، وكل ما ذكرته عن أي امرأة لا يتعدى صوراً لو جمعت إلى جانب بعضها البعض بهدف قراءة تاريخها الشخصي لن تغطي سوى أيام معدودة من حياتها، ولهن يكون ممكنا بأي حال من الأحوال فهم أثرها ودورها في التاريخ العام.
مجتمع دير الزور هو العينة الاجتماعية السورية الأكثر قرباً إلى هذا الواقع، بحكم ثقل ظل العرف الاجتماعي الموروث عن هذا الواقع، وبحكم بعد هذا المجتمع عن المركز المتلقي والمصدر للتغيير، وضمن هذه العينة الاجتماعية، وفي الوسط الثقافي منها تحديداً، تحاول المرأة كسر طوق توصيف ( القوارير ) عبر مشاركة أدبية أنثوية آخذة في التصاعد منذ السبعينات من القرن الماضي وحتى اليوم.
أسماء كثيرة حاولت بناء أرشفة كاملة لتاريخها الشخصي ووضعها ضمن سياق تاريخ الحركة الثقافية بما يشبه النحت في الصخر : عبير عزاوي، جهان مشعان، أمية الجاسم، شذى برغوث، هنادي كدو وأخريات.
وبالرغم من قوة دفق التجربة الثقافية النسائية في دير الزور إلا أنها لا تزال واقعة ضمن معادلة الفعل ورد الفعل، أي أن التجربة في كثير من منحنياتها لا تعبر عن اتجاه نفسي خاص يربسم خطوطاً لحركة نسوية بقدر ما تعبر عن رد فعل على منظومة نفسية فرضت نفسها على هذه التجربة.
ليس الغرض هنا والحالة هذه، هو القراءة التفصيلية لهذه التجربة ولا حتى استجلاء خطوطها العامة، بل هو إبداء رأي سريع يكون مقدمة لحوار يفضي إلى هذه القراءة وهذا الاستجلاء.
إن كسر المرأة المثقفة في دير الزور لمفهوم القوارير عمل شاق يحتاج إلى وقت قد يكون طويلاً، لأن الوقت شرط أساس لكل عمل خطير، وهو يتطلب القياس الدقيق والمدروس لاستجابة المجتمع للتحدي الذي يفرضه النص الأنثوي من أجل الخروج من القالب التاريخي الذي صمم للدفاع عن دور المرأة ( القناني ) خلال عصور القنانة الأولى.
أتذكر هنا حكمة رائعة من فلسفة الزن تقول : ( إن الياسمينة التي تغطي الشباك جميلة، ولكنك بحاجة إلى أن تزيلها كي ترى العالم الذي وراءها ).
إيناس السفان- (المرأة المثقفة في دير الزور وكسر مفهوم القوارير)
|