|
د. لين غرير
|
|
2007-04-22 |
تسيرُ بخطىً بطيئة كأنها تتعلم المشي.. كأن الأرض قد تغيرت من تحت قدميها فأصبحت صعبة المراس تُتعب خطواتها التي اعتادت على المنزل. تنظر إلى المحلات التجارية وتخفي وجهها بنظارتها الشمسية..
لا تريدهم أن ينظروا في عينيها كثيراً, فدموعها ستفضح حزنها المتعب. كلما أوقفها أحدهم للتحية تتحرك أشجانها ويعلو صدرها بالبكاء الصامت ويخفق قلبها ألماً. موقفٌ لم تتوقعه يوماً.. موقفٌ كان أصعب مما تصورت. ويزداد ألمها مع خروجها من المنزل, وتنخفض عتبة البكاء لديها, فيثيرها أي شيء وأي مكان وأية نظرة متطفلة من عيون المارة. غريبة هي الدنيا لا تكتفي بأن تأخذ منّا شخصاً نحبه بل إنها تحمّلنا مع فقدانه أوزاناً من الأسى لترهق عقولنا بعد أن غرزت سكين الموت في قلوبنا. فقدت زوجها, لكنها لم تفقده وحده.. كثيرةٌ هي الأشياء الصغيرة التي أخذها معه لا تعد ولا تحصى تجعلها أبداً تتذكر أنها وحيدة مع مسؤولياتها وواجباتها وحرمانها. فيحتار عقلها وتضطرب مشاعرها بين حزنٍ على حالها و خوفٍ من المجهول. كيف انقلبت حياتها في لحظات رأسا على عقب فأصبحت أرملة يُسمح لها بهذا ولا يُسمح لها بذاك؟! كثيرةٌ هي الأشياء التي تُحب أن تفعلها, لكنها لا تستطيع مراعاةً لتلك التي تسمى تقاليد. الجميع تعمل ألسنتهم بسلاسة والجميع يعودون إلى منازلهم وحياتهم, وتبقى هي الوحيدة التي تحمل وزر الحياة من بعده ومن دونه.
كنا نسير معا, توقفتُ لشراء الفلافل, التهمت قرصاً ساخناً لذيذاً وناولتها قرصاً لتأكله وارتفعت يدها دون تفكير إلى فمها ثم استدارت إليّ وكأن ماساً كهربائياً قد أصابها, أسرعت تعيد لي قرص الفلافل وقد احمرّت وجنتاها خوفاً من كلام المارة.. إذ ماذا سيقولون إذا شاهدوا أرملة لم يمض على فقدانها لزوجها سوى بضعة أشهر تأكل الفلافل في الشارع؟
شعرت بالغضب وبالسخرية من شارعٍ لا يرحم وأناسٍ تتصيد التفاهات لتصنع منها قصصاً وأفلاماً وروايات. لم ألمْها ولكنني عرفت أن السجن الكبير هو ليس سوى مجتمعنا الشرقي في العالم الثالث.
د. لين غرير- زاوية بين السطور (جرح على جرح)
|