|
كوليت بهنا
|
|
2007-04-22 |
قدم أحد المرشحين المستقلين في الانتخابات المقبلة في موريتانيا لفتيات بلاده وعداً بالقضاء على مشكلة العنوسة بينهن وتأمين عريس لكل بنت، متعهداً بإعطاء الأولوية في حال انتخابه من أجل مساعدة الشباب في الحصول على سكن اجتماعي تشجيعاً لهم على الزواج.
ومؤخراً أعلن عن أكثر من مليون حالة عنوسة يعاني منها المجتمع السعودي، مما يؤكد أنها مشكلة عربية جدية تمتد من المحيط إلى الخليج لاعلاقة لها بثراء الدولة ولا برفاهية المجتمع أو فقره .
قد يختار البعض في الحياة البقاء عازباً بسبب طبيعة عمله أو عدم اقتناعه بمؤسسة الزواج أو لأسباب خاصة تتعلق به وحده فقط. لكن هذه العزوبية ليست بالتأكيد خياراً حراً مطلقاً بالنسبة للكثيرات و للكثيرين الذين يواجهون هذه المعضلة التي تؤثر أكثر سلبية على الفتيات وتحطم آمال وأحلام الكثيرات وتقود بعضهن إلى الانتحار، ليس لنقص في تعليمهن أو لعيب في جمالهن أو سوء في أخلاقهن، بل لضغط اجتماعي غير متفهم ومدمر ينشط خاصة في المجتمعات غير المتعلمة وينبذ البنت غير المتزوجة ثم يقودها مع الأيام إلى التهلكة النفسية بعد أن صنفها على أنها (مادة للسخرية أو غير مرغوبة أو نشاز أو معطوبة)، وليساعدها الله فيما لو كانت المسكينة لاتعمل وتأكل المرّ مع كل لقمة يطعمها لها أهلها. كما أن حياة الشاب العانس ليست أكثر سهولة، فالمسكين يعاني بدوره بأشكال مختلفة أبرزها إيلاما هو الهمس الذي يدور حوله فيما إذا كان(بيقدر؟!..) والتساؤل الملحق بالسؤال الأول فيما إذا كان طبيعياً أم شاذاً؟. في النهاية يدفع الاثنان للمجتمع ضريبة موجعة ليسا مسؤولين عنها في معظم الأحيان.
ورغم أن مسؤولية المجتمع كبيرة في نتائج هذه المشكلة، إلا أن الكثير من أسبابها لاشك تقع على كاهل الطرفين الفتاة والشاب معاً . فالسكن ليس المشكلة الوحيدة، ولاغلاء المهور كما حلل الخبراء مؤ خراً فحسب، وإن كانا من أبرز الأسباب المعلنة. وباعتقادي أن الكثير من الأسباب غير المعلنة في علاقة الشاب بالفتاة في المجتمع هي التي تحتاج إلى إعادة نظر . منها مثلا عدم تمييز الولد عن البنت في البيت الواحد، ومنح الاختلاط المبكر بين الجنسين الاهتمام التربوي والجدي الأكبر، لأن من شأن الاختلاط تحطيم العديد من الحواجز بينهما والاعتياد كل منهما على وجود الآخر واحترامه والتعرف على عوالمه كجنس آخر بشكل أكثر حقيقية، بحيث يكبر الاثنان معاً نحو مستقبلهما ينظر كل منهما إلى الآخر كرفيق أنيس غير غامض. وفي حال ظهر ود بينهما ستتحول هذه الرفقة إلى حالة أكثر انشراحاً لايخاف الواحد فيهما من الآخر ومن اكتشافات مريعة قد تظهر بعد الزواج. رفقة المطلوب منها إن بنيت بشكل سليم أن تثمر حالة عادلة يتقاسم فيها الطرفان حلو الحياة ومرّها، ابتداءً من الايمان بفكرة العيش المشترك كرفيقيّ درب يتقاسمان اللقمة والفرح والهمّ والأعباء والراتب في حال عمل الزوجة، إلى مصاريف البيت والأولاد ومشاكل الأهل وغيرها .مع ضرورة أن تتغير النظرة التقليدية التي تتربى عليها البنت ومن خلالها تكبر وتطالب فارس أحلامها الموعود أن يكون جميلاً وسيماً غنياً بجيب جاكيته اليمنى منجم ذهب وفي اليسرى منجم ألماس، عليه أن يؤمن أغلى شقة بأغلى مفروشات مع خادمة إضافة إلى أكثر من سيارة لخدمة الأميرة وأهلها وأولادها ورفيقاتها، وهذا كله دون أن يكون في جيب المعتر أكثر من خمس ليرات تكفيه لركوب السرفيس روحة بلا رجعة . بدورها تحتاج نظرة الشاب للفتاة إلى الكثير من إعادة النظر، فالفتاة التي تخرج من بيتها للعمل هي أنثى كادحة بالمطلق لاتتسلى تسلية من أجل تأمين مستلزمات جمالها وماكياجها وعطورها. والفتاة التي تضحك بشكل صريح أو تجالس رفاقها وزملائها من الشباب وتدخن النرجيلة أو تخرج للسهر أو النزهة مع بعضهم ليست (فلتانة) . كما أنه ليس مطلوباً منها بعد الزواج أن تصير خادمة بالمطلق وامرأة صموت لكي تصير في نظره امرأة وست بيت صالحة .
أعلم أن مقالة واحدة لاتتسع كمحاولة لتلمس مشاكل الشباب والبنات الكثيرة، كما أن كثيراً من الأفكار التي تطرح كمشاريع حلول تبدو مسدودة الأفق من مثل اقتراح الزواج المدني الذي قد يزوج الكثير من البنات والشباب المختلفين- فقط- بالطائفة على أن يكون اختيارياً وجنباً إلى جنب الزواج الروحي لايلغي أحدهما الآخر .
وبالعودة إلى الوزير الموريتاني ووعده الانتخابي، أعتقد أنه لن ينجح في تحقيق معضلة متجذرة كهذه بلمسة ساحر . لكنه لاشك يستحق التهنئة في حال فوزه أو عدمه لكونه فكر ولو لمجرد التفكير أن يضع هذه المشكلة في أولويات جدوله الانتخابي . وأتمنى بما أننا مازلنا قوميين وصادقنا على اتفاقية العمل العربي المشترك، أن تطرح هذه المشكلة جدياً في البرنامج الانتخابي لأحد المرشحين لدينا أو تشكل مشروعاً وطنياً حقيقياً يسعى إلى تحقيقه كل المنتخَبون، لعلهم يساهمون انطلاقاً من شعاراتهم الطنانة حول حرصهم على الشباب الواعد – أمل المستقبل أن يخففوا ولو قليلا من سيل الحسرات والتنهدات لشباب وشابات يلجأون للسماء كل ليلة لعلها تروي ظمأ قلوبهم الجافة وهم يدعون: " يارب تشتّي عرسان".
- كوليت بهنا- (يارب تشتّي عرسان)
مجلة " جهينة" عدد أبريل 2007
|