|
مفهوم الشرف وانعكاساته الاجتماعية والقانونية في المجتمع السوري |
|
|
|
ريما فليحان
|
|
2007-04-15 |
|
صفحة 1 من 2 عندما تسود روح القبيلة, وتسيطر العلاقة المشاعية في العلاقات بين الناس تكون النتيجة انتقاص شاسع في حرية الفرد مقابل سيطرة الجماعة فكريا ونفسيا واجتماعيا,
وأقول الجماعة لان المجتمع هو صورة راقية لعلاقات منظمة بين الأفراد باختلاف أنواعها مع الحفاظ على الحريات الفردية دون المساس بالمصلحة العامة, ولكن القبلية والعشائرية تعني وبأغلب الأحوال انسحاق شخصية الفرد وذوبانها ضمن إطار اجتماعي محدود يتجلى في القبيلة او العائلة بمعناها الواسع بما يشمل العشيرة بأكملها.
ومن هنا تنبع مشكلة الفهم الخاطئ للشرف في هذه البنية... حيث تصبح هذه العائلة وهذا المجتمع هو الوصي والقيم و المسؤول عن شرف العائلة والذي يحصر ويحمل مسؤولية الحفاظ عليه لإناث العائلة حتى وان كانوا قصرا ويتجلى في عدم مخالفة الأعراف والتقاليد ضمن سلوكيات الانثى!
الشرف كمفهوم عام هو كلمة نبيلة تعني حب الوطن والشجاعة والصدق والوفاء ولكن المفهوم السائد في مجتمعاتنا ينحصر في معنى ضيق يتعلق بالحفاظ على العرض أي كل ما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمراة وكل ما يتعلق بالحفاظ على السلوكيات المحددة ضمن خطوط حمراء يمنع تجاوزها رسمت مسبقا من ذكور العائلة وحتى من إناثها لتكون بذلك قيودا وسلاسل يكون الموت في اغلب الأحيان عقوبة من يتخطاها أو يحاول أن يخرقها حتى على صعيد البسيط منها
ومن هنا ومما سبق تظهر ظاهرة ما يسمى جرائم الشرف وهو مصطلح غير دقيق بالمعنى الحقيقي لان القانون كنص لم يطلق هذه التسمية على هذه الجرائم, إلا أن ارتباط هذه الجرائم بهذه المفاهيم اكسبها هذا الاسم المتناقض, لان كلمة الشرف الحقيقة كلمة نبيلة يجب ان لا تقترن بلفظ الجريمة لأنه يبخس من معناها ويدنس من سموها .
واذا نظرنا للمجرم الذي يرتكب هذه الجرائم نجده فردا مقهورا يحاول أن يغطي شعوره بالقهر والنقص والاهتزاز الذي قد أصاب صورته الاجتماعية, فيكون الدم المسفوح للضحايا هو الغطاء الذي يغطيه ولتنقلب صورة هذا القاتل من شخص ذليل عاجز إلى بطل اجتماعي لدى من يفكر بهذه الطريقة, بالإضافة إلى أن من يرتكب هذه الجرائم في كثير من الاحيان يكون إنسانا جاهلا ومن أسرة مكبوتة وذي أخلاق سيئة, يحاول أن يحسن صورته الاجتماعية على حساب التي يختارها من إناث العائلة...
ومما يجب توضيحه أننا لا نشجع بأي شكل من الأشكال على مخالفة الأخلاق العامة ولكننا نطرح التفريق بين الفلتان الأخلاقي وحق الاختيار بالزواج ممن تشاء بالاضافة للسلوك المتحرر الذي لا يتعدى السلوكيات العامة التي قد تفسر وتضخم وتصل عقوبتها للقتل بسبب سمعة قد يطلقها احد الذين لهم غاية ما أو قد يكون فقط بقصد الثرثرة ....
فهناك فرق شاسع بين التحرر والفلتان الاخلاقي.
انه شخص يعاني من الشعور بالاضطهاد لانه يعتقد ويعتبر ان المرأة عندما خالفت الأعراف أساءت إليه شخصيا ومرمغت شرفه بالطين ولأنه يشعر حينها ان كل نظرات الناس حوله نظرات ازدراء واحتقار حتى انه يتوهم ان كل البلاد قد سمعت بما فعلت أخته أو ابنته وبالتالي يكون الحل لديه بإزهاق روح الفتاة التي لا ذنب لها إلا أنها اختارت فقط,لان المفهوم السائد في مجتمعنا أن الشرف الذي تأذى لا يغسله إلا الدم وعادة ما تكون تلك الجرائم مصاحبة بالزغاريد والتهليل وكان القاتل ارتكب بطولة ما وأنقذ شرف العائلة مما يظن انه قد أصابه من تدنيس
ان الضغط النفسي الذي تعانيه أسرة الفتاة التي تتجاوز الأعراف السائدة من قبل المجتمع والثرثرة الاجتماعية وارتباط مكانة الأسرة بروح العشيرة السائدة والتي غالبا ما تؤثر على مستقبل الأسرة بكافة أفرادها ذكورا وإناثا ،بما فيها أي مشاريع زواج مستقبلية وحتى مكانة اجتماعية أو دينية, هي ما يدفع تلك الأسر بإطلاق حكم الإعدام على تلك الفتاة وخاصة في الأرياف حيث تكون تلك الروح أكثر تأثيرا وتكون القبلية أكثر سوادا ويكون وضع الأسرة أكثر ضعفا في مواجهة مجتمع القرية.
والحقيقة ان مفهوم الشرف نسبي نوعا ما بحيث يختلف ضيقا واتساعا بين بيئة وأخرى, فهناك جرائم ارتكبت لمجرد رؤية الفتاة تقف مع شاب غريب أو تتحدث بالهاتف بصوت منخفض وهناك جرائم ارتكبت لزواج الفتاة دون موافقة الأهل ممن تحب أكان من نفس الطائفة الدينية أو من خارجها وكل ذلك حسب البيئة وكلما كانت اقرب امتدادا للحضارة والمدنية ضاقت هذه الدائرة وقلت هذه النسب فيما عدا الزواج من خارج الطائفة والعلاقات غير الشرعية لأنها مما يرتبط بالدين وبنظرة المجتمع ومن المعلوم التأثير الكبير للدين في المجتمع الشرقي بشكل عام حتى وان كانت درجة الثقافة عالية لدى من يرتكب هذه الجرائم.
علما ان الأديان لا تنص في مجملها على عقوبة القتل لهذه الحالات لكن هذه الحالات تخالف الدين وتعتبر زنا بالمفهوم العام ولارتباط الناس ارتباطا وثيقا بالدين يجعل من يخالف أحكامه لدى المتدينين شخصا منبوذا فكيف اذا كان مخالفا للدين والأعراف على حد سواء؟!
ومع هذا فرجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب أوضحوا موقفهم المعارض لجرائم الشرف بجملة من التصريحات التي هي مع وضوحها تفتقد الى القوة المطلوبة للردع الديني وتفتقد للتنفيذ العملي في تعميم هذه الأفكار لسبب واحد وهو خوف رجال الدين أنفسهم من مخالفة الأعراف والتقاليد الذي يؤدي بالتالي لفقدانهم لقيمتهم الاجتماعية بشكل أو بأخر.
ويأتي دور القانون الذي لا يستطيع إلا أن يكون صورة عن هذه المجتمع فالقوانين تصاغ بما يوافق العادات والأعراف السائدة , والعرف في سوريا هو من مصادر التشريع بالإضافة للشريعة الإسلامية والمصادر القانونية الأخرى, كما ان الدور السلبي لمعظم رجال القانون كونهم أبناء هذه البيئة يؤدي لنطق أحكاما غريبة تتناقض حتى مع القانون وسأذكر لاحقا أحكاما واقعية من أعلى درجات المحاكم من محكمة النقض وهي تخالف القانون والمنطق والعدالة؟!
والقانون الذي يهمنا في هذا الصعيد هو قانون العقوبات السوري وهو مشتق من القانون الفرنسي القديم الذي تغير بدوره ومازال قانوننا محافظ على ثباته في وجه أي تغير لصالح تحقيق العدالة الحقيقية والمساواة بين الرجل والمرأة والحفاظ على الحريات الشخصية
المواد والأطر القانونية المطبقة على جرائم الشرف
إن جريمة الشرف في سوريا، تتجلى في نص المواد (192) و(548 بفقرتيها) بالإضافة للمواد 241—242- 243 من قانون العقوبات.
اولا -:المادة (192)تتعلق بالدافع الشريف، وقد نص القانون السوري على اعتباره سببا مخففا قانونيا في حال توافر لدى الفاعل. إلا أن القانون لم يعرف الدافع الشريف ولكن القضاء السوري عرفه بما يلي: ((هو كل عاطفة نفسية جامحة تقود الفاعل إلى ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة لديه..)).
ومن الجدير بالذكر ان القانون السوري أخذ بفكرة الدافع في النظر إلى الخطورة الجرمية للمجرم. وقد اعتبر الدافع سببا مخففا أحيانا ومشددا أحيانا أخرى وفي حالة جرائم الشرف يعد الدافع شريفا وبالتالي مخففا للعقوبة بدلالة المادة /192/ من القانون المذكور، ونصها: "إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية:
1-الإعتقال المؤبد بدلاً من الإعدام .
2-الإعتقال المؤبد أو لخمس عشرة سنة بدلاً من الأشغال الشاقة المؤبدة.
3- الإعتقال المؤقت بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.
(الإعتقال المؤقت عقوبته السجن من ثلاث سنوات إلى خمسة عشرة سنة)
وعليه فالمحكمة تأخذ عادة بالفقرة الثالثة من المادة /192/ من قانون العقوبات، وتفرض عقوبة الإعتقال لمدة ثلاث سنوات . علما انه كان بإمكانها فرض العقوبة فيما بين حدها الأدنى ومدتها ثلاث سنوات وما بين حدها الأعلى خمسة عشرة سنة إلا انها تكتفي عادة بحدها الادنى.
وإلمحكمة في معظم الأحوال تجد في فعل الجاني من الظروف التي تمنحه الأسباب المخففة التقديرية وهي أسباب يقدرها القاضي إضافة لما ذكرنا، فتطبق عليه أحكام المادة 243 من قانون العقوبات العام والتي نصها: "إذا وجدت في قضية أسباب مخففة قضت المحكمة:
على اعتبار أن عقوبة المتهم بعد تطبيق المادة 192 من قانون العقوبات العام هي وضعه في سجن الاعتقال المؤقت، ومن حيث أن عقوبة الاعتقال المؤقت قد حددها القانون بحد أدنى ثلاث سنوات وحد أقصى خمسة عشر عاماً.وتحكم عادة بثلاث سنوات ثم تعود لتقدر أسباب تخفيفية اخرى مستفيدة من المادة 243 الفقرة الراابعة لتصبح العقوبة سنة واحدة وعادة ما يستفيد الجاني من ما سيمى وقف الحكم النافذ فتزول ربع المدة ويخرج الجاني بعد 9 اشهر فقط وكان شيئا لم يحدث.
- (ومن الملاحظ أن الحوادث التي لها مساس بالعرض تشمل الأقارب كلهم كابن العم مثلا وابن الخال وسواهم ولا ينحصر تأثيرها على المحارم أي الاخ والاب والعم ،لأنها من الأمور التي تتعلق بالشعور والإحساس وتختلف باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة المحيطة والقرابة) أي ان الدافع الشريف قد وسع قائمة المستفيدين من هذا القانون بحيث تصبح كل العائلة وصية على الشرف ومستفيدين من العذر حين حصول الجريمة, كما ان الدافع الشريف يستفيد منه من سمع اقاويل عن قريبته صحيحة كانت ام لا او من شاهد أفعال بسيطة سببت له ثورة من الغضب هذا الغضب الذي تختلف درجته من مكان إلى آخر ومن شخص إلى آخر باختلاف المعايير والآفاق الشخصية ليشمل معظم الجرائم التي تحصل تحت شعار الشرف بحق ضحايا هن على الأغلب بريئات مما نسب إليهن أو لأسباب سخيفة لا يقبل العقل قيام جريمة من اجلها وعلى سبيل المثال (هناك من قتل أخته بأربعين طعنة سكين مؤخرا لمجرد انها تعمل في العاصمة دون رغبته وبعيدا عنه والقاتل في هذه الحالة يستفيد من الدافع الشريف)
ومن وجهة نظر القانون وتطبيقاته نرى انه من الممكن أن تصل العقوبة بعد التخفيف لمدة عام ومن ثم يستفيد من تخفيف ربع المدة فيخرج القاتل ببضعة أشهر وكان شيئا لم يحصل ثم ان عدم وجود ادعاء يساهم في تخفيف العقوبة الى هذا الحد تحت ما يسمى بالأسباب المخففة التقديرية التي يقدرها القاضي تبعا لكل حالة.
|