|
فهم ثقافة الآخر من خلال لغته وأهميته في التواصل الإنساني |
|
|
|
د. سرور قارون
|
|
2007-04-15 |
|
صفحة 2 من 2
5- الكلمة ومعانيها:
إن اللغة الأم لأي شعب ترمز إلى هويته وتاريخه. فعندما يتكلم أي شخص بلغته الأم عن أي موضوع، فالكلمة هنا لاتدل فقط على على المعنى الحرفي للكلمة بل تتعداه إلى المفهوم الحضاري والثقافي المخزون للكلمة عند المتكلم. فهناك اختلاف بين الكلام العلمي والكلام اليومي الذي يوصل المفاهيم والأفكار والرغبات والحاجات والقيم والمعتقدات. فعندما يتكلم أي شخص من أي ثقافة عن تكوين الماء من ذرتين هيدروجين وذره أكسجين، فهو يتكلم بلغة عالمية لاتختلف من ثقافة إلى أخرى حتى ولو قال المكونات بلغته هو. فالمعنى واحد وليس له مدلولات وبواطن، ولكن إذا ما كان الموضوع يتعلق بالماء ومعنى الماء بالنسبة للشخص، فهنا الوضع مختلف تماما.
فالعرب مثلا قد يرون الماء على أنه عنصر نظافة وطهارة وترى بعض قبائل الهنود مثلا أنه عنصر تعميد وترى بعض قبائل تايلاند أن الماء هو عنصر تدخل فيه الأسطوره وعند بعض القرى في أفريقيا ككنز ثمين للإبقاء على الحياة. فعندما يتكلم كل واحد منهم عن الماء فهو يتكلم بمعنى وقصد مختلف.
واللغة الأم تجسد الثقافة الكامنة في الكلمات وخاصة المصطلحات التي يستخدمها الناس يوميا في حياتهم مع أنفسهم ومع غيرهم. فعندما يقوم شخص عربي بدعوة آخر لبيته للعشاء في الساعة الثامنة مساءً مثلا ويسأله: هل ستأتي؟ فهناك احتماليه كبيرة أن يكون تعبيرة للاستجابة بـ "إن شاء الله" بدل كلمة "نعم" ولكن لمن العربية ليست لغة الأم وهو يستمع للترجمة، قد تعني له الكلمتين نفس المعنى وهو قبول الطرف الثاني دعوة الأول ولكن هل هما يحملان نفس المعنى بالنسبة لمن لغتة الأم؟ فـ "إن شاء الله" تحمل في معانيها الهوية الإسلامية ومعتقد الناس بأن كل ما يصيبهم هو بمشيئة الله وانهم لا يستطيعوا أن يقوموا بأي عمل دون مشيئته ومنها ايضاً حضور هذه الدعوة. فعندما تتم الترجمة فستكون أن شخصا دعا آخر للعشاء في بيته في الساعة الثامنة مساءً وأن الآخر قبل الدعوة!!
عندما نرجع إلى لغة الأم عند العرب نرى كيف أن كلمة "الله" تندرج في لاكثير من الأمور غير الحتمية أو تلك التي لا يمتلك الإنسان السيطرة عليها كاملة. فمثلاً إذا أراد شخصا ما أن يعمل شيئاً فعادة ما يستبقها بكلمة "إن شاء الله" وإذا كان في قتر من العيش أو في ضيق فالكلمة التي يتم مواساته بها هي "الله كريم"، ومن ابتلى بعدو اضر به "حسبي الله ونعم الوكيل"، ومن كان مريضاً "الله يشفيك"، ومن مات "الله يرحمك". هذه الكلمات نابعة من معتقدات راسخة عند غالبية الناس في المناطق العربية وهي بها مدلولات عميقة.
وفي الثقافة العربية أيضاً تستخدم كلمات مثل "رحم الله والديك" ككلمة دعاء للشخص ويعتبر الدعاء لوالدية بمثابة شكر له هو، وارتباط التوفيق في رضا الوالدين وخاصة رضا الأم والكلمات العامية التي تقال في أكثر البلدان العربية إذا ما كان شخصا موفقا "أمك داعية لك". ويعتبر اكبر سباب أو شتيمة لعربي عندما يشتم أحد والدية وخاصة أمه.
وفي لغة أخرى مثلا نرى الكلمات التي ترمز للخمر والدير والخال تستخدم في الأشعار العرفانية عندما يراد بها التغزل في الجمال الروحي ولكن عند ترجمتها تصبح عديمة المعنى، أو حتى مضحكة لكون اللغة العربية لاتستخدم هذه التعابير في هذه المواضع بل وقد تستخدم في معان مغايرة أصلاً. وفي بعض اللغات مثلا تستخدم كلمة "الفداء" بين الناس كنووع من الشكر والاحترام مثل "فديت يداك" عندما يقدم شخص خدمة لآخر، و"فديت قدميك" عندما يقوم شخصاً بزيارة لمنزل شخصا آخر، و"فديت روحك المحبة" عندما يقوم شخصا بعمل ما أو يقول شيئا ما ينم عن اهتمامه ومحبته للشخص الآخر ولنا أن نرى كيف أن هذه التعابير تنم عن توقعات معينة في الثقافة لمعنى الاحترام ورد الجميل والتي من الممكن أن ينظر إلى معناها باللغة العربية أو الانجليزية مثلا على أ،ها تعبيرا مبالغا فيه وقد يكون مهنيا، ولكن من يدخل في خصوصيات تلك الشعوب، يعرف من خلال لغتهم توجههم وقيمهم والكثير من المعاني. ولك أن تتصور أن يكون الشخص الذي يشكر الآخرين بهذه الطريقة و يتوقع من الآخرين شكره بهذه الطريقة أيضا، تصور عندما يكون في تعامل مباشر مع شخص من ثقافة امريكية أو فرنسية مثلاً والذي قد يرى أنه أدى الشكر بالحد الذي يوصل للطرف الآخر أنه يعلم أنه قام به بعمل جيد في حال كان لديه الخيار بأن لا يقوم به! في هذه الحالة مثلاً، من الصعب الحكم على من له الحق ومن عليه!!
ونستطيع أن نتعرف على ذلك أيضاً إذا ما قارنا الترجمات المكتوبة في المسلسلات أو الأفلام من لغة إلى أخرى. فنرى الفارق الكبير بين روح الكلام والقصد منه وبين ما هو مكتوب أو مدبلج ومعناه. ونرى ذلك بصورة كبيرة أيضا في الكتب المترجمة. فمن يتقن اللغة الثانية ويقارن الترجمات، خاصة في الكتب الاجتمعية أو القصص أو غيرها من المواضيع التي تتضمن معتقدات أو قيم أو مشاعر، قد يرى أنها تبدو وكأنها تتكلم عن موضوعين مختلفين ولكن بهما بعض التشابه!!
6- الجهل بالآخر:
كثيرا ما يكون الآخر المختلف هو من نتوجس منه ومن ننسج في مخيلتنا عنه الأساطير والقصص والمخاوف عن بعض الأمور والأحداث التي تحصل لنا سواء في الوقت الحاضر أو على المستوى التاريخي. ولطالما تم تفسير الاختلاف على أنه دليل تهديد كالتوجس الحاصل حاليا عند بعض الغربيين عن كلمات مثل "الجهاد" فيرون من وجهة نظرهم أنها تعني ضوءاً أخضراً للهجوم على الآخرين الذين يتم تصنيفهم على أنهم أعداء بسبب اختلافهم في الدين أو غيره. ولكن هذا ليس هو المعنى الموجود عند أغلبية الشعوب العربية وليس ما هو موجود في الشعور الجماعي للعرب ولا هي السياق الذي يستخدم فيه كلمة "جهاد" عند العرب. فلو أخذنا عينة عشوائية من الشارع عاديين وسألناهم عن معنى الجهاد لديهم، لقال أغلبهم أن كلمة "الجهاد" لاتستهدف الشعوب ولا الشخص المختلف ولاحتى من ليس على دينهم ومعتقدهم. فلكي نتعرف على المعنى الحقيقي لمدلولات المعاني والمفاهيم فنحن بحاجة للتواصل الإنساني القريب وفهم لغة الآخر لكي نستطيع التعرف على معاني وأبعاد الأمور وحيثياتها الخاصة من وجهة نظرهم وليس بالطريقة التي تصل إلينا عبر الوسائط المتعددة المرئية أو المسموعة كالإعلام مثلاً. عندها نستطيع تفهم الاختلافات وتسخيرها بهدف التوصل إلى فهم مشترك لتعزيز ثقافة السلام.
عينة عشوائية من الشارع لأناس عاديين وسألناهم عن معنى الجهاد لديهم، لقال أغلبهم أن كلمة "الجهاد" لاتستهدف الشعوب ولا الشخص المختلف ولا حتى من ليس على دينهم ومعتقدهم. فلكي نتعرف على المعنى الحقيقي لمدلولات المعاني والمفاهيم فنحن بحاجة للتواصل الإنساني القريب وفهم لغة الآخر لكي نستطيع التعرف على معاني وأبعاد الأمور وحيثياتها الخاصة من وجهة نظرهم وليس بالطريقة التي تصل إلينا عبر الوسائط المتعددة المرئية أو المسموعة كالإعلام مثلاً، عندها نستيطع تفهم الاختلافات وتسخيرها بهدف التوصل إلى فهم مشترك لتعزيز ثفافة السلام.
ويمكننا طرح مثال آخر من قبائل الناتال بجنوب أفريقيا، فالتحية الأكثر انتشاراً و المرادفة لكلمة "مرحبا" باللغة العربية هي “Sawu bona” والتي تعني ترجمتها الحرفية "أنا أراك"، ويرد الطرف الآخر “Sikhona” والتي تعني "أنا هنا". و ترتيبها يأتي كالتالي: أنا غير موجود حتى تراني فتبعثي للوجود. فهذه اللغة تظهر الثقافة الموجودة لديهم فأخذ الأقوال المأثوره لديهم: "الشخص هو شخص بسبب الناس". فالناس الذين يترعرعون في هذه القبيلة يركزون وبشكل أساسي على أن وجودهم يعتمد على احترام الاخرين لهم.
وفي الآونه الأخيرة قامت بعض الشركات العالمية بالتوظيف من جنوب أفريقيا ومن هذه القبائل وقد واجهة الشركات تضارب في الثقافات بين الثقافة السائدة في الدول التي أسست فيها الشركة والموظفين الجدد. ففي بعض الثقافات، إذا مر شخص ولم يحيك لأنه مشغول البال فإن هذا لايشكل أي مشكلة، أما بالنسبة لشخص من هذه القبيلة فهذا يعد أكثر من عدم اهتمام، فهو يعني لديه أنك لم تشعر أنه موجود..!!
7- مصادر الثقافة:
إن التحدي الأكبر في هذا العصر هو المصدر الذي نتعرف فيه على الآخرين والذي غالبا ما يستبعد الحوار الشخصي. فنحن نتعرف على شعوب ونكوّن أفكاراً أو أحياناً مواقف منهم ونحن قد لا نكون التقينا بشخص واحد منهم أصلاً. نسمع ما يقال عنهم عبر القنوات التلفزيونية وخاصة الإخبارية والجرايد والمجلات والانترنت. فالمعلومة التي تنقلها لنا الوسائط المتعددة تكون مقننة، في أغلب الأحيان وفق معايير تدخل فيها عوامل كثيرة تجارية واجتماعية وسياسية وغيرها لتخرج بهذه الحيلة الإعلامية، فصورة الحقيقة لا تخرج للعيان كاملة نظيفة كما لو كانت على أرض الواقع. فنحن نفهم الآخر من خلال ما فهمه غيرنا ونقله لنا وليس من خلال تواصلنا المباشر معه.
ويقوم الإعلام بدور حساس وخطير في آن. فكما أن الإعلام من الممكن أن يساعد في فهم الآخر، إلا أن الكثير من القنوات الإعلامية تظهر الآخر بالصفة والشكل الذي تريده بناء على الصورة التي تريد هي رسمها. فمنذ أحداث التاسع عشر من سبتمر ووصمة الإرهابي هي الوصمة المطلوبة والفاعلة دوليا، فيقوم الاعلام باعطاءها كل مخالف لمنهج الجهة التي تستخدم القناة الإعلامية وتتعدى هذه الوصمات الأفراد والحكومات وتصل إلى الشعوب أيضاً. فالشعوب الغربية مثلاً يزداد تخوفها وتوجسها من العرب والمسلمين وخاصة تلك الشعوب التي ليس لديها تواصل مباشر مع الشعوب العربية.
فقد كانت كاتبة هذه الورقة في جمهورية الدومنيكان لحضور مؤتمر قبل عامين وكانت تتحدث مع أحد المؤتمرين من سكان جمهورية الدومنيكان وكان يقول لها بعد أن أبدى استغرابه الشديد من أنها تبدو لطيفة وغير عدوانية!! أنه تعرف على إمام مسجد في مدينته وحسب تعبيره انه كان رجلا لا يبدو عليه أنه سيء أو إرهابي. وقال أن إمام المسجد هذا قد دعا هو وعائلته إلى منزلهم لتناول وجبه عشاء، وقال عندما قلت ذلك لأصدقائي نصحوني بأن لا أذهب مع عائلتي لمنزلهم لأنني لا أعرف ما الذي يخبئه لي. كان يقول هذه الجمل بلهجة الذكي الذي لاتخفي عليه خافية، ثم أكمل أنه قال لأصحابه بأنه لن يذهب بالطبع فهو ليس أحمقاً ليذهب وعائلته لبيت مسلم ويلقي بنفسه للتهلكة!! وكان يقول بلهجة ساخره، لا أدري لماذا يكرر كلمة سلام سلام!! وعندما شرحت له معنى كلمة سلام ولماذا يقول المسلمين هذه الكلمة للترحيب ببعضهم قال إنه لم يفكر بالموضوع بهذه الطريقة من قبل، وقال أن كل ما يعرفه عن المسلمين العرب هو مايراه في التلفاز والذي لايزيده يوما بعد يوم إلا سببا وجيها آخرا للتوجس والتخوف منهم، وأنه لم يتواصل مع أي مسلم غير إمام مسجد وكاتبه هذه السطور!!
8- الثقافة الدينية:
لقد قال الله تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (الحجرات/13). فالله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين لكي يتعارفوا ويتواصلوا ويرتقوا إنسانيا. فالشعوب والقبائل لاتتكلم لغة واحدة بل لكل منها لغة مختلفة. فعلى أئمة المساجد والخطباء الدينيين التركيز على الهوية من خلال احترام لغتهم الأم وتشجيع الناس وخاصة الشباب على احترام لغات الأمم الأخرى وحثهم على التواصل الإنساني والتعرف على الآخر بكل أشكاله بما يساهم في التطور الإنساني للطرفين ونشر ثقافة التعارف والسلام.
الخاتمة:
في عالمنا الواسع المفتوح والمتعدد الثقافات، لا مناص لنا من التعرف وفهم بعضنا البعض وأن نتواصل كشعوب ونسعى لترسيخ ثقافة احترام الآخر مهما كان مختلفا وأن نكون أكثر اعتزازاً بهويتنا وجذورنا وتاريختنا الذي تختزله لغتنا الأم وأن نكون أكثر وعياً عندما نحكم على الآخرين خاصة إذا مالم تكن مصادر المعرفة صافية.
فالتواصل الإنساني هو السبيل الوحيد لتقليص الخلافات وتحويلها إلى اختلافات وهي الوسيلة الأرقى لنشر ثقافة السلام.
ورقة مقدمة من د. سرور قاروني، للمؤتمر الدولي الأول بين اللغة الأم والتواصل مع العصر
د. سرور قارون - ورقة مقدمة من د. سرور قاروني، للمؤتمر الدولي الأول بين اللغة الأم والتواصل مع العصر- (فهم ثقافة الآخر من خلال لغته وأهميته في التواصل الإنساني)
|