|
كتاب نادر حول السينما السورية يشدّ القارئ من الغلاف إلى الغلاف |
|
|
|
Kaelen Wilson-Goldie- ت: باسل جبيلي
|
|
2007-04-15 |
بيروت ـ يقول السينمائي اللبناني محمد سويد: "يتبادل السينمائيون دائماً قولاً مأثوراً وهو أن صناعة فيلم سينمائي هي بمثابة حالة من العشق."
لكن يجيبه السينمائي السوري عمر أميرلاي: "عندما أسمع مثل هذا الكلام، أكره السينما."
هذا الحوار هو أحد النقاشات الكثيرة الممتعة التي يحفل بها كتاب "قراءات في السينما السورية: مقالات وحوارات لسينمائيين معاصرين":
"Insights into Syrian Cinema: Essays and Conversations with Contemporary Filmmakers"
يتألف الكتاب من مقتطفات مختارة من مقالات ولقاءات وكتابات تجريبية لفنانين وباحثين وسينمائيين، نُشرت جميعها بالموازاة مع مهرجان للأفلام السورية المؤثرة جداً والتي نادراً ما تُعرض. أقيم هذا المهرجان في مركز لينكولن في نيويورك مؤخراً. وتجوّل بعد ذلك في صالات المتاحف والجامعات ومؤسسات أخرى من بوسطن إلى واشنطن. 
تنطوي المقابلة السابقة بين الفنانين سويد وأميرالاي الذين يعرفان بعضهما جيداً، على حس من الدعابة، رغم محاولة المحاور فهم مصدر التهكّم اللاذع الذي يقارب في بعض الأحيان خصومة مطلقة.
هذا المستوى من الحميمية المعارف عليه على نطاق واسع بين السينمائيين، هو تماماً ما يجعل كتاب "قراءات في السينما السورية" (نُشر باللغة الإنكليزية) تجربة فريدة ومهمة من نوعها. قلة هي الكتب التي تتحدث عن السنيما والتي تشدّ القُراء من الغلاف وحتى الغلاف. وقلة كذلك هي الكتب السينمائية التي تسلط الضوء بهذا الشكل الممتاز على الحياة الفكرية بين فناني ومثقفي سورية المهمّشين اجتماعياً وثقافياً وسياسيا.
"قراءات في السينما السورية" هو بمثابة مجموعة كتب دراسية تفتح باباً مخفياً، على مصراعيه كاشفاً خلفه متاهة من الغرف غير المكتشفة سابقاً وتكتنفها الأسرار. يقرأ المرء الكتاب ويضحك ويتعلم ويكسب معرفة جديدة والأهم من ذلك أنه يستغل الفرصة لرؤية المزيد من هذه الأفلام، التي تم إنتاج العديد منها برعاية الحكومة السورية وبتأثير التجربة الاشتراكية، الأمر الذي يسمح للسينمائيين بالعمل في فن ينطوي على تطبيق المثل القائل: "عض اليد التي تطعمك" المعارض بطريقة ما.
حررت الكتاب المسؤولة الفنية في المعهد السينمائي Arte East في نيوروك، رشا سلطي، التي نظمت سلسة "عدسات سورية" مع مديرة آرت إيست Livia Alexander، [وهي منظمة تعنى بتقديم الإبداعات الفنية والأدبية الشرق أوسطية إلى العالم الغربي]. ساهم في الكتاب كذلك الناقد السينمائي التونسي طاهر شيخاوي والباحث السينمائي حميد الدباشي (أستاذ الأدب المقارن والدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا الذي له كتابات عديدة حول السينما الفلسطينية) و Lawrence Wright الكاتب في صحيفة The New Yorker ومؤلف كتاب "البرج المترنّح: القاعدة والطريق نحو 11/9" الذي لاقى عند نشره رواجاً كبيراً.
يحفل الكتاب كذلك بالمقالات ذات الطابع التجريبي التي كتبها السينمائيون أنفسهم: عبد اللطيف عبد الحميد "حليب الأم"، و محمد ملص "بين الصورة والخيال: المرأة في السينما" الذي يبحث في صُلب نصوص أفلامه، وتجربة هالة العبد الله الانطباعية في تصوير فيلم يمثّل نظرتها إلى نفسها.
طبقاً لمقدمة سلطي القوية "نُقاد وطنيون: مفارقة السينما السورية"، فإن أول فيلم عُرض في سورية، كان عام 1908 داخل مقهى في حلب. وقامت الدولة العثمانية بتأسيس أول دار عرض للسينما في دمشق عام 1916... لكنه احترق بعد أقل من شهر." 
وظهر أول فيلم سينمائي سوري فعلي عام 1928 وهو "المتهم البريء" الذي لم يرق لسلطات الانتداب الفرنسي نتيجة لموقف الفيلم من الدور الذي يلعبه الاستعمار. وكان من سوء حظ الفيلم السوري الفعلي الثاني "تحت سماء دمشق" (1932) أنه ظهر متزامناً من أول فيلم مصري موسيقي ناطق "أنشودة الفؤاد". تم منعه فوراً من قبل الفرنسيين وتسبب بخسارة مادية فادحة وكان السبب الرئيسي في ذلك هو "استخدام الجهة الإنتاجية مقطوعة موسيقية دون دفع الحقوق لمؤلفيها".
مهّد هذا لإنشاء "المؤسسة العامة للسينما" التي تحتكر بشكل كامل تقريباً الإنتاجات السينمائية السورية وتمثّل إحدى أغرب أنظمة التحكم في الإنتاج السينمائي التي يمكن أن يجدها المرء على الإطلاق.
نادراً ما تنتج سورية أكثر من فيلمين سينمائيين سنوياً. ومن أهم السينمائيين السوريين على صعيد الصورة وجماليات الأفلام نذكر: نبيل المالح وأسامة محمد ومحمد ملص، الذين يجب عليهم أن ينتظروا عشرات السنوات ليخرجوا عملاً جديداً نتيجة للبيروقراطية الحكومية المرهقة البغيضة والمقيتة إلى حد هائل.
عندما يتم الانتهاء من إنتاج الفيلم، نادراً ما يُعرض داخل سورية، بل يتم عرضه بين الفينة والأخرى في المهرجانات الدولية للسينما، حيث عادة ما يتم تلقيه بحماس واضح.
يشير الكاتب لورانس رايت إلى أنه: "بإنتاج أفلام معدة أساساً للتصدير، يُقدم النظام السوري وجهاً أكثر انفتاحاً بكثير للعالم الخارجي مقارنة مع انفتاحه على شعبه السوري."
حيث يُفتح المجال للسينمائيين بإنتاج روائعهم في غياب كامل للمشاهدين، الأمر الذي يكون من نتائجه، وعلى حد وصف الباحث السينمائي حميد دباشي، بروز "لغة بصرية أحادية الجانب"، ويضيف: "تعيش السينما السورية حالة سُبات عاكسة، في أفلامها وبمصطلحاتها الداخلية، نفسها أيضاً على شكل صورة سريالية نادرة، متخيلة نفسها من خلال مرآة تتمنى أنها تمتلكها."
وكما تشير رشا السلطي، فإن مفارقات السينما السورية كثيرة. وببساطة لا يوجد إنتاج سينمائي كبير بحيث يمكن أن نتحدث عن السينما السورية كـ"سينما وطنية"، إلا أنه يمكن أن يعتبر حجم الإنتاج الموجود بأنه نوع من أرشيف وطني لذاكرة جمعية وتجربة مُعاشة وبآلامها والكثير والكثير من الأمور الأخرى.
وعلى الرغم من مصادر تمويلها، إلا أن الأفلام السورية ناقدة بحدة للنظام السوري وليست أداة دعائية أبداً. وعموماً تعتبر جميعها أفلاماً صغيرة ذات ميزانيات محدودة نسبياً، وليست أفلام رعب أو كوميدية رومنسية.
يطرح كتاب "قراءات في السينما السورية" عدة نقاط مثيرة للجدل، ويستشهد لورانس رايت بالصحفي السوري في صحيفة الحياة "إبراهيم حميدي" قوله: "عن طريق سماحهم لـ أسامة محمد وغيره بصنع أفلام ممولة من قبل الحكومة، تُضر الحكومة بمصداقية السينمائيين وتحاول احتواءهم. يحصل هؤلاء على جوائز ومكافآت، وهو يمثل دعاية جيدة للنظام. ولكن في الوقت نفسه، لا يُسمح للسوريين أنفسهم بمشاهدة هذه الأفلام لأن الحكومة لا تريد أن يجلب هؤلاء السينمائيين أي تغيير نحو الأمام في المجتمع، وبهذا يكونون معزولين عن المجتمع. وفي النهاية، تكون الحكومة هي الطرف الرابح في المعادلة."
الكتاب كذلك غني بأمثلة عن الرقابة الشديدة وكذلك الإبداع المتجاوز لجميع الحدود والأعراف والتقاليد. وعندما زارت مجلة Cahiers du Cinema النادي السينمائي في حلب الذي أسسه محمد ملص وعمر أميرالاي للاشتراك في مهرجان "السينما والسياسة"، منعت الحكومة عرض أكثر من نصف الأفلام التي كان من المفترض أن يشملها المهرجان. لكن الناقد السينمائيSerge Daney لم يقف مكتوف الأيدي حيال ذلك، بل اعتلى المنصة وتلا بحيوية كل فيلم لم يُسمح بعرضه. وينقل لورانس رايت عن أميرالاي قوله: "كان عرضاً للأفلام دون صورة في حادثة رائعة للغاية."
Kaelen Wilson-Goldie – (كتاب نادر حول السينما السورية يشدّ القارئ من الغلاف إلى الغلاف)
Daily Star
ترجمة: باسل جبيلي
|