|
أميرة أبو الحسن
|
|
2007-04-15 |
لا أدري سببا لشعوري بالفجيعة والبائع يبلغني وبكل فخر أن هذا الرف الصغير هو آخر ما يتوفر لديهم من شرائط التسجيل في متجرهم الضخم،
وبالفعل، وبعد أسبوعين عدت لأشتري شريط زياد الرحباني مع لطيفة ولم أجد أي شريط تسجيل.
"عصر الشريط انتهى، ولا نبيع سوى الـ سي دي فقط" هذا ما قاله البائع بالضبط.
المضحك في فجيعتي تلك؛ أنني كنت دائماً في الصفوف الأولى داعية إلى التطور. فما إن ظهر الكمبيوتر إلى الوجود (وهو الذي أطلق عليه اسم الحاسوب بالعربية ولا أدري سبباً منطقياً لهذه التسمية) حتى كنت من أوائل المعجبين به والمتدربين على استعمالاته المتعددة، حتى أنني أعدت إليه الفضل في إيجاد أول عمل لي بعد أن كنت قد هجرت كلية التجارة فاقدة أي أمل كاذب في الحصول على الشهادة الجامعية لأنني كنت قد نسيت أنني لا أفقه كثيراً في لغة الأرقام ولا في التجارة نفسها عندما قررت الالتحاق بها.
لكني كنت أقل حماسة عندما ظهر الهاتف النقال أو المحمول أو الجوال (حسب التعريبات الرسمية للمخترعات الغربية التي نستوردها من الخارج)، وصنفته من ضمن الكماليات الغير ضرورية حتى أصبح ضرورة حتمية في عملي ومن ثم –ولا أدري كيف ولماذا- ضرورة حتمية أكثر عندما توقفت عن ذلك العمل فصار كظلي يتبعني في كل مكان حتى صرت أشتهي السفر لأرتاح منه. لكن هذا الارتياح القسري لم يدم طويلاً، فقد تم اختراع تلك الخطوط التي تتيح للمحمول استقبال المكالمات أثناء السفر، فذهبت أحلام الحرية والانعتاق منه أدراج الرياح.
والمضحك أكثر؛ أنني كنت أستغرب دائماً تعلق البشر الشديد بكل ما هو قديم. فتجد أحياناً في مضافاتهم أو صالوناتهم سيوف أجدادهم معلقة بكل فخر، أو مدقة القهوة (المهباج)، أو خزانة قديمة يشرح لك صاحبها بكل زهوّ إلى أي عصر تعود، ويتفاخر الكثيرون بأسعار هذه الأشياء التي تغلو حسب عمرها المفترض أو الحقيقي لا يهم.
كل ذلك لم يحمني من إحساسي بالفجيعة عندما تخيلت يوماً قادماً، يتم فيه تصنيع أجهزة التسجيل خالية من تلك المساحة الصغيرة التي يدخل فيها شريط التسجيل ليسمعني ما أرغب في سماعه. وعندما تخيلت جيلاً قادماً لن يعرف ما هو شريط التسجيل. ترى هل انتاب شعوري هذا الأجيال السابقة عندما جاء شريط التسجيل ليحل بكل بساطة مكان الاسطوانات القديمة؟
ولماذا شعرت بالفجيعة هنا تحديداً ولم يصبني نفس الشعور عندما ظهرت أجهزة الكمبيوتر الحديثة من غير المكان المخصص للديسك (الفلوبي)، وخسرت الكثير من كتاباتي المطبوعة والمحفوظة على هذه الديسكات.
ربما لأني بدأت أشعر بالنقمة على السرعة الشديدة التي تتم فيها عملية التطور هذه؟
وأنني مهما حاولت الإسراع للحاق به فسأكون أبطأ منه؟
وأنه بدأ يسرق مني الكثير من الهدوء ومحاولاتي الفاشلة في التأمل؟
وربما، وهو المهم والأهم، أنني كنت أتمكن من شراء أربع شرائط تسجيل بثمن سي دي واحد. هذا طبعاً لأنني في دولة تصر على احترام حقوق النشر ولا تسمح ببيع النسخ المنسوخة عن الأصلية.
وربما، لأنني اكتشفت في آخر معرض كتاب زرته في الأسبوع الماضي أنه حتى دور النشر، وبفضل التكنولوجيا المتطورة طبعاً، أصبحت تصدر إصداراتها الجديدة بسرعة تفوق ما يحتمله وقتي كقارئة...
المضحك أننا كنا نسمي الزمن "زمن السرعة" منذ أكثر من عشرين عاماً.. ماذا نسميه الآن إذن؟ العصر الصاروخي السرعة؟ أم العصر الخارق لسرعة الصوت؟ الفرق بينه وبين الطائرات الأسرع من سرعة الصوت أن سرعته تحدث من غير دوي يزعج الأذن، ومن غير علامة بيضاء يتركها معلقة خلفه في السماء الزرقاء..
ما يتركه من أثر هو في نفوس البشر الذين لن يعرفوا سوى الركض، والركض السريع الذي لن يدع لهم المجال حتى لالتقاط أنفاسهم، أو لاستيعاب ما يدور من حولهم، مهما كان سخيفاً أو مهماً..
سيأتي يوم، لن يستطيع إنسان عصره التمييز بين شجرة طبيعية وشجرة اصطناعية، ولن يستطيع التمييز بين بقعة دم... وغيمة.
في رواية "عروس المطر" للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، تحاول بطلتها الفاشلة في شؤون المطبخ أن تعد طبقاً من حساء البصل فيبقى من غير طعم إلى أن تضيف له مكعباً من مرق الدجاج، فيصبح فجأة رائع المذاق.. فتقول:
"الوصفات الجاهزة، المخبأة في أدراج الأذكياء وجيوبهم؟ العالم وصفة جاهزة، النجاح وصفة جاهزة، كل شيء جاهز! الأجساد والطعام والحروب والملابس، كل شيء جاهز، وكل ما تستطيع فعله هو أن تجمع بعض المال، تحصل على سيارة رائعة وحساء بصل شهي، إنه شهي فعلاً، ولكنه زائف، ولا أستطيع تبرير شعوري بالزيف تجاهه، إنه غير حقيقي، شبح حساء.. سراب حساء، كذبة حساء، هويته ضامرة.
.. لقد كف العالم عن كونه جغرافيا للاكتشاف، ببساطة مبتذلة تقرأ يومياً لافتات على شاكلة: كيف تصبح مليونيراً، كيف تصبح محبوباً، كيف تصبح ناجحاً، كيف تعد حساء في عشر دقائق، كيف تحصل على بذلة رائعة في ثانيتين، كيف تقرأ كتاباً عمره ألف صفحة في نصف ساعة، كيف تشتري ساعة رولكس دون أن تغادر غرفتك، لم يعد ثمة ما ينبغي إنجازه، بات كل شيء يحدث بسرعة تشعرك بأن الوقت الذي تمضيه في إعداد طبق هو وقت ضائع، إن هذا الزمن كله.. زمن غشاش، والنجاح متوقف على قدرتنا على مواكبة الغش وتسميته "تكنولوجيا"، لأن كل أنواع السعي باتت سخيفة، وكل الأعمال الأصيلة التي تطهرنا من رجس الفراغ غير مبررة، يمكنك الآن أن تصنع حساء في غضون عشر دقائق، ألا يعتبر ذلك ضرباً من الابتذال؟
ولكن ما هو الأمر المهم في الحياة الذي يجعل الجميع راغبين بإنفاق أقل وقت ممكن في كل شيء؟ هذا العالم سريع جداً ولكن ليس ثمة وقت كاف لأي شيء، تستطيع أن تنجز كل شيء بسرعة ولكنك في آخر اليوم تشعر بأنك لم تنجز شيئاً، هذا التسارع لا يهبك الحراك ولا المضي، إنه قتل بطيء، إنه شلل.
وأنا، هنا، حيث تتداخل الماهيات في فوضى مقدسة ومدنسة، أشيح عن العالم الذي يتحرك خارجي، يتحرك في مكان ما هناك، مكان آخر، مكان يبدأ بعد هذا الحائط، وبعد ذلك الباب، وبعد تلك النافذة، مكان لا يعنيني بأي شكل، وأتساءل وأنا أتثاءب، كم سيستغرقهم الوقت لكي يجدوا عقاراً للإيدز، أو يكفوا عن الرقص في الفضائيات، أو يرقعوا ثقب الأوزون بغيمة سميكة، أو يرسلوا جميع الأسلحة النووية إلى المشتري.. في هذا المكان الذي يجوس في داخلي ويتحرك بين أصابع قدمي، أعد حساء بصل شهياً وغير أصيل".
أميرة أبو الحسن، عضوة فريق عمل نساء سورية - قراءات صباحية- (عروس المطر)
|