|
د. لين غرير
|
|
2007-04-08 |
أمسكت فنجان قهوتها بيدٍ خبيرة وأسرعت إلى طاولتها.. وضعت نظارتها ورشفت من القهوة الساخنة لتبدأ رحلتها الكتابية..
قلمها بين أصابعها يرقص طرباً, فقد انتظر هذه اللحظة منذ زمن. كثيراً ما وشوشته تلك الأصابع بالوعود وأملته أن تخترق معه جميع الخطوط الحمراء التي كُتبَ له أن يقف خلفها.. كثيراً ما خط على الورق في غفلةٍ من الأصابع القائدة حقيقةً قادرة على قتل صاحبها, ويستيقظ الإبهام من غفلته ليوقظ السبابة فيسرعان لشطب كل ما كتب, وإعادة الخط الأحمر إلى مكانه معززاً مكرماً.
اليوم فقط ستفي الأصابع بوعدها للقلم وستخط عباراتٍ طالما تمنى أن يلونها.. اليوم بعد أن هرمت تلك اليد التي تمسكه وظهرت عظامها بارزةً, وأمست الأصابع عجوزاً كصاحبتها. هل كان عليها أن تنتظر ستين عاماً من عمرها حتى تكتب ما تريد دون أن تراقب كلماتها؟؟ دون أن تخاف الناس وكلامهم, وتفسيراتهم الضحلة, وأدمغتهم الضيقة الأفق, وعواطفهم المكبوتة, وعقدهم النفسية الواسعة . الكاتب دائماً يصبح أصدق مع مرور الزمن, وكلما ازداد حمله من السنوات ازدادت جرأته في كشف أغوار الحقيقة وشحَّ تيار نهر الخوف الذي يرفده المجتمع ويرويه الناس.
كثيرةٌ هي الحواجز التي أحبت أن تُسقط الضوء عليها.. أن تلامس فيها النفس الإنسانية المعقدة, وكانت صبية في مجتمعٍ اعتاد على الخداع والرياء وطاقية الإخفاء والتستر على أمراضه, فكلما اقتربت من النار عادت خوفاً من أن تحرقها, لأنها ضعيفة.. تعترف اليوم أنها كانت ضعيفة, لكنها أرادت أن تعيش, والآن ما عادت الحياة تهمها وما عاد الناس يهتمون لكهولتها. أصبحوا يتقبلون أي حقيقةٍ لاذعةٍ مريرة
"تعيش في قلوبهم ولا يتجرؤون على النطق بها" من تلك العجوز التي لم يعد عمرها يغريهم بوضعها على مشرحة وأحاديث المجتمع .
اليوم أصبحوا يقرؤونها بتجرد ويحكمون بصدقٍ أكثر أو على الأقل يسكتون على جرأتها ويقولون: "إنها كاتبة كبيرة ويحق لها ما لا يحق لغيرها".
هاهو قلمها قد بدأ العمل وهو بغرد فرحاً وحبوراًَ , وكانت أول جملة يخطها على الورق: " طوبى لك أيتها السنين لأنك تعطين للإنسان حريةً أكبر وصدقاً أعظم وخوفاً أقل..." .
د. لين غرير – (حلم قلم)
|