|
رواية "الفخ".. بحث في تفاصيل الأمكنة والذات.. وإباحة المحظور |
|
|
|
د. نزار السليمان
|
|
2007-04-08 |
منذ القدم ومنذ أن اعتلي الرب عرش هذا الكون أباح عن ذاته فكانت كلمته مشيئته في تكوين وخلق عوالمه
وقصصه في خلق عوالم الوجود المادي والورحي فكان الاستبداد والاستلاب هما رحلة القدر، وكان تجلي صورة الرب في مخلوقاته البشرية تجلياً مضطرباً وملتبساً بتغير الحياة والأزمان وعواصف التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني والوجداني والروحي....
عائلة آل الصياد في رواية الفخ هي شاهد على هذه الرحلة الموغلة في القدم، هذه الحالة ( القديمة – الجديدة ) بدءاً من انتقال الإنسان بفطرته وجمال حريته وجمال الطبيعة وينابيعها، بدءاً من تدفق عواطف وغرائز الإنسان إلى حيز المحظور والجفاف والقحط واليباس وهجرة الخصوبة لتستحق أن تكون أسفاراً عبر الزمن لشخصياتها وأمكنتها بكل دقائقها وتفاصيلها , لتستحق أن تكون رحلة طويلة مهمة عبر الزمن بكل مفاجآته وتغيراته وما يعيشه الإنسان من أحلام وآمال , ما يتحقق مها وما لا يتحقق، ما ينكسر وما يتهشم، وما يتشظى وما يتلاشى، رحلة تستحق التأمل والوقوف على اطلالها للبحث في تفاصيلها وتعرجاتها وأسئلتها وأجوبتها.
من خلال هذه الرؤية وهذا البعد الملحمي وبشكل فني أقرب إلى الأسطورة مع كل ما يملك من الواقعية والملموسية اعتمد الكاتب إطاراً سحرياً ممتداً، خلق فيه خصيات الرواية وصاغ مكنوناتها مستعيراً الأحداث والأمكنة كقرائن ملموسة ومعطيات محسوسة لطرح أسئلة لا تنتهي ولتحاول الإجابة عليها كخلاص من هذا الضياع والمتاهات الأزلية، بهذا الإطار الواسع والمتعدد والمتنوع بأحداثه، بهذه الاستعارات الزمكاني – التاريخية – الثقافية – الاجتماعية والسياسية خلق الكاتب محاور مشعبة ومتعددة وحبكات متحررة عميقة وصعبة لرواية لها بداية ونهاية دون أن تبدأ أو تنتهي !!.
لشخصيات مأزومة – مرغومة على الفعل [قدرية] محكومة [مشروطة] بموروثها الثقافي، عائمة وهائمة على آفاق مجهولة المصير.
من قرية مسيحية، لكنها أقدم من المسيح، فهي تغور في القدم والتاريخ، تسكن التوراة، تبدأ رحلة عائلة آل الصياد بحثاً عن الحياة، بحثاً عن الذات ن وي عائلة لها ثقافتها وهويتها الخاصة، كتابها [كتاب الأجداد] وشجرة العائلة وهما مرجعها وقت الشدائد والمحن للحفاظ على استمرار خصوبة ونسل [استمرار] العائلة. وتستمر هذه الرحلة لتصبح فيما بعد محكومة بقدر عجيب غريب، حالها حال هذه القرية وحال هذه البلاد.
إذ ترث هذه العائلة كل الموروث الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي. هذا الموروث الذي يخضعه الكاتب لتساؤلات عميقة وجدية. يثير من خلالها ذهنية وعقلية ومشاعر وأحاسيس القارئ وكثير من التساؤلات لدى الشخصيات للبحث عن شروط وأسباب أفضل لحياة بشر يبدون عاجزين عن تفسير ما يحصل معهم وحولهم، بقدر ما هم عاجزون عن الحاق بركاب الرقي والتقدم بل هم يصابون بالدهشة والانبهار أمام صدمة الحضارة والصناعة.
لأن المناخ الذي يعيشون فيه قاتم مستولد من رحم الخرافة والأسطورة والغيبيات ومن ظروف الاستباحة المستمرة والمزمنة لعقول هلامية تهيم وسط بنى موروثة هشة ساذجة، وأحداث متلاحقة وسريعة مستجدة تهاجمهم كالإعصار تستولد ذات الحالة وذاك والخراب، فينعدم توازنهم وتضطرب شخصياتهم فيبدو الإنغلاق والتقوقع حتى الموت هو الحل النهائي والطبيعي لهذا السباق.
رواية الفخ مكتوبة بحرفية ممتازة، بلغة سردية رفيعة المستوى وراقية جداً في بعض الأحيان، عناية شديدة بالشخصيات.
الكاتب هو الراوي ن فهو شاهد على العصر والتاريخ. والشخصيات الأساسية [أبو شاهين] هو شاهد على هذا التاريخ الموغل في القدم، وهو جزء من تفاصيله، وهو الذي يعيش تقلبات الزمن مع أبنائه ويمتلك من القدرة والخصوبة بما ورثه عن أبيه [بعل الصياد] تكفيه لألف عام.
لكن هل تتجدد هذه الخصوبة بأولاده الذين سوف يموتون بعمر الخصوبة [30 عاماً] لأسباب وبظروف مختلفة.
هذا ماترويه الرواية.
اعتمد الكاتب اسلوب الوصف الفضفاض الواسع والدقيق بنفس الوقت، كأنه تشريح وصفي، متعب أحياناً لكنه يأسرك بعد حين في تفاصيله وخفاياه ن وهو وصف سريري للشخصيات وردود فعلها وعلاقاتها بالزمان والمكان لتبدو الأزمنة والأمكنة والتواريخ والأحداث والمشاعر والانفعالات والنفسيات والذهنيات....إلخ حاضرة أمامك للتو وكأنك شاهد على ما يحدث أو كأنك جزء مما يحدث ويدور في مخيلتة وعقول أولئك الشخصيات، كأنك تلامس روحهم ووجدانهم وتعبيراتهم.
رحلة آل الصياد هي رحلة حياة اقتصادية – سياسية – اجتماعية – تاريخية – ثقافية – سوسيولوجية لعائلة، لقرية، لبلد، ربما لأمة ترصد مشاكلها وفاياها لتبيح المحظور الديني والجنسي والسياسي قامت دار المدى بطباعة ونشر وتوزيع هذه الرواية رغم أنها التجربة الروائية الأولى للكاتب.
أرجو أن نتال العجاب وإلى مزيد من الأعمال للدكتور عماد.
"الفخ": رواية للكاتب الدكتور عماد طراد- صادرة عن دار المدى عام 2007
د. نزار السليمان- (رواية "الفخ".. بحث في تفاصيل الأمكنة والذات.. وإباحة المحظور)
|