|
ندى ربيع
|
|
2007-04-08 |
وحيدةً بين أغصان شجرة تُجابه ريحَ الخريف... ما يزال فيها جانبٌ أخضر يرفض الاستسلام للفناء..
كانت تتشبّث بالحياة بقوّة من تعوّدت المكوثَ عزيزةً في قمّة شجرة.. تهمس للعصافير صباحاً.. وتحاور النّجوم ليلاً.. تنظر بمحبّة، وبقليل من التّرفّع إلى كلّ ما يحيط بها.. تحبّ الحياة، وتحلم أن تظلّ حيث هي.. لم تكن تطلب الكثير؛ كان يكفيها أن يلقي أحد المارّة نظرةً عابرة إليها ويبتسم معجباً بصمودها في وجه الرّيح..
كنت أمرّ بها كلّ يوم وأرمقها بكثيرٍ من الإكبار.. أحترم حبّها للحياة وتمسّكها بها.. حتّى وهي ترتعش فَرَقاً من أن تتحوّل كشقيقاتها إلى ورقة صفراء يابسة تدهسها الأحذية العابرة..
أيّامٌ عديدة مضت.. وهي وحيدة تقاوم أصابع الموت الخفيّة الّتي تتسلّل إليها وتسرق كلّ يومٍ شيئاً من خضرتها العنيدة..
خطر لي أن أتسلّق الشّجرة وأشدّها إلى غصنها بخيط عسى أن أجنّبها المصير المؤلم الّذي ينتظرها.. ولكنّني خشيت أن أُتّهمَ بالجنون.. فتركتها ومضيت في طريقي..
في اليوم التّالي بينما كنت عائدة من العمل.. رفعت بصري كعادتي لألقي التحيّة على صديقتي المُحتضرة.. فلم أجد شيئاً.. ألمٌ شديدٌ عصف بقلبي حين شاهدتها على الرّصيف تقذفها الرّيح بين أرجل المارّة.. جريت أحاول الإمساك بها.. لكنّ حذاءً أسود سبقني إليها ودهسها بقسوة فطحنها دون أن ينتبه إلى صوت استغاثة عميقٍ خرج من أحشائها ممزّقاً وجه الأفق.. نظرت حولي فلم أجد أحداً يكترث.. وكأنّ أحداً غيري لم يسمع تلك الصّرخة الموجعة.. تتابعت الأقدام على تلك الجثّة الصّغيرة.. وفي كلّ مرّة كنت أشعر بالألم يخترق عظامي وكأنّ شيئاً قد تحطّم في داخلي..
نجحتُ أخيراً في الوصول إليها.. كانت محاطة ببركة من ماء المطر الّذي بدأ ينهمر منذ قليل.. انحنيت عليها أحاول لملمة ما تبقّى من جسدها الهشّ.. فأذهلني أنّني أمدّ يدي لألمّ ملامح وجهي عن حجارة الرّصيف..!!
ندى ربيع- (الورقةُ الأخيرة)
|