|
كل عام وكل الأمهات بخير.. يد الرسولة |
|
|
|
جبر الشوفي
|
|
2007-03-23 |
أمي التي ماتت فجأة, ولم تخبرني أين خبأت لي حوائجي, رحت أهزها بقوة وأصرخ : أمي .. أمي ..أين خبأت حوائجي..
ابتسمت أمي ابتسامة حزينة ذابلة, وضمتني بما تبقى لها من قوة ولم تجب, بل ارتخت يداها وأسبلت عينيها ولم تنطق بعدها بحرف.
جحظت عيناي الغارقتان بدموع غزيرة لاذعة, ورحت أغوص في لجة من صفار ممتقع صاف,وانفتح الصفار أمامي عن مرآة كونية لا متناهية, ورحت أغوص وأغوص والصفار يبتلعني .
أحسست باختناق وغثيان كبيرين, وراحت المرآة الكونية, تضيق وتضيق وتطبق على صدري عتمة صفراء لاهثة تهزني وأنا أصرخ وأرتجف : أمي.. أمي
والدي الذي أدرك قوة الوهم في خلق واقع ما أو في التغلب عليه, قال لي :" أمك ذهبت لتجلب لك الشوارب التي خبأتها لك "
وتذكرت. كانت أمي قد وعدتني بشوارب مثل شاربي والدي الكثين الخشنين حينما تصبح شفتي الناعمة صلبة قادرة على تحمل ثقل الشارب. وقالت لي حينها : " وصوتك كمان بصير خشن متل صوت بيك " وأضافت مبتسمة : " وساعتها منزوجك بعروس حلوة كمان " وابتسمت .
وتحسست موضع الشاربين, كانت بشرتي لم تزل ناعمة غضة ولم يكن فيها أي أثر لشعرة واحدة فصرخت: " بديش, بدي أمي "
وضمني الوالد يقوة وحنان, وتدحرجت دمعة تلتها دمعات غزيرة على عنقي, ورجت أصعد نظري فيه وهالني كيف الجبل يهتزّ !! لحيته الكثة راحت تقطر ماء صافياً, وأنا أحدق فيه مدهوشاً.
كانت تلك أول مرة أرى فيها دموع والدي, واحترت الآن ولم أزل متحيراً وأنا أقف الآن أمام ذكراهما, كيف يمطر القهر والحزن كماً هائلاً من دموع صافية كالزلال. وقتها فقط أدركت كم كان يحب أمي ويفتقدها. وها أنا أدرك الآن أن كلّ تلك الدموع لم تكن فقط رحمة بي, بل كان قلب الصخرة قد انفطر للغياب المفاجئ الفاجع للزوجة, إضافة لذلك.
دفعني الفزع والفراغ والوحشة الهائلة إلى زاوية معتمة, لا أفق لها ولا فرجة ضوء, ورحت في كلّ ليلة أتلمس موضع شاربي وأنتظر وأنا في عتمة الفراش فيزورني طيف أمي ويناجيني وأناجيه حتى يغلبني النعاس, فأنام مغموراً بعبقها الكوني وبهالة قدسية من شغف وشوق ورحمة.
وفي ليلة ما.. كان شارباي قد نبزا, أحسست بانتفاخ في شفتي العليا ورحت أحكّهما فتتفتح مسام جلدي عن زرع غض خجول وابتهجت...
اعتذرت من طيف أمي وتخلصت من يدها الرسولية الناعمة وركضت إلى المرآة.
كانت شعرات ناعمة متفرقة تشكل ظلاً خفيفاً لشاربين واعدين, فابتلعت خيبتي. كنت أظنّ أن الشاربين ينبتان فجأة وبكثافة وطول مناسبين دفعة واحدة, ودفعة واحدة أغدو صورة عن والدي.
وابتست أمي.. طيفها الملكي أحاطني بابتهاج, وامتدت اليد الرسولية تمسح على رأسي ووجنتيَّ من جديد. فقلت : " شكراً يمي .. ها قد وفيت بوعدك و عدت لي بالشاربين الواعدين ! "
وبكيت من جديد.. كان لا بدّ من دموع اليفاعة ليُسقى الشاربان اليافعان وينموا .. أحسست وحشة كبيرة وفراغاً هائلاً حينما راح جناحها الملكي الرحيم ينحسر عني ويغيب رويداً رويداً في عالم الغيب.
وقلقت شهوراً..صار العبق الحنون يفقد دفئه يوماً بعد يوم, ورحت أتقلب في فراشي قلقاً متلمساً موضع اليد الرحيمة فلا أجد إلا ظلالها.
تيبّس شارباي واخشوشنا وصارت يدي الرحيمة تمسح بحنو على رأس أولادي وتتحسس وجناتهم كل ليل ولم أزل أتلمس أنامل أمي على رأسي وعنقي. وها أنا ذا أحمل يدها المباركة وأمسح رأس أحفادي وأعناقهم ولم تزل يد أمي رسول حنان يمسح رأسي كلّ يوم, ويغمرني ماء زلال من دموع أبي !!
جبر الشوفي- (كل عام وكل الأمهات بخير.. يد الرسولة)
|