|
منتهى علي أسد
|
|
2007-03-23 |
أمي.. ماذا سأحكي للبنفسج إن سألني يوما عنك؟!.. أأقول له بأنه نما منذ الأزل في نهديك؟!.. أم أنني أقدمه في كل عيد باقة حب بين يديك..
أطرق رأسي خجلا..
محاولة استذكارك في كل لحظات الحياة الماضية، منذ كنت الجنين الأخير في رحمك والطفلة الأصغر بين ذراعيك وآخر من أفرغ ثدييك من الحليب، إلى أن أيقظتني صباحا لأذهب إلى المدرسة في يومي الأول ووضعت لي خبزة الزعتر في حقيبتي، ووقفت كصفصافة تتمايل فرحاً تنتظر عودتي..
كيف سأروي للياسمين بأن بياض قلبك أكثر بكثير من بياض وريقاته.. وكيف زرعت المحبة، والصدق، والتسامح في روض طفولتنا وكنت الأم والملاك في مهد حياتنا..
أمي..
أنت في العقد الستين ولكن شذاك ما زال عابقا بيننا وفي كل ركن من أركان البيت لك فيه ذكرى أجمل.. هنا تجلسين.. وهناك تنامين بعمق بعد التعب.. وخلف الباب تنتظرين عودتنا.. وعلى الحائط صورة لك.. وفي الزاوية ثيابك المبعثرة.. أنت في حياتنا تملئين كل تفاصيلها وتحتلين ذاكرتنا وتبقين فيها سرمدية في نواتها الأعمق..
أمي..
كل اللحظات أمر بها وكأنني أحتاج إلى حياة أخرى ما بعد الحياة ذاتها لأحكي عنك.. في21\آذار من كل عام يأتي أقف باستحياء مطلق أمام عينيك وأشعر بأنني يجب أن أبقى دهرا بأكمله تحت التراب أمام حضورك المليّ في حياتي، كل الهدايا تفقد قيمتها أمام كلمة صغيرة أقولها لك في عيدك"أحبك حد القداسة"و أن أفرغ شحنة من الحب الفائض بين ضلوعي في قبلة صغيرة أضعها على خدك الندي..
أمي..
كل الكلمات تسقط في قاع البئر وتتلاشى خشية من عظمتك، يا حواء الكون وقد يسة الزمان وأسطورة الماضي في لغة الحاضر.. على صدرك أخبئ رأسي كعصفور هرب من برد الثلج إلى دفء الحياة، أشم رائحة الليلك في ثيابك فأندس أكثر وأكثر في حجرك الدافئ، تتغلغل أصابعك في شعري تداعبني وتمسح عن جبيني تعب الأيام وأغفو على ركبتيك وأنام كأنني لم أنم في حياتي أبدا..
أمي..
عندما تضحكين يزهر النخيل على واحات حزنك، وعندما تحزنين تجف مياه السواقي بين سهول جفنيك..
ماذا أسميك وكل الأسماء تردد صدى روحك، أأنت نعمة الله على الأرض! أم أنك الإله الذي لم يكتشف بعد!
انك السماء بحنانك تمطرين حباً في صحرائنا القاحلة وتنثرين حبيبات المطر في روحنا وثنايانا..
21\آذار كذبة اخترعتها البشرية لأن تتذكر بها أن تقول لأمهاتها \كل عام وأنت بخير\.. أنت من أعطيتنا جزءا من جسدك وصبغياتك واحتضنتنا تسع شهور داخل روحك وبين أوردتك ووصلت حد البرزخ الفاصل بين الحياة والموت في ولادتك لنا.. أيعقل أن تكفينا ثوان حتى نعبر عن الإحساس المتراكم داخلنا تجاهك..
إننا نحتاج إلى مئات السنين الضوئية حتى نعطيك جزءا مما أعطيتينا، ونحتاج إلى أبدية أخرى حتى نعطيك قطرة ماء من بحرك الذي وزعته علينا..
أمي..
يا عشتروت الأزلية والأبدية الخالدة.. أخجل حين أكتب عنك، فأنا لا أعطيك إلا ذرة صغيرة من هواء الكون الساكن في أنفاسك، تفقد الكلمات معناها أمام الإحساس المفرط بحبي لك، وتبقين أبد الدهر عصية عن التعريف أو الكتابة والحلقة المفرغة في هذا الكون التي لا تملك بداية ولا نهاية..
منتهى علي أسد- 20\3\2007- (باقة حب)
|