|
الجزء الثاني من ملف: "الشباب والمواطنة" |
|
|
|
رشا فائق، موريس عائق، راما نجمة، وائل قدور
|
|
2007-03-23 |
|
صفحة 4 من 5
المواطنة على المحك
وائل قدور
أخي المواطن.. من المؤسف أنه آن الأوان لإخبارك بأن كل ما تلقنته أو حُشي في رأسك من المدرسة أو البيت أو وسائل الإعلام المتنوعة.. كل المعلومات والقيم والأفكار والمبادئ.. كل ذلك حان وقت إخضاعه للامتحان الحقيقي ووضعه على المحك.. بداية سنفترض أن كل ما عملت مؤسسات التنشئة على تلقينك إياه هو صحيح ولا غبار عليه لا من ناحية الفكرة ولا الأسلوب.. والآن سنتركك للمعلم الأكبر.. نعتذر ولكننا سندفعك من عشك لتسقط في الهواء ولتتعلم من كيسك..
منظومة الفوضى!
"فقدنا حس الدهشة عندما نرى شخصاً يُضرب أو شرطي يمد اليد أو مسؤول يستهتر بالقانون ويتجاوزه.. الشرطي كان مواطناً عادياً ولكن حاجته المادية دفعته لذلك، وموقعه اليوم هو للمزاد العلني، فشرطي الجمارك على الحدود فرصة ذهبية يتقاتلون للحصول عليها، المسؤول حارس من حراس القواعد لمصلحة المواطن، ولكنهم تحولوا إلى فاسدين، عندما ينهار القانون ينهار كل شيء. نحن بسبب الرشوة اليوم أصبحنا أقارب، أبتسم للشرطي مع الرشوة فأتجاوز كل الخطوط والألوان."
فايز قزق – ممثل ومخرج مسرحي
وحدها التجربة تعلمك أن الوقوف بشكل نظامي لاستكمال أوراق معاملة هو ضرب من الغباء، ترى غيرك وهو يقفز ويلتف وتتعلم منه حرفية وضع النقود في يد الموظف أو دسها بين الأوراق، تخرج من الدائرة الحكومية وقد نسيت كل ما له علاقة بالدور والنظام.. طبقات من التجربة تتكدس تدريجياً على معلومات وأفكار لم تعد تجرؤ بعد اليوم على قولها أو ترجمتها إلى سلوك ملموس فقط لأنك لا تريد أن تكون غبياً...
يتابع الفنان فايز قزق قائلاً: "معظم موظفينا لا يعرفون الدساتير الداخلية لعملهم، ولا يوجد سلطة أعلى تأخذ على عاتقها إفهام موظفيها قوانين عملهم. الموظفون لا يعرفون حقوقهم وواجباتهم، إما أنهم يعملون ويكدون بدون أدنى مكافأة لعملهم أو أنهم يتسيبون ويقدمون الأعذار وفي النهاية أيضاً يحصلون على راتبهم. في مديرية المسارح أكثر من 200 فنان ولأكثر من 15 عام لم يقدموا عملاً مفيداً ويقبضون مرتباتهم آخر الشهر. هذا نوع من الدماغ الفاسد، قبض مرتب شهري بدون إنتاج لمصلحة الناس، هذا فساد واضح ينخر في جسد الدولة، نتحدث عن فنانين يقبضون مكافآت ومرتبات! وفي المقابل هناك من يعمل ويُحقّر في المكان ويُكفّر برأيه، ويُقاد إلى منطقة يكرهها، وبالتالي يكره المكان لأنه مشلول القدرة. المواطن كائن لديه الرغبة بأن يكون منتج لما هو ضروري للحياة، والجانب المعنوي في أي عمل يوازي ضرورة وأهمية المردود المادي، نحتاج موظفين وعمالاً يؤمنون بوجودهم وقدرتهم على إنتاج الضروري والجيد للحياة، كيف يمكن تغذية المناخ ليكونوا هؤلاء هم الكثافة، يكمن الحل بتأمين الوسط المادي المريح لهم قبل أي شيء."
رجال بلا شوارب..
أبو حسن: "شاربي شارب امرأة إذا كنت أكذب"
رئيس المخفر: "تفو عليك وعلى شواربك، لا وقت لدي للقيل والقال، تكلم وإلا كسرت رأسك"
أبو حسن: "لم يخلق بعد الشخص الذي يكسر رأس أبو حسن، اسأل عني أهل حارتي فتعرف من هو أبو حسن"
رئيس المخفر وقد ازداد غيظاً: "يا كلب.. إذا لم تعترف سأضربك بالحذاء وأضرب أهل حارتك"
أبو حسن: "لا داعي إلى التمادي في الكلام، كن رجلاً، والرجل يعرف قدر الرجال"
زكريا تامر – من مجموعة"النمور في اليوم العاشر"
ينتزع رئيس المخفر اعترافاً من أبي حسن بأنه السارق تحت التهديد بحلق شواربه إن لم يعترف، وبمجرد أن يلفظ أبو حسن ب(اعترافه) ينقض رئيس المخفر على شوارب أبي حسن ويجهز عليها بالمقص.. تتابع الشرطة ضرب أبي حسن وشتمه ثم ترفعه فلقة، ويقوم رئيس المخفر أخيراً بإجبار أبي حسن أن يقول الجملة التالية بصوت مسموع: "أنا امرأة ولست رجلاً..".
يتعهد أبو حسن بالانتقام، ولن تكتمل القصة إلا باللقاء الذي يجمع أبا حسن في الزنزانة مع طفل في الثانية عشرة من عمره أقدم على ذبح أمه لأنها كانت "تطهو طعاماً لا تأكله حتى الكلاب الجائعة"... يقدم لنا زكريا تامر من خلال هذه القصة مقاربة حارّة لنماذج انسحبت على آلاف السوريين ويقدم لنا ببساطة الآلية التي يتم عبرها نسف سيادة القانون وصناعة مجرمي الحاضر والمستقبل!
شوارع الحاضر.. مجرمو المستقبل..
هل هناك من طريقة بعد لانتهاك الشارع ولم نجربها؟! رداءة الشوارع، الحفريات التي لا تنتهي، أكداس القمامة، السيارات المنفلتة من أي عقال، التجاوزات المرورية، الازدحام ووسائل النقل (البدائية)، المعمار العشوائي والبشع..يقول فايز قزق: "كيف نطالب طلابنا أن يرسموا ويبدعوا في درس الرسم وقد رأوا كل الزبالة وهم قادمون للمدرسة؟! شوارعنا عبارة عن مناظر غير قادرة أن تعطي الرغبة للمواطن بالعمل. بنينا ضواحي البلوك البشع حيث الدعارة والتهريب والأعمال القذرة، عندما لا ينتفض المسؤول لتغيير الوضع فهو فاسد لأنه يستفيد –بشكل من الأشكال- من الوضع القذر حول المدينة، يستفيد ولا يريد تغيير الوضع فهو مستقر على مسألة احتقار المواطن وجعله مستجدياً حاجاته الأساسية. لن يستفزني أحد للدفاع عن سوريا عندما يكون طريقي بشع، ومؤسستي قذرة، والفساد بالمرصاد ليبشع كل شيء حتى الإنسان. بهذه الطريقة سننتج مجرمين أكثر من المبدعين، أولاد يتكاثرون حول دمشق لبيع المحارم والدخان، هؤلاء مجرمون قادمون، في الرقة أيضاً شاهدت أطفال يسوحون بالشوارع، تركوا المدرسة، كيف يمكن لمحافظ الرقة أن يرى هؤلاء الذين هجروا المدرسة ولا يعنيه الأمر؟ رفقاء الحزب وكافة المسؤولين؟ هؤلاء الأطفال لا يعرفون ترديد النشيد السوري، يعملون في السيارات والمطاعم، حسهم عدائي تجاه الوطن ولن يعنيهم الوطن في المستقبل ومن الصفاقة أن يتساءلوا كيف تكاثر المجرمون في الرقة وغيرها من المحافظات! هذا التعامي هو قتل لحس المواطنة.".
الانتظار...
"جميع قاطني الأحياء العشوائية يمارسون فعلاً واحداً.. الانتظار.. ولكن انتظار ماذا؟ ما هو شكل الخلاص الذي ينتظرونه؟ هل هو ((عمارة مرتبة نسكنها كبني آدميين)) كما تقول سميرة.. أعتقد أن خلاصهم هو أن يكونوا مواطنين.. إنهم حقيقة لا يحلمون بشيء أكثر.."
حسن سامي يوسف – كاتب
يتحدث الكاتب حسن سامي يوسف عن تفاصيل معاشة وملامسة لحياة آلاف مؤلفة من الناس قاطني ضواحي دمشق ومناطق المخالفات.. ببساطة ماذا يحدث عندما يسكن أحدهم في منطقة عشوائية؟
"مشكلة هؤلاء الناس أن ظرف معيشتهم أبعد ما يكون عن المواطنة، إنها ليست حارات شعبية.. إنها مناطق عشوائية مخالفة للاستهلاك البشري.. إنهم ينتمون لمكان مرتجل في الوقت الذي من المحال أن يكون الوطن مكاناً مرتجلاً.. عندما يحيا هؤلاء الناس في هذا الحضيض فمن الطبيعي أن إحساسهم بالمواطنة سيقارب الصفر.. من المؤسف أن تعداد سكان هذه العشوائيات أكثر من نصف سكان دمشق.. كيف سنقنع هؤلاء السكان بأن يلتزموا بالمواطنة وأخلاقياتها وأن لا يفكروا بالهجرة؟!.."
يعكس لنا مسلسل الانتظار عشرات من نماذج اليومي السوري.. فأحدهم مسكون بهاجس السفر إلى دبي، وهو مقتنع بأن الحياة هناك ستفتح له آفاقاً جديدة ولكنه وبحسب قول المؤلف: "لم ينجح بأن يكون مواطناً هنا ولا مغترباً فاعلاً هناك لأنه غير مؤهل لا لهذه ولا لتلك... لن تبدأ مشاكل هؤلاء البشر بالحل إلا إذا قام الآخر بأخذهم بعين الاعتبار، أي أن تتم معاملتهم كشركاء تربطهم مع المحيط مصلحة واحدة هي إقامة صرح اسمه الوطن..".
المواطن.. الكومبارس..
"سالم: بتعرفي كم دور آخد بهالمسرحية؟.. 7 أدوار!
ندى: وبتموت بكل الأدوار؟! مو معقول!
سالم: الله عليكي.. مبين عليكي بتفهمي بالمسرح منيح! أنا بموت حسب الطلب.. وأنا عسكري بموت فداء للوطن.. وأنا شحاد بموت من الجوع.. وأنا مواطن بموت من الهم، وإذا كنت آخد دور حرامي بيجوا حرامية أكبر مني وبموتوني.. مثلاً لما بكون متظاهر بيجو بياخدوني وبيساوولي قتلة مزبوطة وبيعملولي إضبارة وبيمنعوني من التوظيف، بس بتعرفي والله شفتلك أحسن شغلة هي شغلة الرقاصات.. والمخبرين كمان.. قال هدول دائماً محتاجين إلن وشغلن ماشي.. المهم منخلص المسرحية ومنطلع كلياتنا ممثلين وكومبارس قدام الجمهور ومنغني أغنية النصر.."
من فيلم الكومبارس – سناريو وإخراج: نبيل المالح
إننا لا نتحدث عنك أخي المواطن.. إننا نتحدث عن شخص يعاني من ضروب الكبت والحرمان العاطفي والجنسي.. شخص يحب ويهلوس بالزواج ولكنه لا يملك بيتاً.. شخص يدرس ولكنه مضطر للعمل في إحدى الكازيات.. شخص لديه حلم وطموح في الأضواء والظهور ولكنهم أبقوه كومبارساً في المسرح.. شخص يخاف من المخبرين ويرتعد لدى سماع صوت يأتي من الخارج.. شخص يعاني من الدونية والنقص ويعيش استيهامات القوة والتفوق.. أشخاص ينقلون خوفهم معهم أينما حلوا.. الخوف من الآخر والحب والجيران والأهل والمجتمع والقيل والقال.. أشخاص لا يقدرون إلا على لعب دور الكومبارس..
باي ثقافة.. باي مواطنة..
هل مللنا من الحديث والإشارة إلى غياب أي ملمح ثقافي حقيقي في حياة الناس؟ هل كان من قبيل المصادفة أن الفعل الثقافي حمل على مر العصور شعلة النهضة والتنوير ونشر الوعي بين الناس؟ أليس الوعي هو وعي بإنسانية الإنسان.. حاجاته الحقيقية.. دوره في المجتمع.. حقوقه وواجباته.. موقفه ورأيه.. وجوده.. مواطنته؟
يقول الفنان فايز قزق: "العاصمة ليس فيها سينما نذهب إليها أسبوعياً، السوريون لا يعرفون المسرح، لا يعرفون عنه إلا ما يبثه التلفزيون السوري، وما يبثه هو ضد المسرح وضد الثقافة بامتياز، إلى الآن يلوكون مضغة مدرسة المشاغبين وما مات من رداءات التمثيل والإخراج السيء، يعلّمونهم الكوميديا بأردأ أشكالها، هناك قنوات خصصت ليكون العرب أذلاء لدمعتهم، روتانا ومزيكا، هؤلاء معنيون بكسر خشم العرب من الناحية الحسية، يقدمون عبر كلاسيكيات السينما المصرية وأفلام الميلودراما ما أكل عليه الدهر وشرب، وشبابنا يلوكون الدمعة.. دمعة عبد الحليم، كانوا عظماء في زمنهم ولكن أين عظماؤنا؟ لا وجود لهم، إما أنهم قُمعوا أو هُمشوا أو تم شراؤهم..".
خاتمة..
بلا تعليق...
|