|
إياد شربجي
|
|
2007-03-23 |
بعد"غزلان في غابة الذئاب" ارتفع صوت الرقيب عالياً من جديد، فقد رأى أحد الإداريين الإعلاميين في المسلسل التلفزيوني المذكور ما أسماه بكل بساطة(خيانة وطنية).!!، وبتنا الآن نسمع أن رقابة التلفزيون عادت إلى مواقعها السابقة، وبدأت بالفعل بممارسة رقابة شديدة على الأعمال التلفزيونية، ما يعني أن تراجعاً ملحوظاً سيطرأ على جرأة وجدية الأعمال السورية المعاصرة التي تميّزت في الأعوام الأخيرة.
هذه التهمة الغريبة البغيضة جسّدها مسؤول إعلامي كبير آخر وإن بعبارات ألطف رداً على كاريكاتور صحفي نشرته الزميلة جريدة الاقتصادية مؤخراً وظهر فيه رجل يحيّي ساريةّ يرفرف فوقها كرسي بدل العلم، فقد اعتبر المسؤول ذاك الكاريكاتور تجاوزاً للمحظور وإساءة شديدة للمواطن السوري..!!، منبهاً إلى ضرورة تشديد الرقابة على ما يُنشر.
صحيح أن ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة من ارتفاع في سقف الرقابة الإعلامية والفنية كان لافتاً، وقد لمسه الجميع وتقبلوه بغبطة، لكن دعونا لا ننظر إلى الأمرعلى أنه منحة أو منّة تستوجب العرفان، فنحن نعتبر ذلك تجاوباً ذكياً ومرونة مع ما يشهده العالم من تطورات على مستوى تدفق المعلومات وتسللها بغير رقيب، وننبه السلطات الرقابية -وبكل محبّة- إلى أنها ستكون هي الخاسرة إذا ما قررت التراجع، وندعوها إلى ضرورة توسيع الهوامش لا تضييقها، لأن في ذلك خيراً للجميع، ونطمئنها للنتائج لثلاثة أسباب:
- أولاً: إننا كمواطنين سوريين –وكصحفيين وإعلاميين على وجه الخصوص- نعرف ما هو المسموح وما هو الممنوع، وقبل أن ننشر مادة أو نصوّر نصاً تلفزيونياً نجري مسبقاً تلك المحاكمة الذاتية، فنضع أنفسنا مكان الرقيب ونفكر بطريقته، ثم نحذف ونقص كل ما من شأنه أن يثير المشاكل، إذن من هذه النقطة، لا خوف من أن يقوم أحدهنا بخرق المحظور بشكل فاضح وصريح، فكل منا في النهاية يرغب باستمرار مشروعه، وقبل كل شيء هو يرغب بالحياة...
- ثانياً : إن السلطة هي المستفيدة من توسع مناخ الحرية في الإعلام، لأنه يمنحها مظهراً يساهم في دعم موقفها السياسي، وتجميل صورتها أمام العالم الديمقراطي، ناهيك عن أن تلك الحرية هي متنفس بحد ذاتها للمواطنين، وشكل مشروع وغير خطير لتفريغ الكبت والضيق.
- ثالثاً والأمر الأهم أننا كمواطنين سوريين نتمتع بالقدر الكافي من الوطنية والحس بالمسؤولية تجاه بلدنا، وربما أثبتنا ذلك مليون مرة على الأقل، ونحن معنيون -مثلنا مثل فروع الأمن، وأجهزة الحكومة الأخرى- بالحفاظ على الأمن الداخلي، وتصدير سورية للخارج بشكل صحيح، لكننا قد نختلف مع تلك الجهات بطريقة رؤية الأمور، والزاوية التي ننظر منها.
بكل الأحوال يجب على السلطات أن تعرف أخيراً أن الحريات تساهم في نشر ثقافة المحبة والتسامح، وتقلل من أسباب ودواعي الخصومة والشقاق، وأعتقد أن هذا مبرر كافٍ بحد ذاته ليراجع الرقيب حساباته إذا ما نظر إلى الأمور من منطق أوسع وأكثر استراتيجية على الأمد البعيد.
إياد شربجي- (الرقابة من جديد)
مجلة شبابلك (آذار 2007)
|