|
بانة حسن الصفدي
|
|
2007-03-17 |
في أحد الأيام كنت متوجهة إلى إحدى المكتبات أبحث عن كتاب لنوال السعداوي ولدى دخولي وسؤالي عن الكتاب لم أتلق من وجه البائعة نظرة شذر واستهجان فقط، وإنما بضعة كلمات محذرة من أن القراءة لهذه الكاتبة والتأثر بأفكارها أمر خطر!
ولو لم أختصر الحديث القصير الذي دار بيننا لكنت سمعت ما لا أود سماعه خاصة من امرأة, كنت في أوائل العشرينات من عمري آنذاك... خرجت وحالة من الدهشة تغمرني كنت قد قرأت لهذه الكاتبة قبل أن أسعى لشراء كتاب من كتبها ولم تبد لي أفكارها مرعبة أو مخيفة ولازلت أكن لها كل التقدير لأنها كانت بوابتي الأولى للاطلاع على ما تعانيه المرأة المصرية بشكل خاص والمرأة الشرقية بشكل عام.. واستمر معي الشعور بالدهشة كلما سمعت صفة مشينة وجارحة تطلق على أشخاص جريئين ومبدعين كل في ميدانه وهمهم الوحيد لفت الانتباه إلى الألم والأذى والبؤس الواقع والمتفشي.
فما بال هؤلاء الذين يطلقون اللعنات تارة ويتهجمون بعدوانية مكفرة مهددة تارة أخرى..؟ وما الذي يخيف بأفكار هؤلاء الأفراد المسالمين حقاً فهم لم يهددوا أو يتوعدوا وعلى العكس دفع العديد منهم حياته ثمنا لكتاباته وآراءه وبصمت. وما قصة حملات التكفير والتعاون مع أطراف خارجية ولماذا كلما أراد أحدهم طرح فكرة أو قول رأي يعمل على شرح وتدقيق بعض الكلمات لئلا تفهم بسوء نية معتادة.. ولما سوء النية في الفهم هذا أصلا....؟ العديد من الأسئلة أرقتني من جهة واستفزتني من جهة أخرى ولسنوات عديدة.. وكان لا بد لي من أيجاد الجواب
ولذلك قررت الدخول في رحلة مغامرة لاستكشاف ما تخفيه حقيقة هذه العبارات وأية دلالات تحمل...
فكان علي أولا أن أحصر انتباهي في الصفات المشينة الفظة والجارحة التي يتم إطلاقها والاتهامات التي يجري لصقها هكذا وجزافا...... والموضوعات التي تستفز عند الجمهور المتلقي كل هذه العدوانية والعنف.... وفي الواقع وجدت نفسي أمام سلسة معقدة من الأفكار المتداخلة كان لا بد لي من تحليلها لكي أستطيع فهمها ولكي أجعل الأمور ميسرة للفهم قمت بإرجاع هذه الصفات التي يتم إطلاقها والعدوانية المستثارة عند مجموعة من الأفراد أو الجماعات إلى الفرد ففي عمقها هي فكرة فردية تبنتها جماعات فعندما يقوم شيخ ما على سبيل المثال لا الحصر بمنع أو بتحريم قراءة كتاب ما لكاتب ما فإننا وبسرعة نجد أن جمهوراُ من الناس يتبنى الرأي وبدون أي نقد ويهاجم بدوره آخذاً وبحرفية كل ما يقوله هذا الشيخ ومستشهداً به أيضاً... أيبدو هذا غريباً...؟
لابد من الاعتراف بأن رحلتي قادتني بعيداً في التاريخ الإنساني إلى حيث دفعت الإنجازات الحضارية الإنسان عبر مراحل وارتقاءه شيئا فشيئا إلى تأجيل أو رفض إشباع بعض من دوافعه ليس لشيء إلا لأن إشباع أكثر من دافع في وقت واحد بدا متعذرا آنذاك وبالتالي فمحاولة التأجيل أو الرفض كان بمثابة تسوية لكم هائل من الدوافع الغريزية من ناحية والاجتماعية والثقافية الآخذة في التطور من ناحية أخرى, المتلاقية حينا والمتصارعة حينا آخر.
والذي حصل عبر هذا التطور والارتقاء أن الإنسان الآخذ في التحضر أدرك بأن رغبته أو حاجته لتأجيل إشباع دوافعه ستلزمه إيجاد بعض القواعد الناظمة حيث عند هذه النقطة بدأ الدين ثم لحقت به القوانين الوضعية, وفي اللحظة التي رفع الإنسان بها آلهته من الأرض إلى السماء أعلن انفصاله النهائي والأبدي عن الذات الأولية البدائية والتي لازالت تولد كل يوم بصورتها الأصلية ولكن الثقافة والحضارة الأخذة بالتقدم كانت ولازالت كفيلة بإجراء هذا الانفصال الذي تطلب آلاف السنين ليتم خلال الخمس سنوات الأولى من حياة الإنسان الطفل.
وبالطبع هذا الانفصال كانت له نتائج وهو أنه أحدث شرخا بين ماهية الإنسان, حقيقته ككائن حي فطري غريزي (ذاته الأولية الموروثة), وبين واقعه كحامل وناقل للثقافة (ذاته الثقافية الحضارية) فكثيرا ما يحس الفرد في موقف ما بأنه منقسم على نفسه بين دافع يرغب بإشباعه وواقع ثقافي يفرض عليه الرفض أو التـأجيل في أفضل الأحوال هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى أنتج هذا الانفصال أيضا عداءا بين الذات وواقعها أو صفتها الثقافية والحضارية المكتسبة نتيجة للتطور لأن هذه الأخيرة بدأت تصير أكثر تقييدا وكبحا في وجه من أحد أوجهها العديدة وبدل أن يكون الواقع الثقافي وسيلة للتعبير عن الذات البدائية الأولية انشق عنها ليشكل ذاتا ً أخرى قمعية كابتة.
ولازالت تترجم حدة هذا الانفصال الحاصل بالعديد من الأمراض العصابية والذهانية التي بدا الإنسان المتحضر يعاني منها فبدل أن تكون الذات الإنسانية متكاملة بشقيها البدائي الأولي والثقافي المتحضر أضحت منقسمة على نفسها تتناوبها الصراعات, حيث تتناسب حدة الصراعات طردا مع حدة الانفصال الحاصل.
بالطبع تبدو هذه الصورة فردية جداً ولكن الأفراد يشكلون جماعات أو مجموعات ولذلك فإن انقسام الذات الفردية على نفسها يمتد ويتوسع ليشمل إطار الذات الجماعية والتي في حقيقتها ما هي إلا انعكاس لذوات الأفراد الذين يشكلون هذه الجماعة أو تلك ولذلك فعندما يوصف مجتمع ما بأنه حامل لثقافة قمعية يمكننا أن نفهم بأن الأفراد هم حاملي هذه الثقافة وناقليها إلى الأجيال اللاحقة الأفراد المشكلين لهذا المجتمع هم الذين يمارسون ثقافتهم القمعية في حياتهم اليومية.
فهذا الرجل الذي فقد تواصله مع ذاته البدائية التي خلقت معه ومنها يستمد طاقته للحياة بات يعيش رجولة مشوهة منقوصة يخفيها ببضعة جلابيب وأقنعة ثقافية قمعية يرتديها كما أشرت بموضوعي السابق رجولة مضخمة إلى أين؟ ولا يرى في الآخرين المختلفين إلا تهديدا لأن ما يحاول أن يخفيه مشوه ومنقوص فهؤلاء الرجال والنساء المختلفين والمبدعين الذين حققوا تكاملهم الذاتي مخففين بذلك صراعاتهم الداخلية لم يعد الواقع بالنسبة لهم واقعا مخيفا إنما واقعا مشوهاً ومؤلماً وإن كانت مساعيهم هذه ستفضي إلى التدمير فهي تدمير بعض الأقنعة الثقافية الزائفة التي تخفي الألم والتشوه الحاصل وهؤلاء الذين لا يتورعون عن إطلاق الصفات المشينة واللعنات لا يريدون سوى المحافظة على بريق القناع الذي يرتدونه. ولا شك بأن جملة أر سطو اعرف نفسك بنفسك المشهورة لازالت تحمل دلالتها فالاعتراف بحق الذات في الوجود هو في عمقه اعتراف بحق الآخر في الوجود وما نقصيه في الداخل نقصي تعبيره عند الآخر وهكذا ينعكس الصراع مع الذات ليضحي صراعا مع الآخر السوي.
الإنسان في الشرق إنسان يتألم وبعمق تتقاذفه صراعاته الداخلية وما هذه العبارات العدوانية المكفرة تارة والمتهمة تارة أخرى سوى تعبير عن حدة التمزق الذي يستشعره سوى تعبير عن بؤسه الداخلي الذي يهرب من مواجهته يظن بأن هؤلاء الأفراد الجريئين حقاً والذين يحاولون رفع الأقنعة وكشف ما يتوارى وراءها هم مسببي الألم وداعية التمزق وتفكيك اللحمة التي قوامها بضعة صور مشوهة عن الذات وعن الآخر.
لم يتعلم الرجل في الشرق كيف يتصالح مع ذاته التي خلقت معه ليكون ذاتا متكاملة ولا يعلم متعة الاكتشاف الإنجاز والبناء لأن ذاته منقوصة عقيمة ومتعطلة عن الإبداع يحاول بإكثار عدد أطفاله أن يستمد الشعور بأنه حي وهو شبه ميت يزيد من سلسلة مآسيه بيده ليمضي حياته مقاوما وبعنف أن يواجه بؤسه وألمه الداخليان لاهثاً ليطعم الأفواه الجائعة دون أن يعرف طعما للمتعة بالحياة ليموت كما خلق بائسا تاركا وراءه امتدادات ألمه تتسابق إلى أبواب السفارات.....
لا يستحق الإنسان في الشرق سوى الشعور بالشفقة عليه أكثر من الغضب منه لأنه يرفض أن يواجه آلامه وعطالته الداخلية خائفا من أن يكون ذاتا حقيقية متكاملة.....
ليس من أجلك بل من أجل أطفالك أيها الرجل في الشرق واجه بؤسك وخوفك الداخلي وليس الخارجي أبداً.......
بانة حسن الصفدي- كندا- (ترى ما حقيقة ما يقال..؟)
|