|
الشرف قيم وأخلاق.. أم أحكام وحدود؟ |
|
|
|
منى سويد
|
|
2007-03-17 |
في الأمس القريب غادرتنا زهرة، ومن قبلها هدى، وبين الاسمين ثمة أخريات، أطبق الكلام عنهن صوته، لتبقى التسمية واحدة: ضحايا جرائم تحت مسمى (الشرف)!
فهل تحتمل تلك الكلمة الأخيرة التباسات تحولها في لحظة واحدة من الأقصى إلى الأقصى؟ وكيف يلبس الشرف ثوباً مضرجاً بالدماء؟ وما هي المعاني التي يتخذها الدين الصحيح لهذه الكلمة، وما علاقة الحدود بها؟
(الشرف قيم وأخلاق.. أم أحكام وحدود؟) سؤال أثاره سماحة مفتي الجمهورية د. أحمد بدر الدين حسون، ليكون فاتحة يبدأ بها حديثه عن قضية وصفها بالخطيرة جداً، في ندوة دعت لها الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة بتاريخ 27/2/2007 في قاعة رضا سعيد بجامعة دمشق، بحضور وزير الإعلام د. محسن بلال، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل د. ديالا الحاج عارف، ووزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، وعدد من أعضاء مجلس الشعب، وحشد جماهيري وإعلامي.
قضايا المرأة والشرف.. مواقف حادة
أشار سماحة المفتي د. أحمد بدر الدين حسون في بداية حديثه إلى وجود ثلاث قضايا، يتداولها الآن الشارعان العربي والإسلامي، هي (قضية المرأة وقضية الشرف وقضية الحدود). ورأى في هذا الإطار أن لهذا التداول عدة تفسيرات. فالبعض يظن أننا نتحدث عنها اليوم (لأن الغرب يضغط علينا ليطور في مناهجنا أو في عقليتنا أو في جذورنا). لذلك يقابل الحديث عن تلك القضايا بالرفض، والبعض الآخر يريد التشبث بالجذور، (هؤلاء يقولون: ما أبقى الأجداد للأبناء من شيء يفكرون به! إنما فكروا بكل شيء، فما علينا إلا الاتباع! وإياكم والابتداع، فإنه يضيعكم!) ونتيجة لهذه الرؤية (تجمدت عقول، وتحجرت أفئدة، وترسخت قواعد ظنها البعض شرائع، بينما هي دواخل دخلت على أمتنا في مرحلة من الزمن الأمي الذي مررنا به، ما بين الدولة العثمانية والاستعمار الغربي الذي ترك في بلادنا أعرافاً جعلها قوانين، وظننّاها شرائع!).
ما هو الشرف؟
وقف د. حسون في محاضرته على تعريف كلمة الشرف، كما جاءت في الشرائع السماوية وفي اللغة وفي الحدود، داعياً إلى التوقف عن إغلاق العقل حين التطرق إلى مضمون هذه الكلمة. وأكد في هذا السياق أن الشرائع السماوية جاءت متكاملة لا متصادمة، ونفى أن تكون تلك الشرائع قد دعت للقتل، (رسالات الأنبياء كان محورها: كيف نعيد الخاطئ والمخطئ إلى رحاب الله. لا كيف نقتله). مؤكداً أن القتل هو لغة الضعيف، العاجز على المواجهة بعقله، وأن الدين لا يبيح القتل في قضية (شرف)، ولا في قضية الكافر. فالدين يطلب منك أن تقتل كُفرَهُ، وأن تقتل خيانته، ليعود نظيفاً. لا أن تقتله هو).
ورأى سماحته أن (أكثر أبناء أمتنا ربطوا الشرف بالأنثى... وقد يكونون ربطوا الشرف أيضاً بما هو أدق من ذلك: ربطوا الشرف بالفرج!) وأضاف: الأرض عرض، والدين عرض، والكرامة عرض... فمن انتهك أرضك قد انتهك شرفك، ومن انتهك قيمك فقد انتهك شرفك، فإن أول انتهاك العرض، الأنثوي أو الذكري، انتهاك القيم والمبادئ).
وفي تعريفه لكلمة الشرف كما جاءت في اللغة قال سماحته (كلمة الشرف مشتقة من السمو والعلو. فهي تدل على السمو والارتقاء في الفكر والعلم والعرض والدين والمال) مؤكداً أن هذا هو الشرف بعينه، وليس كما حصر في خيالنا بقضية واحدة فقط، لا يسلم حتى يراق الدم دونه.
قانون فرنسي صيغ بأيدٍ عربية
كثير هو اللبس الذي يقود لإسدال عباءة الدين على بعض الأعراف في مجتمعنا ما يحوّلها إلى نصوص قدسية يمنع المساس بها، فماذا عن المادة 548 من قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 22/6/1949 التي تمنح القاتل بدافع (الشرف) العذر المحل، وهل هي مخالفة أم موافقة للحدود الشرعية؟
د. حسون بيَّن أن المادة تلك مأخوذة من قانون فرنسي صيغ بأيدٍ عربية، وسمحنا فيه للعادات أن تتحول إلى قانون وشريعة نتمسك بها. وفي هذا السياق ذكر سماحته أن موقفه من هذه المادة لاقى، من أحد العلماء، استغراباً دفعه ليقول لسماحة المفتي: (لا تفتح علينا باب الفاحشة)! بذريعة أن النساء لن تخاف إذا شددت العقوبة على القاتل! وكان رد المفتي عليه (أنا لا يحكمني قانون إذا لم أقتنع به، أريد القناعة بالقانون. والقناعة أن يكون القانون عادلاً). وبناء على هذا الموقف طالب سماحته الحكومة ووزير العدل البدء بتشكيل لجنة لمعالجة الأمر.
بين القيم والحدود
هل يصان الشرف بالقيم والأخلاق أم بالأحكام والحدود؟ سؤال ردده سماحة المفتي منذ بداية محاضرته، ليخلص إلى جواب أعلنه بعد أن فتح باب التفكير فيه متقصداً نهاية أراد تبيانها في معظم مفاصل حديثه، أن (من لم تصنه أخلاقه وقيمه، لا تصونه أحكامه وحدوده). مورداً العديد من (حوادث الزنى) التي جرت في عصر الأنبياء، وكيف تعاملوا معها في ذلك الحين، مبيناً كيف أن الشريعة لم تسمح لأحد أن يقيم الحدود، إنما سمحت لنا أن نربي الأخلاق والقيم، وكيف أن القاضي نفسه لا يستطيع أن يقيم حداً دون شهود، ودون أدلة. (فحين يتحرك إنسان ليقيم قتلاً باسم شرف، ونعفو عنه، فكأنما خالفنا الله في قراراته). مشدداً على أن الدين يدعو إلى الستر لا إلى الفضح.
الندوة التي استفاض فيها سماحة المفتي في كلامه عن معاني الشرف، وكيف يتعامل الدين الصحيح وأحكامه مع تلك الجرائم التي ترتكب تحت مسميات الشرف، أظهرت بجلاء أهمية التربية الذاتية والتسلح بالأخلاق والقيم التي تدعمها الأحكام والحدود الصحيحة المتلائمة مع زمانها لبناء مجتمع صحيح وصحي.
أما بالنسبة للمداخلات التي تلتها فقد اقتصرت على مداخلتين قدَّم الأولى د. محمد حبش، عضو مجلس الشعب الذي جاء كلامه مصدقاً لما قاله سماحة المفتي، ومعتبراً أن المادة 548 من قانون العقوبات السوري مخالفة للشريعة في ثلاث نقاط هي: هدر دم المسلم بغير حجة، والافتئات أي الاعتداء على حق ولي الأمر في تطبيق العقوبة، وإثبات لحد بغير بينة شرعية. وأشار د. حبش إلى قيامهم في مجلس الشعب بثلاث محاولات لاقتراح قانون يتصل بمقاصد الشريعة في هذه المسألة، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل. داعياً إلى تعديل هذا القانون وإلى تجريم كل حالات الزنى التي لا يشملها القانون الحالي، وأضاف أن (الأمر الآن بيد وزير العدل).
أما د. ديالا الحاج عارف، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، فقد رأت في مداخلتها، أن جرائم الشرف التي ترتكب في سورية لا تمثل سوى حالات نادرة! ولا ترقى إلى مستوى الظاهرة! وبالنسبة لتعديل القانون قالت (إن السيد وزير العدل يحتاج منا إلى مزيد من الحوار لنقنع معاً آخرين قد يكونون في موقف آخر)!.
بات غنياً عن الذكر أن سورية مصنفة عالمياً على أنها الدولة الخامسة في ارتكاب جرائم الشرف، فهل نغض الطرف عن قتل بشع، وننتظر وصولنا إلى المرتبة الأولى في هذه الجرائم، فنقرع عندئذ ناقوس الخطر، وننظر في مسألة إلغاء قانون غريب عنا، ألغي من مصدره الفرنسي الأصلي، وأعلنت الشرائع الدينية والإنسانية براءتها منه؟!
منى سويد- (الشرف قيم وأخلاق.. أم أحكام وحدود؟)
تنشر بالتعاون مع جريدة النور (14/3/2007)
|