|
أنطون بيطار
|
|
2007-03-17 |
سمع تمتمات أمه وهو في بداية وعيه في صباح الأحد.... استراحة أهل القرية، بعد إن دق جرس الكنيسة، ساد صمت كبير.
قام فاركا عينيه... عمره لا يسمح له بالذهاب للمدرسة ليتعلم أن عليه غسيل يديه ووجهه.. ومع ذلك فاليوم الأحد.. يوم عطلة.تفقد هذه الدار الواسعة ناظراً إلى الموقدة الملتهبة بالجمر والرماد عليها دست مملوء بمصل اللبن، بعد أن أخرجت أمه القريشة منه. إنها مضطرة لأن تكون جاهزة للذهاب للصلاة بأفضل ما لديها من الثياب.. قبل أن يدق جرس الكنيسة الدقة الثالثة، معلنا بدء القداس. أمام الموقدة جلس يراقب الجمر منتعشاً عندما سمع صوت دجاجة: بق بق قيق.... هرول مسرعاً إلى المعشية ليجد ثلاث بيضات، إحداها ساخنة عرف أنها الجديدة، ولا تصلح. أخذ الآخريات وطمرهن بالملمول والجمر الناعم، وهو يحس بالجوع اللذيذ! وكم مضت أيام طويلة لم يذق البيض الذي يحب!بيده الصغيرة عود صغير يقلب البيض ويغمرها بالجمر مبتهجاً قبل أن يسمع تأنيباً: ويحك! أنسيت! إنه الصوم الكبير! والبيض.. إنه الخطيئة بعينها إن أكلته!أثناء ذلك طقطقت البيضتان ناشرة رماد الموقد إعلاناً بنضوجهما. إنهما جاهزتان للأكل: يا إلهي! إنه الصوم الكبير وممنوع "التذفير"! همس شارداً. بالمقابل الجوع، ولذة البيض المشوي.... إلهي الصوم في منتصفه.. وحتى العيد أيام طوال وطويلة! صراع مرير بين جنة الله.. وجهنم إبليس! في الجنة تجلس وتطلب كل ما تريد وتشتهيه نفسك، بجوار كل القدسيين. أما جهنم فموقدها مختلف كثيراً عن موقد أمي ودستها! وإن حرش القرية بكاملها لا تكفي لوقوده! فهو أكبر بكثير.. كثير.. يمكن أكبر من مساحة قريتنا! ليتسع لجثث الخطاة والمفطرين آكلين "الذفر" والبيض!تنبه من شروده مدركا من قرص الشمس في السماء أن المصلين أنهوا صلاتهم.. وفي أية لحظة قد تدخل أمه وتجده غارقاً في الخطيئة! صار الوقت يخيفه! نبش البيض الملتهب من الجمر غير عابئ بشدة سخونتها، واضعاً كل واحدة في جيب البنطال الذي ورثه عن أخيه الأكبر منه.. وهرع مبتعداً، بيده جيبه من سخون البيض على جنبيه.. بعد أن أعاد رماد الموقد إلى ما كان عليه قبلاً..أخرج البيضتين، وأسند ظهره إلى جذع شجرة، ناظراً إلى البيض.. بعد شعر بالأمان التقط البيضة الحبيبة ونقرها على جذع الشجرة.. وبدأ تقشيرها بظفره المتموج باللون الرمادي.. أي المملوء بالوسخ! مفكراً بالله الذي يرى ولا يُرى. لكن أظافره لم تتوقف عن التقشير! نظر إليها عارية: يا إلهي! في يدي جهنم! أأبتلعها متلذذاً بقهر الجوع؟! أم أتحدى مقهوراً بانتظار جنة المخلص؟! تعبت يده الصغيرة المنتظرة في الهواء بين فمه وركبته وأكلها: أرميها؟!... أكلها؟!.... أرميها؟! ودون أن يدري، أصبح نصفها في فمه! كم عذبه هذا النصف من صراع وخوف؟! وكم استغرق من وقت حتى استطاع ابتلاع اللقمة في هذا الفم الجاف الجائع الخائف، رغم الصوت الذي كان يتردد في أذنه: تستطيع بصقها من فمك.. ويغفر الله لك! إلا أن فمه امتلاء بعدها بلعابٍ غزيرٍ يدعو النصف الآخر دون ترددٍ أو خوفٍ ليصل إلى من تشتاق إليه! والبيضة الثانية لم يحتج تقشيرها وأكلها إلى أكثر من دقيقة!قرر بعدها أن يستغفر ربه الذي يراه.. وأن يقرأ: "أبانا الذي في السماء" عشر مرات.. ويضع رأسه تحت الإنجيل.. وقرر أن لا يخبر أحداً من البشر عن هذا الفعل الآثم.. مدى الحياة..
أنطون بيطار- (الصوم الكبير..) |