|
الزواج.. تألق عبقرية القهر الذكورى |
|
|
|
قضايا الأسرة
|
|
منى حلمي
|
|
2006-03-19 |
صدقونى، حين أقول أننى أخذت وقتا طويلا جدا، لأكتشف المعانى الحقيقية، والأبعاد الخفية والأهداف الواقفة خلف الكواليس، حين تنطلق الزغاريد.. وتزف العروسة إلى العريس. والأمر سيان، سواء أكانت الزيجة بين زينب وعلى، أو بين وداد ولويس. الجميع فى قارب واحد، لكنه متعدد الأسماء. يسمونه «نصف الدين».. «الجواز على سنة الله ورسوله».. «الرابطة الأبدية المقدسة لا يفكها إلا الموت».. يسمونه «سنة الحياة».. «للنساء سترة».. «للرجال استقرار».. يسمونه «الجنس الحلال».. «الخلوة الشرعية بين رجل وامرأة ليس ثالثهما الشيطان، ولكن حقه ورقة أو قسيمة أو صك الخلوة البعيدة عن الشبهة». يسمونها «حماية من الانحراف».. «الحفاظ المتين على العفة».. «ترويض شرعى للشهوات الشيطانية».. «قطع ألسنة الناس بعقد حلال».. يسمونه «الدليل الشرعى الوحيد لحسن نوايا الرجال تجاه النساء... و«الدليل الموثق أن المرأة طبيعية، ليس بها علة،» أو كما يقولون «معيوبة» .. وهو «شر لابد منه».. لا أود أن أطيل عليكم، فالأسماء كثيرة، وعديدة، ومضحكة، ومثيرة للتساؤلات والحيرة.. وفى الوقت نفسه، هى مناسبة تماما.. متناغمة تماما، مع جوهر التفكير فى بلادنا.. ليس فى مصر فقط.. ولكن فى جميع البلاد العربية الإسلامية الذكورية. فاللغة التى نستخدمها فى حياتنا اليومية، وبها نكتب ونقرأ، ونغنى ونصف الأشياء، ونحكم على التصرفات، ليست كلمات حتى نفهم، ونجعل الآخرين يفهمون ما نعنيه، هى كذلك بالطبع. ولكن هى أيضا، أو وهى تفعل كل هذا، تعبر عن تحيزاتنا الوجدانية، وموروثاتنا التى أكل عليها الدهر وشرب حتى الإغماء، وعن أفكارنا وأحلامنا، وخبراتنا فى الحياة. وهذا ينطبق على «الزواج».. كما ينطبق على كل الأشياء فى حياتنا. منذ كنت طفلة صغيرة، كنت أصدق فى دهشة شديدة، وتأمل عميق، أى امرأة تقول: «ده جوزى».. أو أى راجل يقول «دى مراتى». لم أكن أفهم، «جوزى».. أو «مراتى».. يعنى إيه؟ وكلما مر الوقت، وكبرت، كان ذلك الذى يسمونه «الجواز» من أكثر القضايا التى تشغلنى وتحيرنى. بدأت أسمع امرأة تقول «ده جوزى اللى ساترنى».. وأسمع رجلاً يقول «الست بتاعتى وأنا حر فيها». «بتاعتى»؟! يعنى إيه بتاعتى؟ يعنى «الست اللى اشترتها». لماذا لا يقول الرجل «دى مراتى إللى ساترانى».. ولماذا لا تقول المرأة «ده الراجل بتاعى وأنا حرة فيه».. ولماذا حين تنجب المرأة، تفضل هى وأهلها، الذكر وليس الأنثى؟ .. ولماذا يحمل الطفل اسم الأب، لا اسم الأم؟ مع إن العقل والمنطق، والعدل، يستلزم أن الأم التى حملت وتحملت الحمل وتوابعه هى الأحق، والأولى فى إعطاء اسمها لمَنْ تربى فى أحشائها، وشرب من دمها، ورضع من لبنها، ويعتبر جزءا «عضويا» من لحمها، وخلاياها. فهى التى تعرف دون الأب، لمن ينتمى الطفل. أول شىء إذن اكتشفته فى «الجواز» أنه مؤسسة غير منطقية، وغير عادلة.. «مؤسسة» لأن «كل» المجتمع، داخل فيها.. الناس، المأذون.. وفقهاء الدين.. والشريعة.. والجيران، والبواب، وعقود موثقة فى المحاكم الشرعية.. ولها ملفات نسب محددة بشروط فقهية صارمة.. إن الزواج هو أكبر تجلٍ للعبقرية الذكورية، ومؤسسة عتيقة، بل هى أقدم المؤسسات التى اخترعتها المجتمعات الذكورية الطبقية، التى تمحورت حول «الملكية الخاصة». ولأن هناك ملكية خاصة، فى الأرض، والفلوس، فلابد لهذه الملكية من تحقيق شرطين ضرورين لاستمرار المجتمع الذكورى الطبقى: أولا: ألا تهدر خارج الأسرة المالكة. ثانيا: أن يتم الاحتفاظ بها جيلاً بعد جيل. وهذان الشرطان من المستحيل تحقيقهما، إلا إذا عرف الأب أبوته.. أى تأكد أن ثمرة الجنس مع المرأة، من لحمه وصلبه ومن المحال معرفة الأب، إلا بفرض رجل واحد فقط على المرأة طوال حياتها، من هنا، اخترعت المجتمعات الذكورية التى تقدس الملكية الخاصة، النظام الزواجى الأحادى للنساء، ليس لأنها مؤرقة بالفضيلة، أو حقا تعتبر العفة للنساء هى عدم ممارسة الجنس.. وليس الأمر كما تروج أن الجنس هو الخطيئة الأولى التى لا تغتفر. كل هذا ببساطة، عشان الراجل لا ينفق مليما واحدا على طفل ليس منه. ولذلك فقضايا النسب شائكة جدا فى مجتمعاتنا. وقد ربط المجتمع الذكورى الجنس للنساء بالشرف الجماعى. وأبلغ تعبير هو المثل «يا مربى فى غير ولدك يا بانى فى غير ملكك». النسب الأبوى والملكية الخاصة فى مثل واحد بليغ. ثم للرجال، نجد العكس، حيث «التعددية الجنسية للرجال» فى بلادنا العربية الإسلامية، المبنية على المبدأين. مبدأ الملكية الخاصة، ومبدأ النسب الذكورى (النسب للأب) تعد شرفا وفخرا، وإثباتا «للفحولة» الجنسية، ودليلا على الرجولة «المهيبة»، التى لا تفقد السيطرة على «النساء».. لكنها فى مجال الجنس، رجولة هشة، فقدت السيطرة على «الشهوات».. وعلى «الغرائز».. وقد تدعم ذلك، بالنظريات العلمية الذكورية، التى ضللت البشرية، فادعت أن طبيعة النساء (وبذلك هن أفضل) تستلزم رجلا واحدا، ولو قزما فى أخلاقه، وطباعه، ولا يساوى شيئا فى إنسانيته، وحتى لو كان عاجزا عاطفيا وجنسيا، ولا يساوى شيئا فى سوق الرجولة الإنسانية الحقيقية.. وأن طبيعة النساء الطاهرة تنفر من التعددية، ولا تشتهى منذ الميلاد وحتى القبر، إلا رجلا واحدا «وليس لأنها تشتهى الذكور، ولكن لأنها تتحرق شوقا للأمومة». أما الرجل، فعلى العكس تماما، فطبيعته الجنسية، تعددية.. وشهواته فى حالة فوران دائم، وجموح غرائزه الفطرية، يحتاج إلى عدة نساء، حتى يفرغ شهواته التى يعجز عن التحكم فيها.. ولماذا يتحكم فيها؟ أليست هذه الفطرة التى تصنع الرجال وتميزهم؟ آلاف السنوات والمجتمع الذكورى قد حبذ جميع مؤسساته، وأخلاقه، وأعرافه، والتفسيرات الدينية، والفسيولوجية، والهرمونية، لإثبات الشىء الوحيد الذى بدونه ينهار النظام الزواجى الذكورى، ألا وهو.. «الوحدانية للمرأة والتعددية للرجل».. وهذا هو بداية تدشين «فساد مؤسسة الزواج».. تلك التفرقة الأخلاقية، الجنسية، التى هدفها إنجاب نسل ذكورى معروف الأب. ويقولون معرفة الأب ضرورية لعدم «اختلاط الأنساب» وعندما فكرت، وجدت أن هذا هو بيت القصيد، من آليات القهر الجنسى للمرأة، ولماذا «اختلاط الأنساب» يهم إلى هذه الدرجة التى تصل إلى القتل، والذبح، والتنكيل، والعار، والنبذ، عشان توريث الملكية الخاصة، التى ترسخ بالشرع، والعلم، والثقافة والإعلام، وسنة الطبيعة، و«تهميش»، «الأبوة»، مقابل «تضخيم» «الأمومة» وحق الرجل فى الانتقال من امرأة لأخرى، وحقه فى التعددية الجنسية عابرة أو غير عابرة، وفى الوقت نفسه، مطمئن إلى الأطفال المنسوبين إليه والذين يعيشون على فلوسه، وبعد عمر طال، أو قصر سيستولون على ممتلكاته. ولهذا السبب، نجد إلى جانب الآلية الأولى العظمى، ألا وهى «الزواج الأحادى للمرأة»، شيئا اسمه «الختان» الذى يبتر شهوة المرأة ورغباتها الجنسية، مما يزيد اطمئنان الرجل، إنها لن تشتهى آخر، ولن تشتهيه هو إلا إذا «اتزنق».. ونجد أيضا، التضخيم المبالغ فيه، للأم والأمومة. فالأم تطمئن المجتمع الذكورى، إنه خلاص هى تعيش لأطفالها، وزهدت الجنس، والرجال.. وأنها لم تخلق للاستمتاع بالجنس، ولكن لممارسته فقط للإنجاب وإعطاء ذرية للذكور. وطول الوقت نجد أن المجتمع الذكورى لابد أن يمجد الأم حتى التقديس. بذلك يقنع النساء الأمهات (ده إذا كان لسه عندهن رغبة) أن من العار والعيب، والشذوذ، أن تفكر فى الجنس والعشق. حيث إن وجودهن اكتمل بالإنجاب. هناك نساء تنطلى عليهن هذه الأكاذيب. ومن لا تنطلى عليهن ويتمردن يكون مصيرهن الاحتقار، أو النبذ، أو الهجر، أو الطلاق، أو الفضائح أو القتل. حتى فرويد الذى مازال يدرس، وخدم التحليل النفسى وتفسير الأحلام، عجز عن فهم المرأة.. حيث قال «الرجل يكتمل بولادة الأفكار (إبداع الفكر والثقافة والفلسفة والقانون».. والمرأة تكتمل بولادة الأطفال (إبداع الحمل والإنجاب).. وأنها فقط بالولادة، والتحول إلى أم، يذهب عنها حقدها على الرجل. لقد قلب فرويد الحقيقة. لقد أثبتت البحوث والدراسات الحديثة التى تعدت فرويد، وتجاوزت تناقضاته وأخطاءه الذكورية، وأفكاره التى أرادت مجرد الإصلاح والترقيع وليس الثورة، إن الرجل هو الذى يحقد على المرأة لقدرتها على صنع الحياة (أى ولادة الأطفال) إن الزواج كما يتم حاليا، فى المجتمعات الطبقية الذكورية القائمة على الملكية الخاصة، مؤسسة اقتصادية دينية، سياسية، قانونية، تحول النساء من مواطنات مستقلات أحرار (نسبيا) إلى زوجات تابعات.. خادمات ومملوكات للأزواج.. الزواج الذكورى هو الآلية العبقرية الموروثة من أنظمة استبداد الملكية الخاصة، لشراء النساء بالمهر والشبكة والهدايا الخادعة، والمقولات الفاسدة والازدواجيات الأخلاقية، وجعلهن مقهورات جنسيا وعاطفيا، باسم العفة، والفضيلة، والطهارة، وعدم اختلاط الأنساب والانتصار على الدناسة. من هى الزوجة؟ ببساطة هى «امرأة لرجل واحد بعلم كل الناس وليس لها أجر للاستقلال.. تحضر اللقمة والهدمة وتربى العيال وتطيع» إن مجتمعاتنا الذكورية، لا تحمل امرأة واحدة تمارس الجنس، دون أن تعلم، كيف ومع من؟ وأكبر رذائلها أن يكون لزوجة عشيق. إن العشاق يمتنعون فى المجتمعات الذكورية. فالعشق لأنه حب خالص، دون منافع فلوسية، ودون التزامات اقتصادية، أو غيرها هو الخطر الأكبر على المجتمعات الذكورية التى تتشدق بـ «الشرف» المزعوم الكاذب. وفى الحقيقة هى تطمئن على فلوسها وأطيانها وممتلكاتها وصلبها المتوارث. لأن الزواج يحدث بين أعلى (الرجل) وأدنى (المرأة) فلا يمكن أن يحقق سعادة حقيقية، أو تناغما أصيلا، أو ارتقاء بالطرفين.. إنه بهذه الدوافع النفعية، المريضة، والإجبارية، بين الرجل والمرأة، يشقى الاثنان ولكن للمرأة النصيب الأكبر من الشقاء والقهر والطاعة. إن العلاقات الإنسانية كلها، القائمة مثل الزواج على وجود طرف أعلى، وطرف أدنى.. لا تخلف بشرا من الأحرار السعداء.. نساء ورجالا.. ولكن تخلق العبيد والجوارى والأشقياء وتصنع الفساد، والكذب والأحقاد والمعايير الأخلاقية المزدوجة. |