|
المحامي بديع وسوف
|
|
2007-03-04 |
مع قبلات الشمس الأولى لمروج القرية فاجأنا جرس الكنيسة بدقاته الحزينة يعلن أن أحدهم فارق الحياة. وأول ما يتبادر إلى الذهن أمنية صغيرة (عسى أن يكون كهلا ملته الحياة أو مريضا لا أمل بشفائه).. لم تدم حالة الرجاء هذه سوى دقائق لتعم شائعة مخيبة للآمال.
فالمتوفاة (وردة) تلك الصبية التي يفيض حسنها ويترقرق عذوبة وطيبة , ذات الثلاثين ربيعا وأم لثلاثة أطفال. كانت الأجمل في القرية ,عشقت السماء عينيها والقمر لم يفارق وجهها.. تحول الأسف إلى توتر ملأ جو القرية قالوا : لم تكن ميتة بل مقتولة والقاتل طبعا زوجها أو أخوها وسلم نفسه إلى الشرطة التي أخذت الجثة إلى المنطقة لمعرفة ملابسات الجريمة.. ذلك ما نقلته أم غاوي جارتهم حسدا من جمال هذا الملاك الصغير. أو هكذا تهيأ لها.عجبا تسائل (أصيل) أتقتل الورود في آذار. فالربيع يتحضر عاما كاملا ليصنع زهرة كي تعيش.. يصعب تصديق هذه الشائعة فالزوج يحبها ويعشقها وكذلك المرحومة كانت تحبه وكلاهما يحب أسرته. ولكنها كانت جميلة لدرجة الاثم.. فأم غاوي (قبل طلوع الضو بقليل) رأت الزوج يحمل وردة بين زراعيه والدماء تسيل من جسدها ويضعها في سيارة مثل سيارة الشرطة التي انطلقت بسرعة فائقة.. مع هذه الصدمة بدأت الشائعات تسري كالبرق على ألسن أهل القرية تلد شائعات أخرى بأنماط اختلفت حسب شخصية المولفين. اجتمع أهل القرية في ورش (شائعات) مختلفة الأحجام والمفاهيم. وحدهم المثقفون رفضوا مثل هذه اللغو الذي يحتقر العقل ولكن صوتهم لم يجد نفعا أمام إغراءات الجهل في سهولة توليف شائعات لها أفق واحد تحدده ازدواجية القيمة الأخلاقية لدى النساء والرجال. فالرجال يقولون بثقة: (من حق الرجل أن يقتل زوجته الخائنة.. مؤكد أنه يدافع عن شرفه.. حلوة كتير ومو معقول أن يتركها الشيطان.. فلو كان أي منا في هذا الموقف لتصرف مثله..) أما النساء فكان لهن رأي آخر (بين بعضهم) مختلف كليا عن رأي الرجال (مجنون خرب بيته وشرد أولاده.. مسكين يا ضيعانك يا وردة وضيعانك يا (زوج) رحتم ببلاش.. شو صار؟.. جريمة القتل أكبر الجرائم عند رب العالمين.. ولا يجوز أن تعالج جريمة بجريمة أكبر منها.. كما أن وردة ما بتغلط تلك الغلطة.. العمة ما في عندهم غير الشك بالخيانة.. شو المرأة ما لها شغلة غير الخيانة؟؟.. نحن أناس نخطيء ونصيب كما الرجال.. وهم (الرجال) من خان أمانة الرحم وأمانة المجتمع في العطاء والبناء والمحبة.. يعتقد بعض الرجال كفرا بأن المرأة مستعدة للخيانة كلما سمحت لها الظروف..) أما عندما يدخل رجل أو أكثر في مجتمع النسوة يصبحن كسبايا ويتغير حديثهن وينسجون شائعات وأقاويل كالرجال (لا بد وأنها تستحق القتل.. الله لا يقيمها. حدا بيعمل عملتها..).لم ينعم أهل القرية بتأليف هذه المسرحية وتمثيل أدوارها طويلا. فقد وصل الزوج من المدينة (وأحس بغبطة عظيمة عندما شاهد أهالي قريته مجتمعين معتقدا أنهم يحملون معه مصابه).. أبشركم يا جماعة الخير : الحمد لله سليمة الجنين راح بس الأم بصحة جيدة وغدا ستأتي إلى القرية.. زغردت بعض النسوة وعلت صيحات الحمد والشكر العميق فالقرية مازالت شريفة نقية طاهرة تنعم بعذريتها وعذوبتها وجمال طبيعتها وجهل أهلها. هكذا مواقف مألوفة هنا. فهم يختلفون بدون سبب ويتفقون بدون سبب ودائما يختلط الحابل بالنابل وليس مهما أن تتغير الأسماء والمعادلات المهم أن يبقوا كما هم في رجولة مزيفة وإنسانية ينقصها الحد الأدنى من شروط الانسان. ولكن الجميع هنا متفقون على قتل العقل باعتبار المعرفة شرا. والسترة هي الهدف (فالسترة تقضي وجود العورة).. ولكن الذي تغير على القرية هذه المرة وجود (أصيل) الذي تركها منذ ثلاثين عاما للدراسة في أوربا واختص في القانون الدستوري ونجح بامتياز يؤهله للتدريس في جامعاتها وتفرغ هناك لأبحاثه الاجتماعية والقانونية فأخلاقه الشرقية رفعت أسهمه عاليا هناك. وتصادفت عودته مع هذه الشائعة التي عاشها بكل لحظة وعاشها من خلال أفكار كل فرد من أهل القرية وكان الشاهد الوحيد أو الحاضر الوحيد في عرض مسرحية وردة التي كان أبطالها كل أفراد القرية وكل منهم حريص على دور البطولة بتأليف الشائعة المؤثرة أكثر والتي تحوى عرضا قويا عن التوغل في أخلاق الذكورة وغسل العار بالدم.. بكى (أصيل) بمرارة على الملأ. وأثمر الألم على وجهه قبورا مليئة بالعاقلين. قال في نفسه : ربما لم يمت في هذه القرية شرير منذ أكثر من ألف عام.. عجبا تشبهون الرجال ولستم برجال. تأكلون لحم أختكم نيئا. تفسرون الطبيعة والأديان والمجتمع وأنتم في أحلك دياجير الجهل وتتعصبون لآرائكم الزائفة وكأنها الحق المطلق.. تضطهدون العقل وترفضون العمل بقوانينه ونواميسه فلا خلاص لكم.. فالعقل ميزة الانسان وأنتم متفقون على إلغائه. تجتمعون على الشر والتفاهات. فجريمة الشرف في أذهانكم الملوثة فقط لذلك تتبعونها وتؤلفونها بسبب عجزكم وضعفكم. ألا تخجلون فالشائعات أنستكم دفن أمواتكم (فأبو ابراهيم ميتا منذ أمس وينتظر أهل قريته لإيوائه التراب)... عندما وصل إلى هذا الحد في صراخه بدأ الناس بالانصراف عنه. تألم كما لم يتألم من قبل فقد حلمه الذي لحق به مسافة ثلاثين عاما.. لم يحزم أمتعته ولم يعد إلى بيته.من ساحة القرية سار منكسرا إلى الطريق العام متجها إلى غربته غارقا في همه وأساه. لن يستطع مساعدة قومه. فبالعقل وحده نخلص ولا يمكن للجاهل أن يكون مؤمنا أو عضوا في مجتمع أو جماعة.لأن التنظيم والقانون هو العقل المنفتح المجرد الذي يقيس الأمور ويعلن النتائج على الملأ كما هي بدون تزييف أو تزوير.. فالجهل هو الاطار (الفكري) لقبول التمييز بين البشر على أسس غير أخلاقية وغير عقلانية فتارة على أساس الدين وتارة على أساس اللون وتارة على أساس الجنس أو الانتماء أو الثروة أو القوة أو الدم أو المذهب... (قال في نفسه وهو ينسحب من جذوره) فلا خيار لنا إن أردنا المصالحة مع ذواتنا والانسجام مع الطبيعة والمجتمع وبناء حضارة تنتصر للمظلوم وتغل يد الظالم من اتباع العقل. فالعقل يتشكل من الفضيلة والأخلاق والضمير والفطنة والمحبة والنور ورجاء الخير للجميع دون تمييز.. ودون حل إشكالية المرأة في المجتمع لا يمكن أن يكون هناك حضارة أو تنمية أو قانون عادل..
المحامي بديع وسوف- حمص- (النداء الحزين)
|