|
الرعاية البديلة.. المفهوم الحاضر... الغائب |
|
|
|
قضايا الأسرة
|
|
فريال زهرة
|
|
2006-03-19 |
بحثت في أكثر من مكان وسألت اكثر من شخص معني مباشرة.. فلم أجد أي دراسة أو حتى أفكار وتصورات محددة حول الاثر النفسي والتربوي والاجتماعي للرعاية البديلة في بلدنا... رغم أننا نعيش ليس التجربة بل الحالة منذ عشرات السنوات والمعلوم ان هناك العديد من الحالات للأطفال ذوي الظروف الخاصة ممن هم خاضعون لما يسمى بالرعاية البديلة سواء كانوا الأطفال الايتام أو مجهولي النسب أو فاقدي الرعاية الاسرية لاسباب التفكك والانفصال الزوجي أو النزعات والكوارث أو حتى الحروب. الحياة بالطابور وكل ما استطيع تصوره بعد زيارات قمت بها خلال عشر سنوات من عملنا لمعظم معاهد الرعاية الاجتماعية وحتى الجمعيات الاهلية التي تعمل في السياق ذاته مايلي: ـ مكان النوم... مهاجع كبيرة يتراوح عدد الأسرة فيها حتى يكاد يصل الى 70 سريراً للأطفال. ـ مكان الاكل... مهاجع كبيرة اومتوسطة ـ الحمامات... مكان واحدتتجاور فيها الامكنة ـ اوقات الدراسة كأنهم في مكتبة عامة.... و اماكن الاستراحة لا تختلف كثيراً عن تلك المشاهد. ـ الرعاية الاجتماعية تكاد تكون مثالية وأضع خطين تحت هذه العبارة.. اذا توفرت عناصر محددة غالباً هي الطعام الجيد أو شبه... والصحة العامة تقريباً وامكانية الوصول للتعليم كإنجاز. وحتى هذه العناصر أو بعضها تكاد لاتكون بصورة مرضية لوعدنا لحالات معينة/ كنقص التدفئة مثلاً واقول سابقاً ولا ادري اليوم كيف هي الحال في معهد المكفوفين ـ اوعدم النظافة ابتداء من الشخصية حتى الطعام.. حتى الامراض التي قد تنتشر جماعياً بين الأطفال ولن نخوض في تفاصيلها. ـ عدد المشرفات والمربيات في غالبية معاهد الرعاية يعد على الاصابع وبالكاد يكون مشرفتين ليليتين لاكثر من مئة طفل كحد ادنى.. وفي النهار قد يزداد العدد قليلاً. ـ اما المدرسون الذين من المفترض ان يشرفوا على التعليم داخل المعاهد هذه فهو إما معدوم بسبب الامكانات القليلة أو تطوعاً حسب المزاجية للبعض أو لسد/ الرمق ولسد العين بحصوة. وبعد عمر معين يقارب الـ 18 واحياناً قبل بكثير فعادة ماينقل الطفل لمكان يناسب العمر في المرحلة الثانية اذا لم يتجاوز سن 18 أو يكون مصيره خارج هذه المعاهد باعتبار السن وعليه البحث من جديد عن رحلة اجتماعية قد تلائم ظروفه وايضاً نادراً مايجدها.. ونعرف جميعاً انه مازال بحاجة الى رعاية اجتماعية. ـ وبشكل عام لا احد يسجل الرضى على معاهد الرعاية الاجتماعية أو ما يشابهها الا في حالات نادرة. ـ اما الخصوصية والحميمية والاستقرار والاخوة والحب والحنان فكلها عبارات غائبة لهؤلاء الأطفال ولاتعني شيئاً ربما للقائمين على هذه المعاهد وما شابهها؟! ـ ترى كم «نزيل» خريج من معاهدنا الاجتماعية يتزوج وكيف ومن وما هي الاسر التي يشكلها ..طبعاً لا احد يعرف النتائج ولكننا جميعاً نعرف المقدمات لهذا المستقبل. وما تأثير صفة النزيل على الأطفال الخريجين؟ وكيف يتعامل المجتمع معهم؟ ـ الحياة باختصار هناك وحسب الانظمة المتبعة في معظم المعاهد لا تختلف كثيراً عن بعضها فالعيش في مهاجع والاستيقاظ والاكل... كله بالطابور والنتيجة اننا امام معاهد رعاية كل مايمكن ان يقال عنها انها« مأوى» للأطفال وهناك من يتشدق ويقول افضل من الشارع.. طبعاً افضل من الشارع ولكن ليس بكثير. والمنطقي اكثر ان يكون لدينا رؤية عصرية في الرعاية البديلة ومشروعنا الخاص رسمياً. الاسر البديلة وامام هذه الصور التي استطعت ان افردها من جعبتي. نستغرب انه لا احد يهتم بتطوير واقع الرعاية البديلة أو تحسينها بلمسات قد لا تبدو مستحيلة... مع اننا نملك تجربة نموذجية ومنذ نصف قرن / خمسين عاماً وموجودة في 132 دولة في العالم. ونحن منهم... وهي قرى الأطفال أو الاسر البديلة فيها وهي نموذجنا اليوم ومازال مفهوم الرعاية البديلة لدينا بنوعيه الداخلي وهو ضمن معاهد وطوابير الرعاية الاجتماعية.. والخارجي وهو متمثل بنظام الكفالة وهو طبعاً مقتصر على الأطفال مجهولي النسب وعادة في السنوات الثلاث الاولى من العمر وحالياً تتشكل لدينا نواة جديدة« اهلية» بالاتجاه الجديد وهي بيوت قوس قزح للأطفال... وهم معظمهم عاش التجربة الاولى كفريق داعم «نفسياً واجتماعياً وانسانياً» في دار زيد بن حارثة... واستطاعوا ان يضعوا اللمسات هذه بعد ان اطلعوا على واقع الأطفال هناك واحتياجاتهم. يسير العالم اليوم بتوجهات جديدة وهو ماتؤكده الدراسات الحديثة نحو الاسر البديلة وهو امر يتطلب منا النظر اليه كرؤية عصرية متطورة رصدت السلبيات في التجارب السابقة وتجاربنا منها وحاولت تجاوز العقبات لرعاية بديلة أفضل وانسب للأطفال. ومن هذا المنطلق اليوم يطرح القائمون على قرى الأطفال التجربة النموذجية في الرعاية البديلة مشروعهم الذي اطلق قبل اسابيع وهو مشروع تدريب مربيات وامهات الرعاية البديلة بالتعاون مع بعثة المفوضية الاوروبية في بلدنا وبمساهمة قدرها/80/ الف يورو بهدف اقامة بيئة آمنة للأطفال الذين فقدوا ذويهم وعدد المستفيدين منه 180 مربية وأماً بديلة خلال ثلاث سنوات مدة المشروع وبمشاركة عدد من الجمعيات العاملة في هذا المجال السيد فرانك هيسكه رئيس بعثة المفوضية الاوروبية في سورية قال: انه المشروع الاول من نوعه في سورية بموجب برنامج المبادرة الاوروبية للديمقراطية وحقوق الانسان وهو احد المشاريع الستة التي اختارتها البعثة لسورية في سياق اطلاقها الاول لبرنامج المبادرة. وسيتم فيما بعد اطلاق المشاريع الخمسة الباقية وهي تأسيس مركز رعاية صباحية في القامشلي لمساعدة الأطفال المهجورين ومحاولة اعادتهم الى المدارس وبرامج تدريبية حول حقوق الانسان لذوي الاعاقة. الاحترافية والمهنية في قرى الأطفال وفي لقاء لتشرين مع المدير الوطني لجمعية قرى الأطفال السيد أنور عباس وضعنا في تفصيلات المشروع ورؤيتهم للرعاية البديلة عبر تجربة قرى الأطفال SOS فقال: لابد في البداية من القاء الضوء على قرىSOS للأطفال في العالم فهي تأسست عام 1949 في النمسا واتسعت اليوم لتشمل 132 بلداً تقدم الرعاية المباشرة لمايزيد عن خمسين الف طفل ويستفيد من خدماتها المباشرة المقدمة للأطفال مايزيد عن نصف مليون طفل... مايضعها في موقع الريادة في هذا المضمار. وقد بلغت المنظمةخلال تاريخها الطويل طوراً من الاحترافية والمهنية وبنت خبرة واسعة في مجال العناية الاسرية البديلة. ما يمكنها من ان تقدم هذه الخبرات والتجارب لسواها من المؤسسات والعاملين فيها.. ان شعورنا بالمسؤولية تجاه الأطفال المحرومين من الرعاية اينما وجدوا يدفعنا الى المساهمة في بناء قدرات المنظمات والعاملين ليتمكنوا من العناية بأطفالهم على نحو يضمن صون حقوقهم واحترام فرديتهم في حياة كريمة ضمن جو أقرب مايكون الى الأسرة الطبيعية. وفي سورية تعمل جمعية قرى الأطفالSOS منذ مايقارب خمسا وعشرين عاماً تمكنت خلالها من الوقوف على مصاعب وتحديات هذا العمل واكتسبت من الخبرة والتجربة مايجعلها في صميم تحديات الرعاية الاسرية طويلة الامد وافاقها من خلال مشاريعها المتعددة قرية أطفال قدسيا في دمشق وقرية أطفال خان العسل في حلب وبيوت الشباب والشابات في كل من دمشق وحلب والمركز الاجتماعي وهو مشروع تقوية الاسر ثم من خلال مركز التدريب المهني. بالاضافة لمشروع تدريب امهات ومربيات الرعاية البديلة. ان رؤيتنا هي ان الأسرة هي المكان لنمو الطفل لذلك نعمل اولاً على تقويتها اياً كانت لتتمكن من حماية ووقاية الأطفال من خطر الهجر بسبب الفقر. وحين يتعذر ذلك لاسباب متعددة فإننا نعمل على بناء اسرة بديلة لهؤلاء الأطفال تقوم على عناصر ومبادئ اربعة هي الام والاخوة والاخوات والمنزل والقرية. والأسرة هي الوحدة الاهم في عملنا واذ تقودها الام فإنها في موقع المسؤولية كقدوة وقائد للاسرة وعليه فإن منظمتنا تسعى الى تثمين قدراتها وتطوير مهاراتها وتوسيع معارفها لتتمكن من الرعاية الافضل لأطفالها. ان عملنا يقوم على اسس مهنية وتربوية واضحة تركز على حماية الطفل ومشاركته والتركيز على فرديته ومواكبته في مراحل نموه وتطوره المختلفة الى ان يتمكن من الاعتماد على نفسه بمايضمن اندماجه في المجتمع.. ولدى المنظمة سياسة واضحة في تنمية الموارد البشرية وادارتها تركز على متابعة وتقويم الاداء وكما قلت هدفنا من المشروع الذي اطلق مؤخراً هو وضع خبرتنا وتجربتنا في العمل والرعاية الاسرية في متناول المؤسسات وهدفنا الاول خدمة اعداد اكبر من الأطفال المحرومين والمساهمةفي تطوير هذا القطاع. هذا من جانب.. اما الاهداف الاخرى فهي تنمية مهارات ومعارف مربيات وامهات الرعاية البديلة حول العناية بالطفل ونموه وحقوقه ومشاركته والعمل الاجتماعي ومهارات الحياة. وكذلك نهدف لتحديد المواصفات والمعايير والمهارات المختلفة التي يجب توفرها في هذه الفئة. وتطوير منهاج تدريبي متكامل لمربيات وامهات الرعاية البديلة والحصول على اعتراف رسمي به. وبالنسبة لتفاصيل المشروع قال السيد أنور عباس: مدة البرنامج ثلاث سنوات وتم تطوير المنهاج بناء على خبرة وتجربة قرى الأطفال في سورية والعالم. حالياً سيتم تدريب 60 مربية واماً بديلة من قرى الأطفال وبعض الجمعيات. وذلك باستخدام تقنيات ووسائل تدريبية حديثة. والعمل في المشروع سيكون وفق النهج التدريبي الشمولي التشاركي ومبادئ تعليم الكبار. وفي كل عام ستتم مراجعة منهاج التدريب ليصار الى تطويره حسب الحاجة وفي نهاية المشروع سيتم التوصل الى صيغة نهائية للمنهاج بالتعاون مع الشركاء ويقدم الى الجهات المختصة ليصار الى اعتماده وفي نهاية المشروع الحالي نطمح لأن يتحول المشروع الى مركز دائم للتدريب على رعاية الطفل وحالياً مكان التدريب في قرية أطفال دمشق، وقرية خان العسل بحلب. خلال العام الحالي هناك 260 ساعة تدريب على ثمانية موضوعات والبرنامج يقدم طيفاً واسعاً من المهارات والمعارف والأدوات ومن مواضيعه أنظمة الرعاية البديلة في سورية وتنمية القيادة و إدارة الحياة والنمو الشامل للطفل والتوجيه والإرشاد ورعاية الطفل طويلة المدى القائمة على نموذج الأسرة والتدبير المنزلي والعمل الاجتماعي. والحقيقة همنا في ذلك كله ايصال مفاهيم للجمعيات الاخرى بالابتعاد قدر الامكان عن فكرة الميتم والنزيل والمهاجع والتوجه لخلق نماذج جديدة في الرعاية البديلة وتطويرها دائماً.. وحالياً ضمن المشروع الذي اطلقنا هناك جمعية قوس قزح وميتم غريغوريوس وميتم سعيد العاص وكذلك في حلب مع جمعية كفالة الطفولة وجمعية المبرة الاسلامية وجمعية رعاية الاحداث. .جملة إشكاليات وعن رؤيته تحديداً لتطوير واقع الرعاية البديلة عموماً في بلدنا أجاب السيد عباس: قطاع الرعاية البديلة لدينا يعاني من جملة اشكاليات اولها عدم وجود معايير عمل ولاتوصيف ولاتحديد لمهارات العاملين فيه.. اضافة لمشكلة في البنية القانونية.. ايضاً نفتقد لرقابة حقيقية فعلية على الانظمة من جهة فهي وصائية فقط لكن لاتمتلك المعايير الحقيقية لتطبيقها أو للاشراف عليها واعتقد ان قرىSOS لديها تجربة وخبرة نموذجية في الرعاية تقوم على مبادئ واسس واضحة ومن الممكن ان نقوم بدور اساسي في تطوير قطاع الرعاية في سورية. وهذا المشروع لتدريب العاملات والمربيات والامهات هو خطوة نحو ذلك ونطمع في العام القادم الى لقاء أو تنظيم لقاء لجميع الجهات ذات الصلة سواء كانت مؤسسات ومعاهد رسمية أو اهلية وبالتعاون مع كل الجهات كلية التربية والعدل والداخلية والشؤون الاجتماعية لطرح موضوع الرعاية للنقاش للوصول الى تحديد لمعايير العمل والاليات للمتابعة. ونمد يدينا للاخرين بتجربتنا لنفكر معاً بشكل استراتيجي منظم في كل شبكات الامان البديلة للأطفال في الظروف الخاصة..
|