|
أميرة أبو الحسن
|
|
2007-03-04 |
لا أدري لماذا تأخر العقل البشري حتى الآن ولم يكتشف أن الخير والفضيلة لا يمكن أن يفرضا فرضاً وبالقوة، مهما اختلفت أساليب هذا الفرض.
وفي اعتقادي أن في هذا الفرض استغباء شديداً لقدرة الإنسان على التمييز والاختيار الأصح، واستهانة بذكائه الفطري، وإعادة بناء وقولبة هذا الذكاء ليتناسب مع ما هو سائد ويعتقد أنه الأصح والأسلم وفقاً للزمن أو للعصر الآنيين.أذكر تماماً ذلك اليوم الذي عدت فيه من المدرسة إلى البيت، وكانت المفاجأة الكبيرة التي أصابتني بالرعب للحظات عندما لاحظت تغييراً في ترتيب الكتب في المكتبة، الكتب التي قطعت شوطاً قصيراً أو طويلاً في قراءتها ولم أنهها بعد، والكتب التي كنت أنوي قراءتها حالما يتسنى لي الوقت، جميعها اختفت. لم أسأل عن سبب اختفائها، فقد كان ذلك عمر تكثر فيه الأسئلة وتقل فيه الإجابات.نظرة سريعة إلى عناوين الكتب التي احتلت الصفوف الأمامية جعلتني أخمن ما حدث، لقد كبرت الصبية التي اعتادت حرية التجوال في المكتبة، فكان لا بد على الأهل من القيام بواجبهم في حماية عقلها الغض من كل ما يظنونه مسيئاً. وكان لا بد لهم من القيام بفعل ما تجاه بعض الكتب التي تحتوي ولو على القليل من الإباحية. إلى الجهة الخلفية، وخلف مجلدات مجلة العربي والمنجد وقاموس المحيط ولسان العرب والمنفلوطي والعقاد، اختبأت مجلدات ألف ليلة وليلة، وروايات ألبرتو مورافيا، ورواية تلك الخاطئة في نظر الجميع إلاي؛ أنا كارنينا. لم يدرك الأهل كم سهلوا عليّ أمري في استلال كتاب من خلف كتاب، هم لم يكونوا ليلحظوا اختفاء كتاب من الجهة الخلفية، فالكتب في الجهة الأمامية بقيت كما هي، بنفس الطريقة التي رتبوها بها. وبقيت الكتب القابعة وراءها ترتحل ذهاباً وإياباً معي إلى أن تم اكتشاف أمري ذات يوم علت فيه الصيحات من أمي ولا أنسى حسرتي وهي تمزق كتاباً لألبرتو مورافيا، لا لما ورد فيه من محظورات، بل لأن صورة فتاة شبه عارية تصدرت غلافه. ولم يكن هذا –بالنسبة لي- سبباً منطقياً كافياً على الإطلاق لأعذرها في ذلك الحين.تغيرت الأمكنة التي كنت أحصل منها على الكتب، فمن مكتبة البيت إلى مكتبة المدرسة إلى المركز الثقافي، وما زلت أقرأ. ما زلت أقرأ ما هو مسموح وما هو غير مصرح ببيعه لأسباب تختلف من مكان لآخر، فمن النوعين تتشكل ثقافة كاملة لا تتجزأ. هي شيء متكامل، فلن توجد فضيلة كاملة، ولن يوجد خير كامل، ولن يكون هناك أنصاف أشياء. ولا أنصاف مجتمعات ولا أنصاف بشر يُقدم لهم ما يُظن أنه يناسبهم. وكلما اشتد الحجب والمنع، كلما ازدادت إثارة المادة موضوع المنع، وازداد توجه الإنسان إليها وتركيزه عليها فقط، وقلت بالمقابل فرص اختياره السليم الذي يناسبه لهذه المادة لأن اختياره بني على إرادة شوهها المنع والحجب فتشكلت بنيتها على أسس غير سليمة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار قدرة الإنسان على الوصول إلى أي مادة على الإنترنت، لاكتشفنا ببساطة أنه من السهل عليه الوصول إلى أي معلومة موجودة في هذا الفضاء الرحب، ومهما ازدادت محاولات المنع، ستزيد في المقابل قدرة الإنسان على كسر هذه المحاولات والنفاذ إلى ما ورائها لالتقاط المادة التي يسعى إليها.يقول برتراند راسل: "يعتمد تواتر إحساس الإنسان بالشهوة على حالته الجمسانية الخاصة، بينما المناسبات التي توقظ مثل هذه الأحاسيس فتعتمد على المعتقدات الاجتماعية الشائعة التي اعتاد عليها. فبالنسبة لشخص من العهد الفيكتوري المبكر، كان انكشاف كاحل امرأة يعد مثيراً بدرجة كافية، بينما يظل الشخص المحدث غير متأثر بأي شيء حتى أعلى الفخذ. ولا يعود ذلك سوى لنمط الأزياء الشائع؛ فلو كان العري هو الشائع، لما أصبح مثيراً لنا ولأصبحت النساء مجبرات، كما هو الحال في بعض القبائل البدائية، على ارتداء الملابس ليجعلن أنفسهن مثيرات جنسياً. وتنطبق القواعد نفسها تماماً على الأدب والتصوير، فما كان مثيراً في العهد الفيكتوري لن يحرك ساكناً في أناس من عهد أكثر صدقاً؛ فكلما زادت الحشمة التي تحد من الدرجات المسموح بها من الجاذبية الجنسية، كلما قل ما هو مطلوب لجعل هذه الجاذبية أعظم تأثيراً. وتسعة أعشار جاذبية المطبوعات الداعرة يرجع إلى الإحساس غير المهذب المرتبط بالجنس الذي يزرعه الأخلاقيون في النشء، والعشر الباقي يكون فسيولوجيا وسيحدث بطريقة أو بأخرى مهما كان وضع القانون. فعلى هذه الأسس، ورغم أني أخشى ألا يوافقني الكثيرون، أنا مقتنع تماماً أنه لا يجب أن يكون هناك أي قانون مهما كان يحظر نشر المطبوعات الفاضحة."
أميرة أبو الحسن، عضوة فريق عمل نساء سورية -قراءات صباحية- (مع برتراند راسل -1-) |