|
إجراءات إدارية توقف مشروع للأطفال إلى إشعار آخر! |
|
|
|
المحامي محمد علي صايغ
|
|
2007-02-18 |
فوجئنا يوماً بأربعة أطفال صغار وجدوا في إحدى البيوت المهجورة في مدينة حلب, جاءت بهم سيدة فاضلة لاتمت إليهم بقربي إلى مركز الرعاية اللاحقة التابع لجمعية رعاية المسجونين بحلب, وطلبت إيداعهم فيه. كان هؤلاء الأشقاء الأربعة مشردين بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.
فلا أب أو أم ترعاهم, ثيابهم وسخة ورثه, ووجهم يثير الشفقه ويبدو عليهم الإرهاق والتعب والجوع, وكان "القمل" يأكل روؤسهم. وحين سؤالهم عن والدهم, عن أمهم, كانت إجابتهم بأن والدهم قد سافر منذ زمن بعيد, وبأن أمهم قد تزوجت من رجل غريب وهي لا تأتي حتى لزيارتهم. هذه الصوره ليست من وهم الخيال, وانما هي حاله من حالات عديده يمكن ان نجدها في كل وقت, ولكن لا أحد ينتبه اليها, ولا أحد يسلط الضوء عليها, وتضم شريحة واسعة وهامة من أطفال بلدنا, وهم "الأطفال المشردين" الذين يتحولون تدريجياً إلى مجرمين! هؤلاء الأطفال الذين يستحقون منا جميعا رعاية خاصة. حتى إنه يمكن إدراجهم فعلا ضمن الأطفال "ذوي الاحتياجات الخاصة" الذين يأخذون اليوم رعاية خاصة وفقا لتوجيه القيادة السياسية في بلدنا. ولا بد من الإشارة والتوضيح إلى أن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، "المعاقين مثلا"، غالباً ما يجدون أسرة أو أقارب أو جمعيات خيرية تحيط بهم، أو شخص محسن يدفعه العطف والرحمه إلى أن يقوم بتبني أو رعاية بعض هؤلاء المعاقين جسدياً المحرومين من الرعاية. ولكن الطفل المشرد "طفل منبوذ اجتماعياً" لا يجد من يرعاه أو يعيله! ومصيره غالبا إما بائع دخان على الأرصفة أو متسول.. أو تضطره الظروف إلى ارتكاب جرم يطاله القانون. وبما أن مثل هذا الطفل المشرد طفل منبوذ اجتماعياً لا يجد مكانا يأويه، أو جهة تقوم برعايته، فإنه يعود مرة أخرى بعد خروجه من دار التوقيف أو الاصلاح إلى التسول أو التشرد أو يتلفقه محترفي الاجرام ليقوموا باستخدامه وتشغيله واعداده اداة من ادواتهم. واذا كان المرسوم (52) لعام 2003 الصادر عن السيد رئيس الجمهوريه قد قرر عدم ملاحقة الحدث جزائيا اذا لم يتم العاشرة من عمره حين ارتكاب الفعل، وفي حال تجاوز سن العاشرة فإن نص المرسوم قد قرر فرض تدابير إصلاحية عليه. وعليه فإن الحدث قبل العاشرة يسلم إلى ذويه واهله وفق نص القانون وما بعد العاشرة من عمره فيتم وضعه بمعاهد الاصلاح لمده محدده يقررها القضاء. وهنا لا بد ان نطفو مشكلة من نوع جديد عندما لا يتوفر لهذا الحدث أهل أو أقارب يتعهدون برعايته أو مكانا آمناً يأويه, أو في غياب مؤسسات الاصلاح القادره على استيعاب العدد الكبير من الجانحين المشردين, فان مصيرهؤلاء الأحداث التشرد مرة أخرى، والوقوع فريسة فعل جرمي آخر، والدخول في دائره مغلقه لا سبيل للخروج منها. ويحضرني هنا ضمن هذا السياق أحد التحقيقات البرنامجيه لإحدى القنوات الفضائية كان قد شدني إليه منذ أكثر من سنتين تقريبا, عن تجربة إحدى الدول المتقدمة في رعاية الأحداث لديها. وملخص هذه التجربة أن إحدى مؤسسات تلك الدوله تبنت مشروعا لرعاية الاحداث المجرمين الداخلين أو الخارجين من السجون لديها وذلك ضمن مجمع تابع لها، وقدمت لهم الرعاية والعناية والتعليم وأحضعتهم لنظام المدارس الداخليه الدائم. وقد أرادت تلك المؤسسة من ذلك استكشاف الآثار والنتائج التي يمكن أن تترتب عن ذلك. وبعد سنوات طويله انتقل هؤلاء الاحداث من مرحلة دراسيه إلى أخرى. وكانت مفاجاة المسؤولين في الدوله كبيرة حينما تمت دعوتهم لحضور احتفال التخرج من الدار التي احتوتهم سنين طويله بأن هؤلاء الذين كانوا مجرمين قد نالوا أعلى الدرجات! ووصل كثيرين منهم إلى مرتبة الدكتوراه في مختلف العلوم! ولكـن المفاجأة الأكبر كانت لذويهم وأهلهم إذ إنهم لم يصدقوا أعينهم أن أولادهم، الذين كانوا يخافون من اقتران اسمهم بهم، قد وصلوا إلى ما وصلوا اليه! وانتهى التحقيق بعناق الاهل مع أولادهم ودموع الفرح تذرف من عيونهم. إن تلك التجربة تدل على أن المجرم ابن الظروف الاجتماعيه أو الاقتصاديه التي انتجته.. وأن "الحدث" المجرم أو المشرد يمتلك ذكاء نادرا لكنه يوظفه توظيفا سيئا باتجاه الشر، بدل أن يوظف في اتجاه الخير والبناء, وتتفاقم مثل هذه الظاهره في غياب مراكز الرعايه والتأهيل المناسبه. ونحن في جمعية رعاية المسجونين بحلب لنا تجربة ناجحه في مركز الرعايه اللاحقه لإيواء الأطفال أبناء السجناء والأطفال المشردين الذين لا مأوى لهم, وبجهود مضنيه استطاعت الجمعيه الاستحصال على طابق ثم طابقين من بناء متواضع قدمته مديرية الشؤون الاجتماعيه والعمل إعارة للجمعيه. وقامت الجمعيه بتجهيزه وإعداده لاستقبال هؤلاء المحرومين من الرعايه الأسريه والإجتماعيه. وبالرغم من ضيق المكان فإن الجمعية استطاعت ايواء أكثر من سبعين طفلا وطفلة وتقديم كافة المستلزمات من الغذاء والمأوى والتعليم وتوفير كافة النشاطات العلمية والمهنية والترفيهية. وحينما ضاق بنا المكان سعينا إلى الاستحصال على أرض لبناء مجمع خاص لهؤلاء الاطفال واستطعنا بعد مشوار طويل ومحاولات عديدة الاستحصال على أرض قدمتها لنا مشكورة وزارة الزراعه والاصلاح الزراعي من اجل إنجاز هذا المشروع "الحلم" لهؤلاء الاطفال, فتقدمنا بطلب رسمي لمنحنا التراخيص اللازمة من قبل مجلس مدينة حلب لمباشرة أعمال البناء..... لتبدأ رحلة العذاب وتصل في النهاية إلى الطريق المسدود حين انتهت كل المراجعات والمتابعات في مجلس المدينة إلى اعتبار المجلس أن العقار (الارض) تقع ضمن منطقة الحماية للمخطط التنظيمي وبأنهم، تبعا لذلك، لا يستطيعون إعطاء التراخيص اللازمة للبناء. وأثناء ذلك أصدار السيد رئيس مجلس الوزارء البلاغ رقم /16/ ب لعام 2005 الذي ينص على السماح ضمن مناطق الحماية للمخططات التنظيمية وخارجها بإقامة المدارس والمشافي والمشاريع السياحية والخدمية. وبناء على هذا البلاغ بدأت رحلة عذاب جديدة, وبعد أخذ ورد وإحالات وتأشيرات من دائره إلى أخرى، ومن ثم من الدوائر إلى وزارة الاداره المحلية، ونتيجة ملاحقة الجمعية للمعامله التي انقلبت إلى معامله "غوار.. والجرار" انتهت المعامله أمام اللجنة العمرانية لمجلس المدينه التي قررت انتظار المخططات التوجيهيه لمجلس المدينه، وبالتالي ترك الموافقة على الترخيص معلقا إلى ما لا نهاية! وعملياً انتهت المعامله بالحفظ بالأدراج، وحرمان الجمعية من بناء المشروع الذي سعينا من أجله طويلا ومع كل الخيرين المستعدين للمساهمه فيه وتقديم الجهد والمال من أجل بناء هذا الصرح لاطفال بلدنا! فإذا كانت هذه هي حال دوائرنا في تطبيق النصوص الإدارية، فكيف يمكن للإصلاح الإداري أن يتم إنجازه في ظل وجود مثل هذه النماذج من الإداريين الذين يتربعون عرش الادارات العامة في بلدنا؟! وإذا كان هكذا كان تعاملهم مع مشروع عام يخدم أبناء بلدنا فكيف يمكن أن يتعاملوا مع المشاريع الخاصة؟!.. ولكن يبدو أن حرفتيهم غير المبررة تكون فقط إذا تعلق الأمر بمثل هذه المشاريع العامه! ويختلف الأمر تماماً حينما يكون المشروع خاصاً! عندئذ تصبح لعبة النصوص التي يتمسكون بحرفيتها لعبتهم ويتدخل ذكائهم الفذ إلى ابتداع كل النافذ لاختراق تلك النصوص! والسؤال الذي يطرح نفسه: لو أن المشروع خاص أو سياحي وليس خدمي، أكانت كل تلك الإجراءات ستقف بوجهه؟! ثم أليس غريبا أن تبادر جمعية أهلية من أجل أن تساهم ولو جزئياً في "مشروع خدمي بامتياز" لحل مشكلة الأطفال المشردين -وحلها في النهاية مسؤولية دولة وليست مسؤولية جمعية– إن تواجه بكل هذا الصد المتسلح بحواجز إداريه ونصوص جامدة, واحباط مشروع يعتبر إنجازاً حقيقياً للوطن وسمعته وإنقاذا للطفولة الضائعه. وكيف يمكن ان نستثمر الطفولة في ظل مثل هذا العقل الاداري الذي يتحكم في دوائرنا ومؤسساتنا؟! ثم بعد ذلك هل لازال هناك أمل في انجاز هذا المشروع؟! سؤال ونداء نوجهه لكافة المسؤولين في بلدنا علنا نجد جوابا!
المحامي محمد علي صايغ، رئيس جمعية رعاية المسجونين وأسرهم بحلب- (إجراءات إدارية توقف مشروع للأطفال إلى إشعار آخر!)
|